الخميس 03 ديسمبر 2020 م 5:31 صـ 17 ربيع آخر 1442 هـ
الرئيسية | أراء وكتاب

حق المرأة في رئاسة الدولة الاسلامية لمحة تاريخية ( الجزء الخامس)

2016-01-06 16:51:55
د. أحمد صبحي منصور

ما زال الحديث موصولا حول كتاب ( حق المرأة في رئاسة الدولة الاسلامية لمحة أصولية تاريخية ) للدكتور أحمد صبحي منصور ونقول الأتي ما نصه ونبدأ ب
الفصل الثانى : تراث المسلمين: وحق المرأة فى رئاسة الدولة
تمهيد
1- تشريع القرآن هو ما ينبغي أن يكون ،وقصص القرآن هو وصف لما كان مع التركيز على العبرة. هذا هو ما يخص القرآن فى التشريع وفى القصص ، وقد عرضنا لحق المرأة فى رئاسة الدولة فى تشريع القرآن ( الذي ينبغي أن يكون) وعرفنا أن الشورى الإسلامية تجعل القوة فى يد الشعب. وتجعل الحاكم مجرد أجير للشعب ، وحينئذ يستوى أن يكون رجلا أو امرأة طالما حاز الكفاءة وطالما كانت القوامة للشعب عليه . كما عرضنا لقصص القرآن فيما" كان ".
فقد "كان" فرعون مصر مستبدا عاتيا تعامل بالاستبداد مع اثنين من الأنبياء وطاردهما مع شعبهما إلى أن انتهى به الأمر إلى الغرق والتدمير فأصبح عبرة لمن يخشى : (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى (25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (26) النازعات )
أما بلقيس فقد "كانت" ملكة مستبدة فى مملكة سبأ .ولكنها بطبيعتها الأنثوية كانت تستشير ، كانت تحمل خوفا على مملكتها من استبداد الملوك ، وتصرفت بهذه الرقة ، فنجت بشعبها..
هذا ما جاء فى تشريع القرآن وفى قصص القرآن .
2 ـ تراث المسلمين ـ من قصص أو تاريخ ومن تشريع أو فقه ـ أيضا له جانبان :
الجانب الفقهي ، أو ما ينبغي أن يكون تبعا لأمنيات الفقهاء وتصوراتهم طبقا للمنهج الصوري للفقه النظري الذي لا بد أن يتأثر بالواقع. ثم الجانب الواقعي الذي سجله التاريخ . وهنا يبدو الجانب الواقعى التاريخى هو المؤثر الحقيقى فى تصورات الفقهاء ، فالفقيه يتأثر بظروف عصره وتسلط السلاطين ويتجاوب معها بالسلب أو الإيجاب ، وينعكس ذلك على فتاويه ورؤاه ، وإذا كان ذلك الفقيه (مشرعا) ـ بتشديد الراء ـ أو بتعبيرهم (محدثا) ـ بتشديد الدال ، أى يروى الأحاديث ، فهو يعطى رأيه الفقهي حصانة من النقد بأن يجعله حديثا نبويا ، أى ينسبه للنبى عليه الصلاة والسلام ، بعد موت النبى بقرنين وأكثر من الزمان ، وذلك عبر سلسة من الرواة ينتهى بهم إلى الصحابة ، ثم إلى النبي ولا يجد أحدا فى عصره يناقشه أو يحاسبه فى كيفية إثبات أن أولئك الذين ماتوا بالتتابع مثله طيلة عشرات السنين قد رووا أو قالوا هذه الأخبار والروايات والأحاديث.وسلاسل الرواة لا تصمد للمنهج العلمي أو القرآني ، ولذلك نحن نتعامل معها على أساس إنها فكر أو رأى أو ثقافة عصرها.
3- وهذا يعنى أن روايات التراث فى التاريخ والسيرة والتشريع ليست دينا إلهيا وحقائق مطلقة ، بل أقاويل وروايات بشرية ، يجوز فيها الخطأ والصواب والنقاش، وهى بذلك تختلف عن حقائق القرآن المطلقة . وبالتالي فإن لنا مطلق الحرية في التعامل مع مرويات التراث وفتاويه، وفى النهاية فإن ما نقوله يدخل هو الآخر فى إطار الفكر البشرى الذي يقبل الخطأ والنقاش والصواب .ونحن نعتقد أن هذا هو الاجتهاد الديني الذي يحتاجه المسلمون للخروج من تخلفهم الحضاري الذي استمر كثيرا وآن لهم أن يودعوه أو يودعهم.
4- ولكي تصل المرأة إلى رئاسة الدولة فلا بد لها كالرجل من سلوك طريقين ، إما بالمشاركة في صنع الدولة بالثورة والهجرة والحرب والنضال ، وإما بوراثة الحكم . وهذا ما سار فيه تاريخ المرأة داخل وخارج تاريخ المسلمين .
إلا أن المرأة امتازت عن الرجل باستغلال مهارتها الأنثوية فى السيطرة على الرجل الحاكم وسيطرت عليه من خلال "سرير" الحكم أو العرش. والغريب أن أغلب من وصلن إلى السيطرة الفعلية فى الحكم أو السيطرة الفعلية والرسمية كن من الجوارى اللاتي اتخذهن الخلفاء للمتعة ، وكن أقل منزلة من الحرائر الأرستقراطيات . ولكنهن بمهارتهن العقلية والأنثوية أمسكن بكل الخيوط السياسية وسيطرن على مراكز القوى واستخدمن أدوات العصر وثقافته وأساليبه السياسية فى الوصول للسلطة أو للاحتفاظ بها . وجرى عليهم ما جرى على الرجال من الصعود والهبوط ومن العز والذل . وعند السقوط لم يرحم العقاب أنوثتهن أو رقتهن ، لأن لعبة السياسة لا ترحم المهزوم الخاسر وفق الثقافة السياسة للعصور الوسطى .
5- ومن خلال التراث نتتبع وفق التسلسل الزمني جهود المرأة للوصول إلى رئاسة الدولة ، إلى أن وصلت إليها سنة (648 هجرية- سنة 1250 م) في سلطنة شجرة الدر . وكما أنهينا المبحث السابق بالمقارنة بين فرعون موسى وملكة سبأ ، سننهى هذا الفصل بمقارنة بين شجرة الدر وآخر خليفة عباسي في بغداد، شاء سوء حظه أن يعترض على تولى شجرة الدر رئاسة الدولة..
وخلال هذا التسلسل الزمني نحرص على تتبع جهد المرأة السياسي فى تاريخ المسلمين خلال موضوعات ثلاث:
المرأة والنضال فى سبيل إقامة أو توطيد الدولة ، المرأة والحكم من خلف ستار ، ثم أخيرا المرأة وهى تتصدر بنفسها الحكم ( شجرة الدر ) ، وكيف تفوقت في ذلك على الرجل الحاكم المعاصر لها ( آخر خليفة عباسي في بغداد )وهو ترتيب موضوعي ومنطقي أو نرجو أن يكون كذلك .
ونتعرض لذلك ببعض التفصيل و التدليل .
أولا : المرأة والنضال فى سبيل إقامة الدولة :
1- العادة أن حركة التاريخ الإنساني على هذا الكوكب تسير على قدمين إحداهما للرجل والأخرى للمرأة . ولكن كتابة التاريخ عمل انفرد به الرجل ، لذلك جعل المرأة تتوارى بين سطور التاريخ ، وجاء الرجل الفقيه وأفرغ فيها شحنات غضبه لتنزوى داخل البيت .وهذا يجعل مهمة المؤرخ عسيرة في تجلية دور المرأة في صنع التاريخ داخل البيت الملكي أو خارج البيت في ساحة المعارك وميادين الثورات .
وفى بحث موجز كهذا فإننا نكتفي بالمرور السريع على جهد المرأة المتصاعد من النضال في سبيل إقامة الدولة إلى أن وصلت إلى صدارة الحكم كسلطانة ورئيسة للدولة.
2- وقد عرضنا من خلال القرآن لتشريع القرآن فى الشورى والتى على أساسها تكون القوة والنفوذ للشعب بكل أفراده رجالا ونساء ، ومن هنا يستوي أن يكون الحاكم رجلا أو امرأة .
وقد أشار القرآن إلى المهاجرات وبيعتهن للنبي ولجوئهن إلى دولة المدينة وأكدت روايات السيرة ذلك ، بل إن بعض هذه الروايات تحدثت عن المرأة التي تسبق أباها في الإيمان مثل أم حبيبة التي سبقت أباها أبا سفيان في الإيمان وأخت عمر بن الخطاب التي سبقته في الإيمان وتحملت تعذيبه لها هي وزوجها سعيد بن زيد ، ومنهن حواء بنت يزيد الأنصارية وقد سبقت إلى الإسلام زوجها أبا يزيد ، وكذلك أم سليم بنت ملحان زوج مالك بن النضر والد الصحابي أنس بن مالك ، بل إن أم كلثوم بنت عقبة ابن معيط هاجرت من مكة وهى فتاة فجاءت للنبي بعد صلح الحديبية تاركة أهلها ، وخرج في أثرها أخواها الوليد وعمارة فرفضت أن تعود معهما .
ومن المؤمنات من هاجرن إلى الحبشة ثم إلى المدينة ، وقد ذكر أسماءهن ابن هشام في سيرته علاوة على كتب الأحاديث ، ويقول الإمام الزهري " وما نعلم أحدا من المهاجرات ارتدت بعد إيمانها".
وكان يعقب الهجرة مبايعة المرأة للنبي كحاكم ونبي على الالتزام بتشريع الدولة وأحكامها ، مثلها فى ذلك مثل الرجل تماما . وجدير بالذكر أن النبي عليه السلام قبل أن يهاجر إلى المدينة عقد مع الأنصار بيعتي العقبة الأولى والعقبة الثانية . وشهد العقبة الثانية ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان أم عمارة وأسماء بنت عمر .
وكانت المرأة تشارك في إقامة الدولة وفى الدفاع عنها ، فتقول الربيع بنت معوذ : " كنا نغزو مع النبي فنسقى القوم ونخدمهم ونداوى الجرحى ونعود بالقتلى إلى المدينة وكانت المرأة تشارك الرجل فى حضور جلسات الشورى فى المسجد ، وفى حديت فاطمة بنت قيس " .. فلما انقضت عدتي سمعت نداء منادى رسول الله (ص) ينادى : الصلاة جامعة فخرجت إلى المسجد فصليت مع رسول الله فكنت فى صف النساء التي تلى ظهور القوم) (التفاصيل في كتاب " تحرير المرأة في عصر الرسالة: عبد الحليم أبو شقة :ج 2 : 411 - دار القلم ، الكويت . )، وهى إشارات متفرقة عن تفاعل المرأة في عصر الرسالة القرآنية ودورها في إقامة الدولة الإسلامية في عصر النبي . وقد عمل الأمويون على تحويل هذه الدولة المدنية إلى حكم وراثي لصالحهم ، مما أدخل المسلمين في حروب أهلية قادت السيدة عائشة أولى حروبها وهى حرب الجمل.
3 ـ السيدة عائشة
وكانت السيدة عائشة تتزعم المعارضة ضد الخليفة " عثمان بن عفان " بعد أن وقع تحت سيطرة أقاربه الأمويين . وأدت معارضتها ومعارضة الآخرين إلى الثورة على "عثمان" ومقتله ، وتولى الخلافة بعده "على " ولم ترض السيدة عائشة بهذا الاختيار فتزعمت معارضة مسلحة ضده مما أدى إلى موقعة الجمل.
والمغزى من هذه الحكاية الدامية والمؤسفة أن ما تعودت عليه السيدة عائشة من التفاعل السياسي قد جعلها تنسى الأمر الإلهي لزوجات النبي بالاستقرار في البيت ، وذلك أمر خاص بهن ولكن إسهام المرأة في الشئون السياسية كان وقتها شيئا عاديا بحيث أسفر في النهاية عن قيادة السيدة عائشة لجيش ثائر ضد خليفة شرعي .
واستفاد الأمويون من هذه الحروب الأهلية في إقامة دولتهم الوراثية ، ولكن لم يكن سهلا استئصال بقية جذور الدولة الإسلامية القائمة على الشورى والعدل ، لذلك تكلف المسلمون عدة مئات من ألوف القتلى في سبيل أن ينعم الأمويون بإقامة دولتهم وتكلف المسلمون أضعاف هذا العدد من القتلى كي يوحد الأمويون دولتهم . بل إن الأمويين في سبيل ذلك ارتكبوا ثلاث عظائم في سبيل أن يتولى أول خليفة أموي بالوراثة ، وهو يزيد بن معاوية . فقد قتلوا الحسين حفيد النبي وأهله في كربلاء . وغزوا المدينة وانتهكوا حرمتها حين ثارت عليهم ، وحاصروا مكة وانتهكوا حرمة الكعبة . واشترك فى الثورة على الأمويين ونظامهم الاستبدادي كل من الشيعة "والموالى " فى العراق والأقباط فى مصر ، والخوارج من الأعراب.
4 ـ غزالة الخارجية :
وشاركت المرأة فى هذه الثورات حتى فى ثورات الخوارج ، وهم بدو أعراب لا يقيمون للمرأة شأنا ، وهذه ثقافة البدو ولكن الإسلام جاء بتحول جديد فى حياة المرأة فى الجزيرة العربية ، فظهرت نماذج عجيبة فى المشاركة السياسية الحربية أهمل المؤرخون تسجيل أغلبها اكتفاء بأقوال عامة من مشاركة نساء الخوارج مثلا فى الثورات والحروب ، ذلك أن تسجيل ذلك التاريخ تمّ بعد حدوثه وبعد فترة من الروايات الشفهية . ولم يعزز كتابته إلا حديث الشعر عنه ، ومن ذلك ما رددته الأشعار عن غزالة زوجة شبيب الخارجى الثائر على الدولة الأموية .
وكان شبيب قد هزم خمسة قواد للوالى الأموى الجبار الحجاج بن يوسف فقتلهم شبيب واحدا واحدا ، ثم قصد شبيب الكوفة ففر الحجاج أمامه وتحصن بالقلعة وقصر الإمارة ، ودخل شبيب إلى الكوفة ومعه زوجته غزالة . وكانت غزالة نذرت لله أن تدخل مسجد الكوفة فتصلى لله ركعتين تقرأ فيهما بأطول سورتين فى القرآن (سورة البقرة وسورة آل عمران).
وأوفت غزالة بنذرها فدخلت الكوفة مع زوجها ومع سبعين رجلا إلى الكوفة ثم إلى المسجد وصلّت فيه الصبح . وفر الحجاج أمامها وتحصن بالقلعة .
وقد قال الشاعر فى ذلك يسخر من الحجاج تلك الأبيات المشهورة :
أسد على وفى الحروب نعامة فتخاء تنفر من صفير الصافر
هلا برزت إلى غزالة فى الوغى بل كان قلبك فى جناحى طائر
ووصف المؤرخون غزالة بأنها كانت فى الفروسية والشجاعة بالموضع الأعلى ، وكانت تقاتل فى الحروب بسيفها وفرسها .
ولما عجز الحجاج عن مواجهة شبيب وزوجته بعث الخليفة الأموى عبد المللك بن مروان بجيش جرار يقوده سفيان بن الأزد وتعاون معه الحجاج فى هزيمة شبيب ، الذى انسحب من المعركة بعد أن قتلت زوجته غزالة وأمه جهيزة ، وكانت هى الأخرى من المحاربات الشرسات . وأثناء انسحاب شبيب عبر نهر دجيل وغرق فيه . ( خليل بن ايبك الصفدى : فوات الوفيات 16 / 105:104:103)
5-على أن أم حكيم الزوجة المقاتلة هي أبرز ما يعبر عن تفاعل المرأة في ذلك في العصر ، سواء فى نضالها ضد الإسلام أو معه،وفى كل الأحوال فالإسلام هو الذي ملأها حماسا عظيما فأخرجها عن السلبية الأرستقراطية التى كانت تتمتع بها سيدات قريش، ثم انضمت إلى الإسلام فاندفعت فى حماس آخر لتكفرعن نضالها السابق ضده . وتعالوا بنا نجمع شتات أم حكيم من بين سطور التاريخ .
ظهرت أم حكيم في مكة في عصر النبوة حيث كان عمها أبو جهل (أبو الحكم بن هشام ) يتزعم بنى مخزوم وقريش فى حرب النبي وأصحابه، وقد تزوجت أم حكيم ابن عمها عكرمة بن أبى جهل وسارت مع أسرتها فى الطريق المضاد للإسلام . وتلاحقت الأحداث من اضطرار المسلمين للهجرة من مكة إلى المدينة ، ثم نشوب أول حرب بين الفريقين في بدر ، وكان أبو جهل ممن تزعم المشركين وقد لقى مصرعه ، وانهزم جيشه . وهنا بدا دور عكرمة بن أبى جهل وزوجته أم حكيم فى الظهور والزعامة . وشهدت المعركة التالية في" أحد" تلك الزعامة المبكرة لعكرمة وزوجه إلى جانب أبى سفيان وزوجه هند ، وكان الجميع ينشدون الثأر لمقتل الآباء والأخوة والأعمام من سادة قريش في بدر .
وانتهت المعركة بانتصار قريش على النبي وعادت أم حكيم وزوجها وأبو سفيان وهند وقد شفيت صدورهم ، واستمر عكرمة يؤدى دوره مع أبى سفيان في حرب المسلمين فى غزوة الخندق "الأحزاب" واضطرت قريش لصلح الحديبية الذي لم يكن عكرمة سعيدا بتوقيعه، لذلك قام بنقض المعاهدة فأدى ذلك إلى مفاجأة النبي لقريش بجيش ، فلم يسعهم إلا التسليم بزعامة أبى سفيان ، ولكن اتفق عكرمة مع صديقه الموتور صفوان ابن أمية و آخرين على مقاومة الجيش وتكون منهم جيش للمقاومة قام بنكث العهد وهاجم المسلمين في الحرم ، ومع تجاهل رواة السيرة لأغلب تلك الوقائع إلا أن القرآن الكريم أشار إليها بل كانت تلك الأحداث الحربية المجهولة سببا فى نزول سورة براءة التي اعطت مهلة أربعة أشهر ـ هى الأشهر الحرم ـ لأولئك المتمردين الخائنين المعتدين على الحرم والمسلمين الآمنين فيه :
( التوبة 1 : 28 ).
لم تذكر السيرة تفاصيل تلك الأحداث التى عقّب عليها القرآن سوى معركة إنتحارية يائسة تسمى الخندمة نتج عنها فرار صفوان وعكرمة ،وربما كان الحافز لذكرها انه تم تخليدها شعرا ، إذ قال أحد الهاربين لامرأته:
انك لو شهدت يوم الخندمة إذ فر صفوان وفر عكرمة
بعد فشل التمرد هرب عكرمة من مكة بعد أن أسلمت قريش وأسلمت زوجه أم حكيم ، وقابلت أم حكيم النبي وتكلمت معه في الصفح عن زوجها فاستجاب لها وأعطاها أمانا لعكرمة حتى يعود لأهله في سلام ، وله البقاء على دينه إذا شاء ، وتمتع صفوان بن أمية بنفس الأمان ، إلا إن عكرمة كان قد انطلق إلى اليمن ليعبر منها إلى الحبشة. وسافرت خلفه زوجه أم حكيم لتبشره بالأمان وتعود به ، وكان رفيقها فى السفر أحد عبيدها كانت تحسبه نعم الرفيق ولكنه فى الطريق أراد الغدر بها والاعتداء عليها ، ولكنها استطاعت أن تتغلب عليه وأن تقتله .
عاش عكرمة فترة من التيه إلى أن عثرت عليه زوجته أم حكيم . وعادا إلى مكة فى وقت تحول هائل مناقض لشريعة الإسلام وتاريخ النبي محمد عليه السلام ، وهذا التحول لا زلنا نشهده حتى الآن . وهو استغلال الإسلام في الغزو والاعتداء والوصول للسلطة والثرة أو الاحتفاظ بهما . هذا التحول الجديد والخطير بدأ بخلافة أبى بكر. كانت قريش قد عادت لسطوتها بعد موت النبي محمد عليه السلام وتحالف المهاجرين القرشيين مع أهاليهم القرشيين ، وتولى أبو بكر خليفة معبرا عن هذا الحلف ، وثارت الأعراب على التسلط القرشي خصوصا حين طالبهم الخليفة الجديد أبو بكر بدفع الزكاة كرها ، وكانت كل قبيلة من قبل تجمعها وتفرقها على المستحقين من داخل القبيلة . كان دفع الزكاة تطوعا حتى إن رب العزة منع قبول الصدقات من المنافقين لأنهم لا يستحقون هذا الشرف (قُلْ أَنفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ (53) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ (54) التوبة ) . ولكن أبا بكر جعلها إلزما وأقرب الى الاتاوة والجزية وجعلها رمزا للتسلط والتحكم وتبعية القبائل لدولته القرشية . أدى هذا التطور الى إشتعال حرب الردة . وبعد إخماد حركة الردة كان لا بد من توجيه القوة العسكرية للأعراب الى الخارج فاتحدت قريش وبقية العرب فى الفتوحات ، بعد أن أقنعت قريش وقادتها الجُدّد أن قتال الفرس والروم وغير العرب هو جهاد فى سبيل الله جل وعلا ، وبذلك التأويل الفاسد تم إسباغ المشروعية الدينية على رغبتهم الدنيوية في الثروة والسلطة ، وتحت شعار النصر والشهادة . وأصبح التفانى في الفتوحات والاستماتة في معارك الغزو لأمم لم تعتد على المسلمين ـ مظهرا يعبر عن قوة الإيمان ، وفى نفس الوقت يتماشى ويتماهى مع نزعة العرب العسكرية وثقافتهم في السلب والنهب. تحولت الحروب والغارات المحلية بين القبائل إلى حروب عالمية يقاتل فيها العرب مجتمعين أكبر إمبراطوريتين في العالم وقتها ـ الفرس والروم ، وتحت تأويل فاسد للقتال في الإسلام . ومع أنه تأويل فاسد إلا إنه تطابق مع ثقافة العرب ومع أهوائهم فى نفس الوقت ، وأتاح لهم تطبيق تلك الثقافة البدوية الجاهلية تحت شعار ديني .
دخل عكرمة ( الإسلام ) ومعه زوجته وقت هذا التحول الجديد الذي إبتدعته قريش ، كانا صادقين في كراهيتهما للإسلام في عصر النبي ثم أصبحا بنفس الصدق متحمسين للغزوات التي أشعلتها قريش بعد موت النبي . لذا أصبح عكرمة وزوجته على رأس الجيش القرشي الذي بعثه أبو بكر لحرب مسيلمة الكذاب في اليمامة
(نجد) . وبعد القضاء على حرب الردة أرسله أبو بكر مع خالد بن سعيد بن العاص لفتح الشام سنة 13 هجرية . ولم يكن خالد بن سعيد بن العاص يدانى عكرمة في مهارته الحربية ، ولكن يبدو أن أبا بكر لم يكن يطمئن تماما إلى أن يعهد لعكرمة بن أبى جهل بقيادة الجيش ، برغم إلحاح عمر على تولية عكرمة محل خالد بن سعيد . وانهزم خالد بسبب تسرعه فهرب أمام أسوار دمشق وثبت عكرمة في المؤخرة وحمى الجيش ، وكانت معه أم حكيم تقاتل الروم كما يقاتل الرجال . وعكرمة أثناء وطيس المعركة وهو يقاتل ينشد شعرا عن فتاته الحسناء التي تشهد بطولاته وتشد بسيفها من أزره . وأصبح عكرمة قائدا لأحد الجيوش الأربعة التي تجمعت لملاقاة الروم في معركة فاصلة. لذلك أمر أبو بكر قائد الجيش العربي في العراق ( خالد بن الوليد ) أن يترك جيشه مع من ينوب عنه وينتقل بأسرع ما يمكن إلى الشام يؤازر جيوش العرب فيها أمام الروم. ووصل خالد في فترة قياسية وقبل ساعة الصفر ، واتفق مع القادة على توحيد القيادة وأن يتولوها بالتتابع على أن يكون هو قائد اليوم الأول . وأعاد ترتيب الجيش الموحد على أساس جديد ثم أعطى عكرمة والقعقاع قيادة المقدمة.
وانطلق عكرمة ومعه زوجته أم حكيم بكل حماس وفدائية ليكتبا تاريخا جديدا يغطى التاريخ الماضي .
ويذكر ابن اسحق أكبر مؤرخ للفتوحات أن أم حكيم كانت مع زوجها فى المعركة وأنها شاركت بالقتال بالسيف ومعها قوة من نساء قريش يقاتلن "حتى سابقن الرجال"!!
وأثناء احتدام المعركة كان عكرمة يصرخ في الروم قائلا :" قاتلت رسول الله في كل موطن فكيف أفرُّ منكم اليوم " . وحين رأى وهنا بين الجيش بسبب كثرة الروم هتف بين شجعان المسلمين : من يبايعني على الموت ؟ فتوافد إليه أشراف الفرسان ، منهم عمرو وأخوه الحارث بن هشام وضرار بن الأزور وأربعمائة من أشراف العرب ، فألقوا بأنفسهم فى هجمة انتحارية فى قلب الجيش الروماني ، فنتج عن ذلك تخلخل الروم وإصابة الفرسان المسلمين جميعا بالجراح أو بالقتل.
وجيء إلى خالد بن الوليد بعكرمة وابنه عمر وهما ينزفان ، فوضع رأسيهما على ساقه وأخذ يمسح الدم عن وجهيهيما ويقطر الماء في حلقيهما ، وفتح عكرمة عينيه وهو يحتضر ونظر إلى ابنه وقال لخالد بن الوليد : " إنهم زعموا أننا لا نستشهد . بلى والله " ,ثم اغمض عينيه ومات . ومات ابنه معه. ورأت أم حكيم زوجها وابنها يموتان معا فى معركة واحدة،هي معركة اليرموك الفاصلة.
وحدثت بعد اليرموك معارك صغيرة استهدفت تطهير الشام من بقايا الروم ، وشاركت فيها كلها أم حكيم . وبعد انقضاء عدتها بعد وفاة زوجها عكرمة تقدم لخطبتها اثنان من قادة المسلمين فى تلك الفتوحات ، وهما يزيد بن أبى سفيان وخالد بن سعيد بن العاص . وقد ارتضت الزواج من خالد بن سعيد بن العاص ، ودفع لها صداقا قدره أربعمائة دينار . وأراد خالد أن يدخل بأم حكيم فقالت :" لو أخرت الدخول حتى يقضى الله هذه الجموع؟ " أرادت تأجيل الزفاف إلى ما بعد النصر وكانا على وشك الدخول في معركة هامة في مرج الصفراء ، فقال لها خالد : إن نفسي تحدثني أنني سأصاب في هذه المعركة . فرقت له ووافقت ، وأقام لها خالد وليمة ودعا أصحابه وفرسان الجيش ودخل بها ، ويبدو أن الجيش الروماني كان يعلم بما يحدث إذ فاجأهم بهجوم باغت وانطلق خالد من خيمته وهو يجمع عليه ثيابه يقاتل عصابة من الروم التفت عليه ، فأصيب وقتل ، وأسرعت أم حكيم وهى ترتدي ثيابها تقاتل الروم بعمود الخيمة فقتلت به سبعة من الروم ، ودخل المسلمون والروم في معركة تصادمية رهيبة أسفرت عن إبادة الروم في مرج الصفراء . وعادت بعدها أم حكيم وقد تمزق دروعها وقتل زوجها ،ودخلت أم حكيم في عدة جديدة بعد وفاة زوجها الثاني ، وقضت فترة العدة في حروب الشام وبعد أن انتهت تلك الحروب بالنصر عادت إلى المدينة تسبقها شهرتها ، فتزوجها الخليفة عمر بن الخطاب لتشارك معه فى صنع التاريخ ، مع أن التاريخ ظلمها ، فلم يذكرها إلا بين السطور .
( ابن هشام السيرة النبوية ج 2 / 410 ، ابن عبد البر : الأستيعاب 4/ 1932 ، ابن الأثير : أسد الغابة 5/577 ، ابن حجر : الإصابة فى معرفة الصحابة 4/426 ).
ثانيا : المرأة تحكم من وراء ستار
لم يتيسر للمرأة أن تحكم من وراء ستار خلال الدولة الأموية ، تلك الدولة العربية ذات الإيقاع السريع فيما بين دمشق وأطراف الدولة ، من بين حدود الصين والهند إلى حدود فرنسا وحواف البحر المتوسط الأوروبية . إلا أن سطوة المرأة السياسية ظهرت في الدولة العباسية التي سيطرت على مساحة أقل مما سيطرت عليها الدولة الأموية ، والتي كان إيقاع التاريخ فيها متمهلا مما أتاح لنساء القصور أن يلعبن دورا سياسيا حتى لو كن من الجواري المحظيات ، بل إن أكثرهن جواري محظيات . ومعظم الخلفاء العباسيين من أبناء الجواري المحظيات . ومعظمهم من نسل الخيزران أم هارون الرشيد وهو أبو كل الخلفاء العباسيين الذين جاءا من بعده . ونتعرض لأشهر النساء فى السياسة العباسية :
أم سلمه
على أن هناك امرأة مجهولة كان لها الفضل فى إقامة الدولة العباسية ، وكان لها نفوذها في هذه الدولة حين قامت ، ولكن تسجيل التاريخ وتدوينه خلال العصر العباسي أوقع المؤرخين في حرج فاكتفوا بالإشارة إليها بين السطور ، خصوصا وقد كان زوجها هو أبو العباس السفاح أول الخلفاء العباسيين.
والمؤرخ المسعودي ــ الذي عاش في العصر العباسي وتحرر جزئيا من الخوف ــ هو الذي أشار في كتابه "مروج الذهب" إلى زوجة الخليفة أبى العباس السفاح ، وهى أم سلمة بنت يعقوب المخزومية تزوجها عبد العزيز ابن الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك ، ومات عنها فتزوجها بعده الخليفة هشام ابن عبد الملك . ومات عنها فورثت الأموال الطائلة وظلت عزبا . ومر بها أبو العباس في شبابه وجماله فرغبت أن تتزوجه، وكان فقيرا مملقا صاحب طموح وعلى رأس دعوة سرية مع أخيه للقضاء على الدولة الأموية . وتزوجها واستطاع بأموالها تدعيم دعوته ، ونجحت الدعوة فى إقامة الدولة العباسية . وكانت قد اشترطت عليه ألا يتزوج عليها وألا يتخذ محظية من الجواري . ووصلت إليه الخلافة وأصبحت له الدولة فصار لها السلطان فى خلافته . يقول المسعودي :" غلبت عليه غلبة شديدة حتى ما كان يقطع أمرا إلا بمشورتها وبتأثيرها . فلم يكن يدنو إلى النساء دونها لا إلى حرة ولا إلى أمة " أي جارية . (مروج الذهب 2/ 207 :206 ). أى أن الخليفة السفاح الذي استأصل الأمويين وأباد البلاد وقتل العباد كان يتحول إلى قط أليف بين يدي زوجته أم سلمه. وللحديث بقية
---------------
بقلم الدكتور / أحمد صبحي منصور
من علماء الأزهر سابقا
 

0
أراء وكتاب
119953
جميع الحقوق محفوظة © 2020 - جريدة شباب مصر