السبت 02 يوليو 2022 م 5:21 صـ 2 ذو الحجة 1443 هـ
الرئيسية | نبض مصر

ابراهيم يوسف يكتب : هنا تنتهي رحلتنا

2016-04-22 12:33:33
ابراهيم يوسف / لبنان


كنتُ في حال من الإرهاق الشديد، عندما عدت من الريف والساعة تجاوزت منتصف الليل بوقت بسيط، بعد ليالٍ على غيابي من منزلي في المدينة، والنوم على وسادة لاتخُّصني وسرير لم أتعوده من قبل في مناخ بارد معزول، فاغتسلت بفيض من المياه الدافئة والصابون المطيّب. صابون طبيعي مستخرج من زيتون "الكُورة" في الشمال، ومعطر بأعشاب طبيعية تفوح رائحتها من بعيد، فتحفز حاسة الشم وتتحول إلى رِقّة تفعلُ فعلها نشوة في الروح، وتغري الجهاز العصبي بالسكينة والهدوء. استرخيت قليلا في مقعد جلدي وثير وشربت قدحا من عصير البرتقال الطازج لينعشني، وقلت لنفسي: لِمَ لا أكتب إليكِ بقية الليل يا صديقتي، وفاء بوعدي في السهرة الأخيرة..؟ التي سرقتنا وتوغلت بنا وانتهت قبل طلوع الفجر بوقت قليل.
سيارة رباعية الدفع مجهزة بشريحة *(A.B.S) وكوابح عالية الكفاءة، للحد من تأثير التزحلق على الجليد والحصى عند المنعطفات. سلكنا بها الطريق الساحلية المحاذية للبحر باتجاه الشمال، ونحن نواجه كثافة سير خانقة قطعناها مرة بالحديث، ومرة أخرى بالاستماع لموسيقى خافتة تنبعث هادئة من المذياع، وتَحَمَّلْنا صبراً جميلاً على التجاوزات الممنوعة، والسيارات المخالفة الآتية من الاتجاه المعاكس، وأبواق السيارات تنطلق حادة تؤذي مسامعنا من كل صوب. هذه الطريق تواجه كثافة سير في الغالب، وتمتد نحو الشمال فتبلغ طرابلس الفيحاء، ثم تتواصل مرة أخرى باتجاه الشرق لتبلغ غابة الأرز في "بْشَرِّي" موطن جبران "النبي"، أو تتجه إلى بلدة "العريضة" على الحدود اللبنانية السورية، مروراً بمطار "القليعات" ونبعٍ من المياه الكبريتيّة الساخنة، التي يقصدها الناس للعلاج من الآفات الجلدية والبثور.
ولو توغلنا شمالاً بعد "العريضة" والنهر الكبير لبلغنا مدينة "طرطوس" في سوريا، وفيها ميناء مشهورة ومطاعم تتميّز بالمأكولات البحرية وآثار جديرة بالزيارة. كانت المدينة ذات حين تبسط نفوذها على معظم الساحل السوري، من رفح في فلسطين المحتلة مروراً بالساحل اللبناني حيث نحن الآن، حتى مدينة "مرسين" في تركيا الشمال. "وأرواد" جزيرة سورية جميلة مليئة بتراث عمراني نادر، تقابل المدينة ولا تبعد عنها إلا بضعة كيلو مترات فحسب. اتخذها المستعمر الفرنسي سجنا خصصه للمناضلين السوريين، وكانت مملكة مزدهرة ذائعة الشهرة بصناعة السفن منذ القدم، وفيها جرت معارك عنيفة بين الأرواديين والأغريق، وفي زمن لاحق عرفتها سفن الأمويين، التي انطلقت من دمشق تسد وجه الأفق في التاريخ.
إذاً.. ها نحن من جديد على الطريق الساحلية الدَّولية نحو الشمال، وقد انحرفنا شرقا باتجاه منطقة "كسروان" عبر طريق "نهر الكلب"، طريق فرعية حسنة التعبيد تتسلق إلى الأعلى بزاوية منفرجة، وتتسع براحة تامة للسيارات المارة في الاتجاهين إلى مختلف البلدات الساحرة الواقعة على طول الطريق، ومنها "جعيتا" بطبيعتها الخلاّبة ومغارتها الأثرية المشهورة، التي تكونت بفعل حقبات من التاريخ الطويل تمتد لملايين السنين، فانتشرت في داخل المغارة "الطوالع والنوازل" (Stalagmites et stalactites).. أشكال هندسية نادرة التكوين تتجاوز صفاء الشمع وتشبه في نقاوتِها أجساد "الحريم". نقاءٌ أنعم الله به على أجساد النساء وصخور المغارة دون سواهما بلمساته السحرية العظيمة، حيث تتجلى قدرته في حسن صناعته وخلقه الآلهي البديع. يقول للشيء كن جميلا.. فيكون، وأمثلة الجمال الأخرى لا تتسع لها الأرض، ويضيق بها الكون على اتساع أبعادٍ لا تبلغُها حدود.
أما عمق المغارة فيتجاوز بضعة عشرات الآلاف من الأمتار في قلب الجبل. يتم اجتيازها باستخدام القوارب التي لا يتسع الواحد منها لأكثر من عشرة زوار. ينساب الزورق هادئاً كالمسيح؛ (1)"بين كأسٍ يَتشهَّى الكرمُ خمرَه - وحبيبٍ يتمنَّى الكأسُ ثغرَه" يتهادى هذا "الجندول" الصغير فوق مياه مضاءة بمئات القناديل؛ تكاد لشدة صفائها ترى حبة الخردل في القعر العميق.
وتتراءى للزائر في المغارة حكايات الشرق، وعلي بابا يسمع بالصدفة كلمة السر، فيقول للصخرة: إفتح يا سمسم، لتفتح المغارة ويستولي الفلاح الفقير على ثروة تلهب خيال الأطفال، ويضيع معها صواب مرجانة. أو علاء الدين يلتقي بِعَمٍّ مُزَيَّف من المغرب فيخدعه العم الساحر ليحصل على الفانوس ويجترح به العجائب. أو هي النفس البشرية المرتَبِكة تتحدث عن الأمل المتوقع والأحلام المتلاشية في حكايا شهرزاد تقصها على شهريار في ألف ليلة وليلة طالما طبَّل لها التاريخ.
لكنها مياه شديدة البرودة لا تتحملها أصابع اليدين لأكثر من ثوان لا تزيد، وتنتهي الرحلة إلى الداخل بباحة فسيحة أقيمت فيها لمرات عديدة حفلات موسيقية، استُخدمت فيها الآلات النفخية فحسب كالبوق والناي "والفلوت" والمزمار، فالآلات الوترية تخفق ولا تستجيب للأنغام في مناخ مشبع بالرطوبة والبرودة.
والحفلات التي أقيمت في الباحة وفي عمق المغارة حَضَرَها بضعة آلاف من المدعوين في جوٍّ كالأساطير، وهذا المعلم الأثري كاد يدخل التراث العالمي بجدارة منذ بعض الأعوام، عبر تصويت لم يكن منصفا.. حينما لجأ بعض المعنيين بالتصويت إلى "السابوتاج" في غفلة من حكامنا ومسؤولينا في وزارة السياحة..! لو كان هذا البلد يستحقه أبناؤه فعلاً.. لما تركوه للسفاسف وانشغلوا عن مصيره وشؤونه بالرشوة والمنافع والفساد، وليس آخرها فساد الاتصالات والأنترنت، والاتهامات المتبادلة بكل الوسائل بين سائر السياسيين.
أقول لا يستحقه بنوه والزمرة الحاكمة؛ بعيدا من التجنِّي على أحد..؟ ففي تاريخ لم ينقضِ عليه الزمن بعد- حصلت كارثة إنسانية داخل المغارة. ذهب ضحيتها "مينا أشرف وديع" سائح مصري أتى ليموت عندنا، بفعل إهمال بعض المسؤوليين في القطاع السياحي، وانشغالهم بالفساد عن واجبهم في الحفاظ على أرواح العباد. وليسمح لي القارىء الكريم أن أستفيض بالحديث قليلا، وفاءً للزائر الضحيَّة واحتجاجا على الحادثة المستنكرة ولو على حساب النيل من قيمة النص.
كان الزائر ممن أتوا للسياحة عندنا، وَرَفْدِ خزينة الدولة بالمزيد من المال ليغدو أكثره "برسم الاختلاس" من قبل الكثيرين من المسؤولين الفاسدين والحكام. صرَّح مساء يوم الكارثة مسؤول في السياحة وإدارة المغارة، أن الحادث وقع أثناء انتظار الشاب المصرى، ركوب القارب للنزهة داخل المغارة مع رفاق له من التابعية المصرية، وحدث ازدحام أدى إلى سقوطه فى المياه..! "وهنا يجب أن يشار إلى ازدحام بالخط الأحمر"..!؟ ثم جرفته المياه إلى منطقة السدود، حيث يتعذر لأي شخص عادى الوصول إلى المكان، مهما بلغ من التضحية والشجاعة والإقدام، ثم وصل الدفاع المدنى بعدما فات الأوان فانتشل جثته وقد فارق السائح الحياة.
هذه الأنباء تناقلتها يومئذٍ كل وسائل الأعلام، ولم ينسَ المسؤول الكريم عن هذا القطاع؛ الإعراب عن تعازيه وأسفه الشديد لوقوع هذا الحادث الأليم.. هكذا وبكل بساطة مات الرجل وانتهى الأمر، دونما إجراء كشف أو "جردة حساب" وتحديد المسؤوليات، ومعاقبة المسؤولين عن تقصير لا مبرر له!
"سقفُ بيتي حديدْ ركنُ بيتي حجرْ
فاعصفي يا رياحْ وانتحبْ يا شجرْ
واسبحي يا غيومْ واهطلي بالمطرْ
واقصفي يا رعودْ لستُ أخشى خطرْ"
تجاوزنا "جعيتا" بعد "زوق مصبح"- صعودا على منحدرات بزاوية أقل انفراجا ونحن نشعر بالأمان. بعد أن شربنا القهوة وتزودنا بالوقود، وتأكدنا من سلامة ضغط العجلات وكفاءة اشتغال الكوابح. ثم تابعنا رحلتنا وسط طرقات متعرجة، يحيط بها الكثير من الدارات الفخمة والأحراج، التي تعلو وتنخفض تبعا لطبيعة المكان. الدارات التي تختصرُ الأمس القريب، وتزدان سطوحها بالقرميد الأحمر الجميل وَتُشْعِرُك بالأمان، أمان "ميخائيل نعيمة" في حياته ومماته. وتذكرك بهناءة العيش وسط هذه الطبيعة التي أنعم الله عليها بسحرٍ- لا فضل للبشر فيه.. ويكفي منهم فقط بألاَّ يفسدوه بالكسَّارات والمقالع والنفايات، التي طال اختلافهم على تقاسم حصصهم فيها وأجهضوا كل الحلول.
تجدر الإشارة قبل أن نستأنف رحلتنا، من أطراف بلدة جعيتا باتجاه بلدتي "عجلتون" "وريفون". ريفون التي يستحسن أن نقف قليلا عند حدودها لارتباطها "بطانيوس شاهين" قائد ثورة الفلاحين على الإقطاع، إحدى أهم الانتفاضات الشعبية في لبنان الحديث، والخصم الأشرس "ليوسف بك كرم" الذي ناوأ الأتراك ووقف في وجه الدبابة الفرنسية. طانيوس شاهين صاحب أول فكرة لإنشاء "جمهورية عقلانية" في المشرق، تمتد من الناقورة في الجنوب حتى العريضة في الشمال. أما يوسف بك كرم فكل ما أراده أن يكون أول لبناني يحكم “إقليم جبل لبنان”، الممتد من الشمال "الماروني" الى البقاع "الكاثوليكي" وصولًا الى جزين في إقليم الجنوب..!
بالعودة إلى رحلتنا وسط طبيعة خلاَّبة، بكل ما هو خصب وأخضر وجميل نحو فاريا- كفر ذبيان، مرورا "بميروبا" قريبا من "حراجل" بلدة "موسى زغيب"؛ الشاعر الشعبي وأحد أشهر من اعتلى المنابر وأفتى في الزجل اللبناني "والعتابا" "والمُخَمَّسْ مَرْدود". وكان رفيقي في رحلتي هذه طبيب يتولى العناية بأعصاب الناس ويتمتع بسمعة مهنية نظيفة. وهو إلى هذا وذلك بارع في التعامل مع السيارات يقودها بوعي دائم وكفاءة قلَّ نظيرها. مواكب جيد للشأن العلمي خصوصا، والشأن الأدبي على وجه العموم. لكنه.. وهذه نقطة ليست في صالحه؛ متأثر بالفرنسيَّة ويتقنها أكثر من العربية لغته الأم..!
مهما يكن الأمر؛ فقد أخبرني ونحن في الطريق إلى"فاريا"- "كفر ذبيان" أن مندوبة عن شركة للأدوية- فتاة جميلة بلا ريب، لا تفتقر للخبرة والحنكة في الترويج للعقاقير التي تتولى التسويق لها. هذه المندوبة أغرته بقضاء عطلة نهاية الأسبوع في التزلج على منحدرات كفرذبيان "عيون السيمان"، وقضاء ليلتين في فنادقها مدفوعة بكاملها. وربما حصل في السنة المقبلة على بطاقة سفر مجانية، لقضاء عطلته السنوية في التزلج على السفوح السويسرية، إن هو حقق منفعة مالية ملحوظة للشركة..؟ لكنه في الحقيقة لم يخبرني عن رفضه أو قبوله لهذا العرض.. ولو أنني أكاد أجزم وهو الطبيب "الأفقر" أنه ليس أرضا خصبة لإغراء كهذا، والرضوخ لمثل هذه العروض المشروعة من وجهة نظر الأطباء الكثيرين.
قبل أن نبلغ فاريا- كفرذبيان- حيث تتواجد أفضل مراكز التزلج في لبنان. صادفنا بعض السواقي الموسمية التي تفيض بالمياه العذبة بفعل ارتفاع حرارة الشمس وبداية ذوبان الثلوج. هذه السواقي بالإضافة إلى رافد رئيسي من نبع اللبن تشكل مخزونا من المياه العذبة المميَّزة للشرب، التي يتكون منها سد "شبروح" ويتسع لثمانية ملايين متر مكعب لتزويد حاجات منطقتيّ "كسروان" "والمتن الشمالي" من مياه الشفة.
استرعى انتباهي ونحن في طريق أسلكها للمرة الأولى للأسف الشديد؛ الكثير من الصخور التي تتسم بضخامتها وارتفاعها واستقامتها، وأشكالها الهندسيَّة غير المنتظمة. وأكثر ما يلفت الانتباه العديد من البلدات المذكورة، التي تتميز قصورها وداراتها بالقرميد الأحمرالجميل، وتتسم بدقة الهندسة وسلامة التخطيط والتنفيذ، بعيدا من الفوضى وعشوائية العمران، التي تكتسح معظم المناطق اللبنانية في الشمال والجنوب.. تلك التي تعاني إهمال السلطة منذ القدم، والإنماء غير المتوازن وكأنها لا تنتسب لهذا الوطن المنكود.
هذه المناطق الجبلية التي حباها الله سحرا قل نظيره في الدنيا، لا تليق بنا وقد تحولت إبان الحرب الأهلية، إلى مدافن للمواد السامة المستورة من الخارج؛ لقاء بعض المنافع المالية الهزيلة، لتستقر على ذرانا بتواطىء من زعماء المليشيات يومئذٍ، ممن أشعلوا الحرب الأهلية وعاثوا فسادا في البلاد والعباد، ثم عادوا فأخمدوها واستولدوا أنفسهم بانتخابات باطلة ليحكمونا من جديد. هذه المواد السامة المكونة من المعادن المشعة والمعادن الثقيلة المسرطِنة كالزئبق والرصاص والكادميوم، التي تتسرب إلى المياه الجوفية ولا تظهر نتائجها المُدَمِّرة إلا بعد عقود من الزمن. دفنتها الميليشيات على ذرى هذه الجبال- الميليشيات "التي تبرّعت بالدفاع عن تراب هذا الوطن" كما قالت ولا زالت تقول..!
مررنا بفاريا المدينة القائمة على منخفض، وتتميز بعموم أنواع الفاكهة اللذيذة وأهمُّها الكرز، أشدُّ غواية وأشهى من براعم صدور العذارى البنات، وذلك قبل أن نبلغ " بلُّونة" " وفيترون" وكفر ذبيان" أو "قرية الغزلان" "بالسرياني"، وهي مدينة قديمة يؤمها المتعبون من صخب المدينة طلبا للراحة والهدوء، وتضم آثارا تعود إلى الحضارات ‏اليونانية والرومانية والبيزنطية، ومعبدا كبيرا يعتبر من أهم آثارها، وتطل البلدة على واد عميق تنساب فيه مياه نبعي "اللبن والعسل".
أول ما واجهنا في أعالي فاريا كثافة الثلوج، التي لا زالت تنتشر على مساحات واسعة، ونحن في نهاية الشتاء وأول الربيع، ومؤجرو عربات الثلج ينتشرون على جانبي الطريق في بداية كفرذبيان"وساحة وردة"، يؤشرون بأيديهم إلى عرباتهم لمن لا يحسنون التزحلق على الزلاجات، وطالعنا أيضا "التلفريك" بمقاعده المعلقة في الهواء لنقل المتزلجين من "الكابينات" عند نهاية المنحدرات، إلى الأعالي ليعودوا من هناك بواسطة زلاجاتهم على مدارج شديدة الانحدار لا تخلو من المغامرة والخطورة للمبتدئين والمحترفين على حدٍ سواء.
ومنتجع فاريا- كفرذبيان هذا "المزار" ببنيته التحتية ذات المستوى العالمي يضم عشرات المنحدرات، وعددًا من حلبات التزلّج التي تصل مساحتها إلى الثمانين كيلومترًا، ولا يقل أهمية بحال من الأحوال عن منتجع الأرز بجوّه الساحر الخلاّب، ويقع هذا الأخير في شمالي لبنان على بعد ساعتين من العاصمة بيروت، ويمتاز بموقعه الذي يعلو ما يقارب من الألفي متر عن سطح البحر، ويمتد فيه موسم التزلج لفترة أطول. فاريا والأرز هما المكانان اللذان يستقطبان أكبر عدد من السياح خلال موسم الشتاء، وليس من المغالاة القول إنهما لا يقلان شأنا عن أهمية التزلّج في جبال الألب. أما جبل الشيخ الامتداد الجنوبي لسلسلة جبال لبنان الشرقية.. وفيه أعلى القمم ولا يبعد عن الأردن إلاّ بضعة عشر كيلومترا فحسب، والتزلج على سفوح جبل الشيخ معطل في الوقت الحاضر، بفعل الاحتلال الإسرائيلي لهضبة الجولان. وفي يقيني أن استعادة السيطرة على الجبل وما بقي من الأرض المحتلة، حتمية تاريخية لا يجوز التشكيك فيها بحال من الأحوال.
أمّا وأننا لم نأتِ المكان للتزلج، بل عبورا إلى وادي البقاع من خلال طريق "المُكارين"، أو تجَّار الحبوب على الدواب على أطراف الماضي البعيد، تلبية لدعوة خطوبة تلقيناها من هناك..؟ فقد لجأنا إلى هذه الطريق على غير عادتنا، بينما كنّا نسلك في العادة طريق "ضهر البيدر" إلى مدينة شتورة فالطريق الدولية إلى الشام، أو الاتجاه الآخر نحو نهر العاصي ومدينة الهرمل شمالاً على الحدود السورية، عبر مدينتي زحلة- بعلبك. ذلك أن طريق ضهر البيدر أقل ارتفاعا واحتفاظا بالثلوج لهذا الوقت من العام. هكذا نستفيد من متعة المرور في فاريا- كفر ذبيان فجبل صنين، المنطقة التي لا زالت تحتفظ بالكثير من الثلوج، ولا زالت صالحة لمتعة التزلج التي لن تدوم إلى أبعد من أواخر نيسان.
بعد كفر ذبيان ثم "عيون السيمان" وقبل بلوغ مرتفعات صنين مررنا خلال نصف ساعة من الوقت، بعشرات الأنفاق التي كونتها كثافة الثلوج على الجانبين، وتجاوز ثلاثة أمتار ارتفاع بعض هذه الأنفاق، كما تدل المؤشرات الرقميَّة لارتفاع الثلوج على جانبي الطريق. كان ينبغي لنا في كل مرة نجتاز نفقا أن نطلق بوق السيارة على مداه، ونور مصابيحها مضاء بلا انقطاع، تحسبا للسيارات القليلة القادمة من الاتجاه المعاكس، والطريق بفعل انتشار الثلج لا تتسع إلا لسيارة واحدة في الاتجاهين. أحسست بالخشية وغصَّة موجعة في القلب ونحن نجتاز نفقا تراكم على جانبيه ارتفاع هائل من الثلوج، حينما تذكرت "بيرغت" فتاة من النمسا كانت صديقة ابني وزميلته من أيام الدراسة، وقد بلغني منذ بعض السنوات وأحبطني لوقت طويل، نبأ موتها في النمسا بانهيار ثلجي في نفق كهذه الأنفاق.
"خـيْـرُ هـذا بـشَــرّ ذا** فــإذا الــلـهُ قـد عَـفَــا"..؟ كنا في الربع الأول من النفق، عندما واجهتنا سيارة قادمة من الاتجاه الآخر، تقودها فتاة بهية الطّلة تستدعي (2) "مضناك جفاه- والحسنُ أقْسْمْتُ بيوسُفِهِ". توسلتْ سلطانها للمرور قبلنا بعد أن توقفت السيارتان بأمان في الوقت المناسب. هكذا تراجعنا بسيارتنا عشرات الأمتار إلى الوراء، لتسهيل مرور السيارة التي تقودها الفتاة.. وهذه غالبا حال الجنس اللطيف يمارس تسلطه واستبداده بالرجال. لكنها حينما حاذتنا توقفتْ قليلا ورفعت يدها فوق رأسها تحيينا. ثم حمَّلتْ كفَّها قبلة وأطلقتها إلينا في الهواء.
هكذا ارتفعتْ عقيرة الطبيب بالغناء، وراح يترنّم بتأثير من قبلة الفتاة "وقَرَمِهَ" للنساء بأغنية أم كلثوم.. الأغنية الأجمل دون سواها من سائر الأغنيات- (3)"ونُحَمّلُ القُبَلَ النَّسِيمَ.. فَهَل يُؤدِّيها أمِيْنُه- قَسَـــتِ القلوبُ فهلْ لِقَلـــبْكَ.. يا حـبيبي مَنْ يُلينُه"..؟ كان صوته والعياذ بالله نشازاً خالصا لا تتحمله أغلظ الآذان، ولا أدري حقيقة ما الذي كان سيحدث للفتاة لو سمعته يغنِّي..!؟ لكنني سايرته وأطريت صوته، ولو على حساب قناعتي ومعرفتي بالأصوات..! فلم يسكتْ على الإطراء الكاذب وقال لي كلاما سوقيا "وضيعاً"، لا يليق بطبيب أو صديق، كلاماً يسخر مني وينتقد ذائقتي في الغناء والطرب الأصيل..!

كذلك تم عبور الأنفاق الثلجيَّة بأمان وقُبَلٍ وغناءٍ وانتقاد وسخرية وغصَّة وسلام، وأكملنا طريقنا حتى بلغنا قمة تشرف على وادي البقاع، حيث وقفنا قليلا وتنفَّسْتُ ما اتسعتْ له رئتاي من الهواء وراح نظري إلى أبعد ما تمكنت عيناي، وأحسستُ كيف عادت روحي إليّ وقد تحول السهل من جديد إلى بساط من السندس الأخضر، يحلق ليس بعيدا كثيرا عن سماء "بعلبك" سرب من طيور اللقلاق المهاجرة نحو الشمال. يردُّني في الذكريات إلى "quand passent les cigognes" روعة الأفلام الرومانسية القديمة. والطقس صاحٍ إلاَّ من بعض سحب السيروس (Cirrus) التائهة المتناثرة، التي تعلو السلسلة الشرقية المقابلة كما الرايات المتعَبة في سماء البلاد.. الجبال التي تفصلنا عن سوريا ويفصلنا عنها سهل البقاع.. هل أدركت الآن يا صديقي لماذا يموت البشر فداءً للأرض والأوطان..؟
(4)"لي صَخْرَةٌ عُلِّقَتْ بالنَّجْمِ أسْكُنُها
طارتْ بها الكُّتْبُ قالتْ تلكَ لبنانُ
تَوَزّعَتْها هُمومُ المَجْدِ فهيَ هوىً
وَكْرُ العُقابَيْنِ تَرْبى فيه عُقْبانُ
أهلي ويَغْلونْ يَغْدو المَوْتُ لُعْبَتَهُمْ
إذا تَطَلَّعَ صَوْبَ السّفْحِ عُدْوانُ"
على منحدرات السلسلة الشرقية المقابلة، وفي سفوحها على طول الحدود اللبنانية السورية، جرت أعنف المعارك مع القوات المسلحة اللبنانية، وعصابات القتل والتكفير التي دمَّرت سوريا المزدهرة، فقتلت وهجَّرت شعبها ونكبت اقتصادها وعمرانها، وطالت محنتها أكثر مما تحتمل ولم ترحمها معظم أمم الأرض. هذه العصابات كانت مقبلة لتجتاحنا أيضا، لولا تصدي القوات المسلحة الباسلة لها وردها إلى أوكارها في الجبال على الحدود.
في طفولتي كنت أجهل أن الجبل الذي يناطح السماء ويحاذي بلدتي من ناحية الغرب هو صنين الأشم، حتى بلغت أواخر المرحلة الابتدائية..! وهذا لعمري عيب لا يغتفر في التربية المدنية ومناهج التعليم. مهما يكن الأمر..؟ فالطريق الحادة التي عبرناها على الجانب الشرقي لصنين، كان قد سلكها إبان الحرب العالمية الأولى الهاربون من الجوع في كسروان، إلى سهل البقاع الذي كان ينعم بمحاصيل القمح وسائر الحبوب والخير الوفير.
على منعطفات تشبه حرف الإس(s) اللاتيني، وقبل بلوغ بلدة "حدث بعلبك" نزولا، تكثر الينابيع وأشجار السنديان القاسية- قسوة مناخ هذا الجبل وطبائع أبنائه، وتنتشر كروم العنب وأشجار اللوز والكرز والتفاح. هذه البلدة اشتهر فيها آل "حْبَيْقَة" على أطراف الماضي، بصناعة الخناجر"الجَنْبِيَّات" المتقنة التي تزين قبضاتها الأحجار الكريمة الملونة، لتلبي حاجات الثأر بالدم لدى العشائر ممن يتقنون الطعن بالخنجر، وكانوا يشبهون في عاداتهم وتقاليدهم إلى حد بعيد أولئك من لعبوا أدوارا مماثلة في "عرس الدم" مسرحية الإسبان. هذه الصناعة تفوقت في الماضي على الحرفة الإبداعية التي أتقنها آل "حدَّاد" وعائلات أخرى في "جزِّين"، وربما تجاوزت أيضا خناجر اليمن التراث الوطني العريق.
هنا انتهت رحلتنا.. فالدعوة إلى الخطوبة شأن آخر ومقام مختلف، يستدعي حديثا يتسم بحرارة أعلى، ووجدان أعمق ووجيب أسرع في خفقات القلب..؟ وكان آخر ما صادفناه على أطراف بلدة الحدث، قطيع من الماعز يرعى حيثما انكشفت له الأرض عن أعشاب طريَّة لم تزل في بدايتها، يقوده كلب "يُنَتِّفُ الخَيَّال" وراع لا زال في عصر النت والأبواب الموصدة، وبصمة العين والأقمار الاصطناعية وغزو الفضاء الخارجي إلى الزهرة والمريخ.. ما انفك يحنّ إلى الماضي البعيد، ولا زال يهوى أغاني "العتابا واليادي اليادي" ويحن إلى الأحلام الآفلة.. ولا زال يتقن العزف على الرَّبابةِ والمزمار.
* (A.B.S)- جهاز يعمل بالتنسيق مع سرعة العجلات والكوابح، للحد من التزحلق على الجليد وعند المنعطفات.
(1)- قصيدة الجندول من نظم علي محمود طه- ألحان وغناء محمد عبد الوهاب
https://www.youtube.com/watch?v=4BN3wNyOlIc
(2)- مضناك جفاه مرقده- لأمير الشعراء شوقي- ألحان وغناء عبد الوهاب
https://www.youtube.com/watch?v=xmqWhlNS-C8

(3) – الصب تفضحه عيونُه- من نظم أحمد رامي- ألحان أبو العلا محمد وغناء أم كلثوم
https://www.youtube.com/watch?v=E6CUOBXgM34
(4)- قصيدة لبنان من نظم سعيد عقل، ألحان الأخوين رحباني وغناء السيدة فيروز.
https://www.youtube.com/watch?v=xnML4ImZnvA
 

0
نبض مصر
123509
جميع الحقوق محفوظة © 2022 - جريدة شباب مصر