الأحد 24 يناير 2021 م 11:14 صـ 10 جمادى آخر 1442 هـ
الرئيسية | أراء وكتاب

تدبر وخواطر عن سورة الفاتحة

2016-01-06 17:02:38
مستشار / أحمد عبده ماهر


قد يكون من المناسب أن أنشر لكم تدبري عن سورتي الفاتحة والبقرة...لكن لما كان هذا قد استغرق مني مئات الصفحات لذلك سأكتفي ببعض السرد من قطوف تفسيري للسورتين..وأبدأ بالطبع بسورة الفاتحة التي ستجدون بها اختلافا كثيرا عن أقوال المفسرين القدامى..
فاتحة الكتاب
سورة الفاتحة هي وثيقة التعارف التي يقدم الله بها نفسه لعباده، وقد جرت إرادته سبحانه أن يقدم نفسه بأنه الرحمن الرحيم، وأن يكون الاستفتاح بهذه الأسماء الموحية بالحنان والحب والمودة لخلقه، وما تجد بالفاتحة ما يوحي بأي نقمة أو عذاب أو عقاب، لكنها الرحمات المتكررة بالآيات رقم 1&3.
وهي سورة سهلة المقاطع عظيمة الدلالات قليلة الكلمات، لكنها عظيمة الأثر على النفس، فكم أنت رحمن رحيم وكم أنت الإله الحبيب الودود إلى خلقه الحريص على هدايتهم الرحيم بهم فنعم الإله أنت ونحمدك أننا من عبادك، ونفخر بأنفسنا عبادا لك.
والفاتحة أكثر سور القرءان استخداما وأكثرها تلاوة وأكثرها قربا للقلوب، والمسلم يقرؤها على الأقل سبعة عشر مرة كل يوم إبان صلاته، وقد تمت تسميتها بأم القرءان وكذلك أُطلق عليها بأنها السبع المثاني، وسميت أيضا سورة الحمد، وهناك أسماء كثيرة لها لا يفيدنا ذكرها.
وهي الاستهلال الأعظم لكتاب الله المسطور بسورة موجزة، مفعمة بالمعاني والإيحاءات؛ إرشادية، تعليمية نري أنها اشتملت علي ما يمكن أن نطلق عليه "أركان الإسلام القرآنية الأولية" والتي تجُبّ ـ دون أدني شك ـ تلك العبادات الشعائرية التي تناولتها رواية (أتاكم جبريل يعلمكم دينكم) .. حيث نري اشتمال الفاتحة لمعاني القرآن ومراميه كافة؛ وذلك بإعجاز إلهي، لا يملك قلب المؤمن معه إلا أن يخرّ ساجداً لله القويّ القادر، العليم الحكيم، ذو الكلام المعجز المبين.
ولقد بدأت الفاتحة بأول أركان الإيمان بالغيب وهو الله، وإفراده بالألوهية الحقّة، وما لها من حق العبودية والوحدانية التي تنطق بها أسماؤه وصفاته، وتشتمل عليها ..فالقاعدة الأولي هي الإيمان والتسليم بوجود الله.
وخلت سورة الفاتحة من سبعة أحرف هجائية وهي : الثاء والجيم والخاء والزاي والشين والطاء والفاء.
وقد يكون سبب تسمية الفاتحة بأنها السبع المثاني ورد على أنها تشتق من أحد الفروض التالية:
1. على الله.
2.أو من الثـُّنـْيا لأن الله إستثناها لهذه الأمة.
3.أو من التثنية لأنها تـُثنى (تتكرر) في كل ركعة.
4.أو لأنها تثنى بسورة أخرى.
5. أنها نزلت على رسمين (ثناء ودعاء).
6.أو لثناء الله على العبد كلما قرأ منها آية.
7ـ أو لأنها خلت من سبعة أحرف من أحرف الهجاء.
لكن هناك آراء أخرى تفيد بأن الفاتحة ليست هي السبع المثاني المعنية بقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ }الحجر87....وهذا ما سوف نتعرض له في حينه.
وتبدأ السورة بالآية الأولى {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ }الفاتحة1.
وهي التي اختلف الفقهاء في قرءانيتها، فقال فريق بأنها ليست من القرءان، وهو الفريق الذي أراه على خطأ بحت، وقال آخرون بأنها من بين القرءان وتعد الآية رقم واحد في السورة بل في القرءان كله وهو الرأي الراجح.
والاستفتاح باسم الله هو سمت المسلم الفقيه الواع لدينه وربه والمنتمي لرضوانه والمسارع لذكره، ويجدر الإشارة بأنه رغم أن تلك الآية هي الأولى في السورة وبالقرءان، ولقد استفتح الله القرءان باسمه الرحمن الرحيم،.
وذكر لنا أيضا قوله تعالى مؤكدا: {وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ }البقرة163...
إلا أن الله أمرنا أن نستعيذ أولا من الشيطان الرجيم قبل أن نبدأ في قراءة القرءان عموما فقال تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ }النحل98.
أعوذ بالله: والاستعاذة هي طلب العياذ أي الحماية والحفظ من الله سبحانه، والمؤمن لا يطلبه سوي من الله ليقينه أنه وحده القادر عليه؛ ويعلمنا الله أن هناك صنفان من المخلوقات، ينبغي الاستعاذة منهما:
شياطين الإنس والجان: فأما الأول فيمكن استمالته بحسن المعاملة لاجتناب ما بداخله من شرّ، كما قال:" ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليّ حميم"أما الصنف الثاني فلا قِبَل للإنسان بمواجهته منفرداً دون الاستعانة بخالقه :" فإما ينزغنّك من الشيطان نزغٌ فاستعذ بالله .
"الرچيم: أي المطرود من رحمة الله، فبرفضه السجود لآدم، لردّه الأمر علي الخالق جل في علاه، ولهذا أُغْلِق باب الأمل في وجهه؛ بينما فُتِح لبني آدم بتشريع التوبة.
وبسم الله فيها فتوح للعارفين بمقامات الإله المعبود الخالق الذي له ملك السماوات والأرض، وبسم الله لا اطمئنان ولا هدوء نفسي للمؤمن إلا باستشعاره معيّة الله ودوام الصلة به، لذلك يوجّهنا رب العزة لاستصحاب ذكره وذكر اسمه ليس فقط في بداية رحلتنا مع كتابه الكريم، ولكن في رحلة حياتنا كلها، ولا شك أن في ذلك من الرحمات والبركات والفيوضات ما يستحيل حصره.
------------
مستشار/أحمد عبده ماهر
محام بالنقض ومحكم دولي وباحث إسلامي

0
أراء وكتاب
119954
جميع الحقوق محفوظة © 2021 - جريدة شباب مصر