الأحد 17 أكتوبر 2021 م 2:13 مـ 10 ربيع أول 1443 هـ
الرئيسية | نبض مصر

يوسف حجازي : الفكر الاجتماعي في العصر الحديث ... الحلقة 20 ... مدرسة فلسفة المجتمع المدني

2017-04-06 13:10:47
يوسف حجازي


العنوان سؤال مسكون بالسؤال ، والإجابة على هكذا سؤال مسكون بالسؤال تعني الإجابة على مجموعة من الأسئلة ، وهي كيف نشأ مفهوم المجتمع المدني ، وكيف تطور ، وما هي مكوناته ، وما هو إطاره التنظيمي ، والإطار هو كل ما يحيط بالشيء من الخارج . ويرجع مفهوم المجتمع المدني إلى الفكر اليوناني القديم ، وقد عرفه أرسطو ( 384 ق م – 322 ق م ) بأنه المجتمع البشري الذي يرتبط بمراكز الحضارة المدنية ولا تربطه أية روابط عائلية أو دينية ، وهكذا نرى أن أرسطو عرف مفهوم المجتمع المدني بأنه المجتمع الذي يخضع للقانون ، أي أن أرسطو لم يكن يميز بين المجتمع المدني والدولة ، لأن الدولة مجتمع سياسي يخضع للقانون ، ولأن الدولة مجتمع سياسي تتكون من أعضاء هم مواطنون يعترفون بالقانون . ولذلك كان أرسطو يدعو إلى تكوين مجتمع سياسي تسود فيه حرية الرأي والفكر والتعبير ، وحرية تشريع القوانين لحماية العدالة والمساواة ، ولكن المشاركة في هذا المجتمع السياسي كما كان يرى أرسطو والفكر السياسي اليوناني القديم يجب أن تقتصر على النخبة ، وأن يحرم من المشاركة فيها ومن المواطنة أيضا العمال والنساء والأجانب ، وفي عصر التنوير وتحديدا في عام 1594 ارتبط مفهوم المجتمع المدني بالمدن أي سكان المدن ، وفي العصر الحديث وفي أعقاب التحولات والتطورات التاريخية في القرن الثامن عشر بدأ التمييز بين الدولة والمجتمع المدني ، وقد تبلور ذلك بصورة أكثر وضوحا في القرن التاسع عشر حيث حدثت تحولات جديدة بلورت مفهوم المجتمع المدني الذي يبدو أن ولادته كانت نتيجة طبيعية للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي نتجت عن الثورة الصناعية والثورات السياسية وخاصة الثورة الفرنسية وثورات عام 1830 وثورات عام 1840 في أوروبا . وذلك بالإضافة إلى نظرية العقد الاجتماعي التي أحدثت قطيعة بين السلطة والكنيسة ، وأفكار روسو التي كانت تدعو إلى ضرورة أن تكون السلطة نتيجة اتفاق بين أفراد المجتمع والدولة ( الحكام والشعب ) ، وأن السيادة يجب أن تكون للشعب . وجون لوك الذي بلور نظريته إبان الصراع خلال الثورة الانجليزية الكبرى بين الملكية والبرلمان في عام 1688 على فكرة أن العقد الاجتماعي يعتمد على مجتمع مدني قوي ودولة محدودة الصلاحيات . وتوماس هوبز الذي كانت فلسفته في العقد الاجتماعي تقوم على ان المجتمع المدني هو الذي يشكل الحكومة والدولة ، ولكن من اجل الحفاظ على مجتمع يدير علاقته بشكل متمدن مع الحاجة إلى دولة قوية ، و بالرغم من الاختلافات فإن نظرية العقد الاجتماعي بالنسبة لمفكري العصر التنويري ترى أن الدولة هي نتاج اختيار منطقي من قبل المجتمع لطريقة الحكم ، و لا تستمد الدولة حكمها أو صلاحياتها من الآلهة أو الأديان أو أي شي آخر فوق الإرادة الحرة للبشر ، وهيغل الذي فرق بين المجتمع المدني الذي استخدم له مصطلح ( مجتمع المواطنين ) والدولة كمستويين منفصلين . وهكذا نرى أن أوروبا كانت قد حققت منظومة فكرية جديدة كان من نتائجها ظهور مفهوم جديد للمجتمع المدني وخاصة في النصف الثاني من القرن الماضي وتحديدا في الفترة التي بدأت فيها النظم الشمولية في أوروبا الشرقية والعالم الثالث بالانهيار والاتجاه نحو النظام الديمقراطي ، وخاصة في بولونيا وهنغاريا وألمانيا الشرقية وتشيكوسلوفاكيا وبلغاريا ورومانيا ودول بحر البلطيق وأوكرانيا ، وفي العالم الثالث ، وعمال الدول الصناعية ، وقد كان من النادر في الخمسينات والستينات من القرن العشرين أن تجد بلدا لا ينسب حكامه أنفسهم إلى الاشتراكية أو على الأقل العمل على الاستفادة من النموذج الاشتراكي ، وخاصة في مجال التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية ، وقد كانت الشيوعية وخاصة في الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية هي التجسيد الواقعي لتلك الآمال التي كانت تتطابق مع الأمل في مستقبل هذه الأنظمة في هذه البلدان في العالم الثالث . وقد حققت هذه البلدان في دول ارويا الشرقية وفي دول العالم الثالث نجاحات نوعية في المجال الاقتصادي ، وارتقت من دول من الدرجة الثالثة إلى دول من الدرجة الثانية لدرجة أنها أصبحت دول صناعية متوسطة ، واختفت في البعض منها الأمية والبطالة ، وتوفرت لسكانها خدمات صحية واجتماعية وثقافية في فترة زمنية قصيرة كان من المستحيل أن تتوفر لو كانت هذه الدول تسير وفق النظام الرأسمالي . وذلك بالإضافة إلى أن هذه الدول وخاصة في منظومة الدول الشيوعية شكلت نظام دفاعي مشترك وهو حلف وارسو ، ومنظمة عدم الانحياز في الدول الاشتراكية . وكانت هذه الأنظمة قد وفرت الحماية لهذه الدول في وجه التحديات الامبريالية الغربية ، والاستقرار السياسي الداخلي ، والسلام العالمي ( حرب باردة – توازن قوى ) . ولكن هذا الاستقرار وهذا السلام بدأ يضعف بالتدريج وبشكل لا يمكن إخفاؤه منذ ستينات القرن الماضي إلى أن حدث الانهيار أو الثورة من وجهة نظر القوى الامبريالية التي شاركت في صنع هذا الانهيار ، أو الثورة المضادة من وجهة نظر حكام هذه الدول الاشتراكية في دول أوروبا الاشتراكية في عام 1989 ، أو الثورة الديمقراطية من وجهة نظر هذه الشعوب في أوروبا الشرقية ، وسقوط سور برلين في عام 1989 ، وانهيار الاتحاد السوفياتي نفسه بعد عامين في عام 1991 ، ولم يكن هذا الانهيار شأنا خاصا بالاتحاد السوفياتي ومنظومة الدول الاشتراكية ، ولكنه كان شأنا عاما حيث انهارت الآمال التي كانت الشعوب تعلقها على الاشتراكية في حل مشاكلها وفي التنمية المجتمعية ، كما أن سقوط الماركسية الاشتراكية كنظام حياة كان وبلا شك انتصارا للنظرية الرأسمالية كنظام حياة ، وقد نشرت مجلة ناشيونال انترست في عام 1989 مقالا بعنوان نهاية التاريخ وأطروحته الأساسية قالت فيه ( أن الديمقراطية الليبرالية بقيمها في الحرية الفردية والمساواة والسيادة الشعبية ومبادئ الليبرالية الاقتصادية تشكل مرحلة نهاية التطور الإيديولوجي للإنسان ، وبالتالي عولمة الديمقراطية الليبرالية كصيغة نهائية للحكومة البشرية ) . وقال العالم السياسي الأمريكي المحافظ الأستاذ في جامعة هارفارد صمويل هنتنجتون ( 1927 – 2008 ) ( أن صراع ما بعد الحرب الباردة لن يكون حول الخلافات الأيديولوجية بين الدول القومية ، ولكنه سيكون حول الاختلافات الثقافية والدينية بين الحضارات الكبرى ) ، وكذلك قال الفيلسوف الياباني – الأمريكي فرانسيس فوكوياما في كتابه نهاية التاريخ والإنسان في عام 1992 ( أن سقوط الاتحاد السوفياتي وتفككه إلى دول ، وتحول دول أوروبا الشرقية إلى النظام الديمقراطي الليبرالي على النمط الغربي هو نهاية التاريخ ، وان كل الدول التي كانت تسير في فلك الاتحاد السوفياتي سوف تدفع الثمن ) وكان من نتائج سقوط الاتحاد السوفياتي وتفككه ، وانتهاء الحرب الباردة ، وتحول دول أوروبا الشرقية إلى الديمقراطية الامبريالية ، تكريس الاستعمار والهيمنة الأمريكية ، واضطرار دول العالم الثالث إلى تغيير مواقفها السياسية حتى تتناسب مع التطورات الجديدة ، والى تخليها عن سياسة مناهضة الامبريالية بما يتناسب مع الأحادية القطبية وسياسة الولايات المتحدة الأمريكية في إضعاف حركة عدم الانحياز ، والتقليل من فاعلية التعاون بين دول العالم الثالث . وهكذا انتهى النظام الدولي ثنائي القطب وبدء النظام الدولي الجديد أحادي القطب ( وحيد القرن ، ووحيد القرن كائن على هيئة حصان خرافي أبيض اللون ذو قرن واحد ، وقد ذكر في الأساطير الإغريقية واتخذ كشعار لنبلاء العصور الوسطى في أوروبا ، والكركدن والخرتيت والخريش أيضا من الحيوانات وحيدة القرن ) بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية القوة المقررة في هذا النظام . وخاصة بعد تفكك حلف وارسو ، وتطور القدرات الاقتصادية والعسكرية والثقافية الأمريكية ، والسيطرة على التكتلات الاقتصادية ( النافتا ) منظمة التجارة الحرة لدول أمريكا الشمالية و( آبيك ) منظمة التعاون الاقتصادي لدول أسيا والمحيط الهادي ، ومنظمة التجارة الدولية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ، والسيطرة على مجلس الأمن ، وفرض مفاهيم جديد في موضوع حقوق الإنسان والديمقراطية والإرهاب ، والخروج على ميثاق الأمم المتحدة في إعلان الحرب ( كوسوفو – العراق ) ، وانتشار قواعدها العسكرية وأساطيلها وجيوشها حول العالم ، وذلك بالإضافة إلى إقامة اتفاقيات دولية ( حقوق الإنسان – المحكمة الجنائية ) ، والسيطرة الثقافية والإعلامية والعولمة الاقتصادية ، وفرض نمط حياة استهلاكية على دول العالم ، وفك الارتباط بين الأحزاب الاشتراكية ، وتكييف عقيدتها وعملها بما يتفق والظروف الاجتماعية التي تتطابق مع الليبرالية كطريق وحيد للتنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية . وكذلك لم يكن سقوط الاتحاد السوفياتي ومنظومة الدول الاشتراكية وانتهاء الحرب الباردة قد ترك ظلاله على العالم الثالث ، ولكن هذه الظلال وصلت إلى قارة أوروبا العجوز ، قارة الثورة الصناعية والثورة التكنولوجية ، والثورات السياسية والنهضة الأوروبية ، والحربين العالميتين ، والنظام الرأسمالي ، والنظام الاشتراكي ، والحركة الاستعمارية . خاصة وان هذه القارة أصبحت تواجه تحديات تهدد الاتحاد الأوروبي الذي لا يمكن لأحد أن يراهن على استمرار وجوده على قيد الحياة ، وان بقى على قيد الحياة فانه سوف يعمل بطريقة أكثر محدودية وتجزئة خلال العقد القادم . ومن اخطر التحديات الذي يواجهها الاتحاد الأوروبي الهجمات الإرهابية ، ومشاكل اللاجئين وخاصة بعد الربيع العربي في قارة هرمة لا تزيد نسبة الولادات الطبيعية فيها عن 2 % ، والأزمات الاقتصادية وخاصة بعد انضمام دول أوروبا الشرقية وأوروبا الجنوبية إلى الاتحاد الاوروبي ، وخروج بريطانيا من الاتحاد ، وتوسيع الفجوة الصناعية بين دول الشمال ودول الجنوب ، والأمركة التي تهدد دول الاتحاد لغويا وفكريا وحضاريا ، والصراعات الثقافية واللغوية بين دول الاتحاد ، واختلاف العقائد بين الكاثوليك والبروتستانت ، ووجود 24 لغة يتحدث بها 500 مليون نسمة ، وذلك بالإضافة إلى مشاكل الأحزاب والنقابات ٍ ولم تتوقف هذه الظلال عند هذا الحد ولكنها وصلت إلى الولايات المتحدة الأمريكية نفسها ، وكما يقولون في الأمثال طباخ السم لازم يذوقه ، الدولة الدومين العملاقة ، الأولى في القوة في أي شيء وفي كل شيء سياسيا واقتصاديا وماليا وعسكريا وعلميا وتكنولوجيا وثقافيا وحضاريا وفنيا وامنيا وانتشارا في كل قارات العالم وفي كل المجالات ، وهي في الواقع والتاريخ حالة غير مسبوقة في الواقع والتاريخ . ولكن ورغم كل ذلك هل من الممكن أن تظل امريكا القوة الأولى في الواقع والتاريخ رغم ما تواجهه الولايات المتحدة الأمريكية من تحديات وخاصة تحدي الاختلال في التوازن بين الإنفاق العسكري والمتطلبات الإستراتيجية ، وتركيبة المجتمع الأمريكي الفسيفسائية الذي يتكون من مجموعات عديدة من البشر، ومنهم الأبيض والأسود واللاتين والأسيويين وسكان جزر المحيط الهادي والسكان الأصليين من الهنود الحمر، ولكنهم جميعا قد تجمعهم المصالح والمصالح قد تتصالح ، وقد لا تجمعهم المصالح والمصالح قد لا تتصالح ، وهكذا أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية الأولى في أي شيء وفي كل شيء بفعل القدر والبشر رغم العنصرية المتأصلة في الجينات الأمريكية . ولكن ورغم القدر والبشر والموارد والإمكانيات في هذا العالم المضطرب هل سوف تظل الولايات المتحدة الأمريكية القوة الأولى في العالم في أي شيء وفي كل شيء ، أم أن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تجد نفسها مضطرة إلى إعادة النظر في سياستها الخارجية إلى درجة التراجع نحو إعادة التفكير في الإستراتيجية الأمريكية والسياسات الخارجية الأمريكية وفقا لمعطيات محلية وإقليمية ودولية أمام التحديات التي تواجهها من روسيا الاتحادية في المحيط الهادي وشرق أوروبا والشرق الأوسط ، وخاصة بعد ضم شبه جزيرة القرم والتدخل في أوكرانيا وسورية ، ومن الصين في الشرق الأقصى وفي الجزر المنتشرة في جنوب بحر الصين ، ومن إيران والبرنامج النووي الإيراني في الشرق الأوسط والخليج ، وذلك بالإضافة إلى ما تواجهه من تحديات في كوريا ، وفي بحر البلطيق وما تتعرض له دول حلف شمال الأطلسي في منطقة البلطيق ، ومن تقدم تنظيم الدولة الإسلامية في سورية والعراق ، ومن التحديات المحتملة القادمة من قارة أسيا التي تشير بعض التقديرات انه وبحلول العام 2050 سوف تكون قارة أسيا قد قطعت مسافة كبيرة في طريقها إلى استعادة دورها التاريخي مع صعود الصين والهند ، وهو ما سوف يخلق حالة من عدم الاستقرار والتوازن المقلق للولايات المتحدة الأمريكية . ومن المنافسة التجارية في الأسواق الداخلية والخارجية من الدول الأسيوية والاتحاد الأوروبي ، ومن المهاجرين السريين وخاصة من المكسيك وكوبا ودول أمريكا اللاتينية الذين يلعبون دورا كبيرا في تعقيد الوضع الاجتماعي ويزيدون من حدة التفاوت الاجتماعي مما يساهم في تفشي الانحراف والبطالة ، وتلوث البيئة الناتج عن كثرة المصانع ، والاعتماد على الخارج في تزويد الصناعة بالمواد الأولية والمواد الخام ومصادر الطاقة ، والأعاصير المدارية التي تهدد السواحل الجنوبية والجنوبية الشرقية ، والأعاصير الداخلية التي تهدد الوسط ، والتيارات الهوائية القطبية ، وانجراف التربة ، والنقابات العمالية التي كانت نتيجة لتضحيات عمال معمل ماكورمك في شيكاغو في عام 1884 ، والتي لم يتوقف نشاطها عند النضال من اجل تحقيق شعار الثماني ساعات عمل ، ولكنه تجاوزه إلى حقوق العمال في العمل ، والرعاية الصحية ، والتقاعد والتعويض في حالات الحوادث والعحز والشيخوخة والوفاة ، ومواجهة الشركات الرأسمالية وممثليها في البرلمانات الأمريكية والأوربية ، والكثير من رجال الإعلام والقانون الذين كانوا لا يتوانون عن الهجوم على هذه النقابات من اجل انتزاع الحقوق التي حققتها للعمال ، ولا يبدو أنه يمكن أن يكون هناك مصالحة بين النقابات والشركات ، ولذلك نرى أن الشركات تعمل بكل وسعها لإنهاء أي دور للعمل النقابي المنظم ، وترك مصالح العمال دون نقابات تدافع عن حقوقهم ، والانفراد بالعمال حتى تجريدهم من كل حقوقهم ، ولكن هذه النقابات أخذت تتطور شيئا فشيئا إلى أن أصبحت أكثر شمولا واتساعا جنبا إلى جنب وخاصة بعد انتشار الأفكار الاشتراكية ونجاح الثورة البلشفية بقيادة لينين في روسيا إلى أن اعترفت بها الدول بشكل رسمي ، وفي المقابل كانت النقابات هي البوابة الرئيسية التي ساعدت على نشر الأفكار الاشتراكية في بلدان العالم الثلث ، وفي أواسط القرن التاسع عشر بدأت النقابات تخرج من إطار البلد الواحد إلى مجموعة من البلدان (النقابات العالمية ) ، ولذلك كله وبالإضافة إلى سوء إدارة وتدبير الدولة ، ووحشية الامبريالية التي لا حدود لها ، وفشل الفلسفة اليونانية – الرومانية والكنيسة ، والسياسة الأخلاقية كما يتصورها ايمانويل كانط ، والسياسة اللااحلاقية الانتهازية كما يتصورها مكيافيللي ، والديمقراطية والتي هي في الأصل والنهاية دكتاتورية طبقة منتخبة أو أو دكتاتورية حزب منتخب أو دكتاتورية شخص منتخب ، ولأنها تتناقض مع القانون الطبيعي في المساواة بين البشر رغم أن البشر في الطبيعة غير متساوين في الجسم والعقل ، ولأنها أيضا تفتح المجال في كل القضايا أمام كل البشر بغض النظر عن خصوصية هذه القضايا وخطورتها واختلاف مستويات البشر في إمكانية التعاطي مع هذه القضايا ، والأحزاب وخصوصا بعد أن انكشف عوار هذه الأحزاب أمام المجتمعات الغربية ، وتفريغها من محتوياتها ، وعدم قدرتها على اختراق مجتمعاتها ، وتراجعها عن المشاركة في الشأن العام ، وفشلها في بعض التجارب في السلطة والمعارضة ، وفي النهوض بأعبائها الكاملة وخصوصا في القضايا السياسية ذات الصبغة الاجتماعية ، واستغلال الأنظمة السياسية السلطوية لها في تحقيق برامجها ، وانتشار قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ، ونشاط وصعود المثقفين غير الحكوميين وغير الحزبيين في قلب الحياة الجمعوية ، والظروف والملابسات التاريخية والسوسيوثقافية ، وبروز مفهوم المجتمع المدني كمفهوم حديث في حقل السياسة والثقافة والإعلام . وبروز مفهوم اللاسلطوية ( الاناركية ) وتعني لا حاكم لا سلطة ، وهي كفكر ونظرية سياسية وحركة اجتماعية تدعو إلى إعادة بناء بنية المجتمع على أسس مختلفة تقوم على أن ينظم المجتمع شئونه ذاتيا دون تسلط من فرد أو جماعة على مقدرات وحياة غيرهم . كل ذلك فرض على النظام الرأسمالي وطبقا لقانون التحدي والاستجابة أن تبحث عن نظام جديد للحكم يستطيع من خلاله ان يستوعب كل هذه المستجدات والتي هي في الأصل تحدي للنظام الرأسمالي . وأخيرا استقر الرأي وبعد دراسات موضوعية وعلمية وأكاديمية وسياسية وميدانية على أن الحل والخروج من المأزق لا يكون إلا من خلال مجتمع مدني يتكون من مجموعة من التنظيمات التطوعية الحرة ، وعلى أن يكون دور هذه التنظيمات التي تتكون من جمعيات تطوعية هو شغل المجال العام بين الأسرة الدولة ، وهو المجال الذي يشكل ساحة الصراع السياسي والإيديولوجي والاقتصادي والطبقي بين الأسرة ( المجتمع الأهلي ) والدولة ( المجتمع السياسي ) التي لا مجال للاختيار في عضويتها ، الأسرة وما تمثله من قرابة ورابطة دم ، والمجتمع السياسي الذي يتكون من الدولة وأجهزتها والتنظيمات والأحزاب السياسية التي تسعى إلى السيطرة على الدولة أو الضغط عليها . ولذلك ونظرا لتطور العلاقات الرأسمالية في المجتمعات الأوروبية في القرنين السابع عشر والثامن عشر ، وخاصة التطورات التي أدت إلى انقسام المجتمعات الأوروبية إلى طبقات ذات مصالح متفاوتة ومتناقضة ، والى احتدام الصراع الطبقي بين هذه الطبقات ، وفي هكذا حالة من الصراع كان لا بد للطبقات السائدة في المجتمعات الأوروبية وهي الطبقات الرأسمالية الحاكمة من بلورة آليات جديدة لإدارة هذا الصراع واحتوائه بشكل يضمن تحقيق مصالح الطبقات الرأسمالية السياسية والاقتصادية في الحكم ، وقد نجحت الطبقات الرأسمالية الأوروبية في ذلك من خلال آليتين ، الأولى آلية السيطرة المباشرة بواسطة أجهزة الدولة ، والآلية الثانية آلية السيطرة غير المباشرة ، وهي الآلية الايديولوجية والثقافية التطوعية الحرة ، وهي جمعيات اجتماعية غير حكومية تمارس نشاطات إنسانية متنوعة ، وتلتزم في تكوينها ونشاطها بقيم التراضي والاحترام والتسامح ، والمشاركة والإدارة السلمية ، والتنوع والاختلاف ، وتتشكل من اجل تحقيق مصالح أفرادها ، وتقديم الخدمات للمواطنين ، ويمارس فيها الأفراد نشاطا تطوعيا لحل مشاكلهم الاجتماعية والاقتصادية والمعيشية والثقافية والفئوية . وتتكون من الجمعيات الدفاعية والتنموية كمراكز حقوق الإنسان ، والمرأة والتنمية والبيئة ، والصحافة الحرة وأجهزة الإعلام والنشر ، ومراكز وبحوث الدراسات والجمعيات الثقافية ، والنقابات العمالية والمهنية ، والحركات الاجتماعية ، والجمعيات التعاونية والأهلية ، ونوادي هيئات التدريس بالجامعات ، والنوادي الرياضية والاجتماعية ، ومراكز الشباب والاتحادات الطلابية ، والغرف التجارية والصناعية ورجال الأعمال ، وكل الكيانات الاجتماعية المنظمة التي تقوم على العضوية المنتظمة على قاعدة الهدف العام أو المهنة أو العمل التطوعي ، ولا تستند فيها العضوية على الوراثة ورابطة الدم ، والولاءات الأولية كالولاء للأسرة أو العائلة أو القبيلة أو العشيرة أو المذهب أو الطائفة . وتأتي أهمية الآلية الايديولوجية من كونها تؤكد الآلية التي تؤكد استجابة كل الفئات الاجتماعية لقيم النظام الرأسمالي ، وقبول هذه القيم ، والدفاع عن مصالحها في إطارها ، وهذا بدوره يؤكد قدرة الطبقة السائدة ( الرأسمالية ) على إدارة الصراع في المجتمع بما يحقق مصالح الطبقة الرأسمالية الحاكمة ، وأسس النظام الرأسمالي ، والايدولوجيا الرأسمالية ، وبناء على ذلك يمكن القول إنه لم يعد هناك مفهوم واحد للمجتمع ، ولكن ثلاثة مفاهيم مختلفة ولكنها في نفس الوقت متكاملة ، وهي المجتمع والمجتمع السياسي ( الرسمي ) والمجتمع المدني . المجتمع وهو الإطار الشامل الذي يحتوي كل البشر وينظم العلاقة بيتهم في إطار اقتصادي واجتماعي محدد ويتطور من خلال علاقة فئاته وصراعاتها ، والمجتمع السياسي وهو مجتمع الدولة ، والمجتمع المدني وهو كل الأفراد والهيئات غير الرسمية بصفتها عناصر فاعلة في المجالات التربوية والاقتصادية والعائلية والصحية والثقافية والخيرية وغيرها ، وهي المؤسسات التي يطلق عليها في علم الاجتماع المؤسسات الثانوية مثل الجمعيات الأهلية والنقابات العمالية والمهنية وشركات الأعمال والغرف التجارية والصناعية وغيرها من المؤسسات التطوعية ، ولأن هدف المجتمع المدني هو تمكين هذه المؤسسات الأهلية من تحمل مسؤوليتها في إدارة شؤون المجتمع بحيث يصبح المجتمع يدار ذاتيا والى حد بعيد من هذه الجمعيات التطوعية ، لذلك كان من الضروري استبعاد المؤسسات الاجتماعية الأولية كالأسرة والقبيلة والعشيرة والطائفة الاثنية والمذهبية والدينية ، والمؤسسات السياسية والحكومية . ولكن لا يجب أن نفهم من ذلك أن التعارض بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي ( الدولة ) تعارض مطلق . ولكن ما يجب أن يفهم هو أن العلاقة بينهما علاقة تكاملية ، فلا مجتمع مدني قوي بدون دولة قوية ولا دولة قوية بدون مجتمع مدني قوي ، وان ما يميز بينهما فقط هو توزيع الأدوار وليس الانفصال الكامل ، ولكن يحب أن يكون مفهوما وبشكل لا لبس فيه ولا غموض ان المجتمع المدني يجب ان يكون مجتمع مستقل إلى حد كبير عن إشراف الدولة المباشر ، وخاصة في مجال التنظيم وروح المبادرة الفردية والجماعية ، والعمل التطوعي والخدمة العامة ، والدفاع عن الفئات الضعيفة ، كما انه يجب أن يكون مفهوما أن المجتمع المدني ورغم انه يعلي من شأن الفرد إلا أنه لا يمكن أن يكون مجتمع الفردية ، ولكن وعلى العكس من ذلك يحب أن يفهم على أنه مجتمع التضامن ، لأنه يقوم على شبكة واسعة من المؤسسات ، ولأن دوره يقوم على تنظيم وتفعيل دور المواطنين في تقرير مصيرهم ومواجهة السياسات التي تؤثر قي حياتهم ومعيشتهم و زيادة إفقارهم ، وعلى نشر ثقافة خلق المبادرات الفردية والجماعية ، وثقافة بناء المؤسسات الثقافية وما تقوم به من دور في إعلاء شأن المواطن ، والتأكيد على إرادة المواطنين في الفعل التاريخي ، وتنظيم المواطنين في العمل التطوعي في ساحة الفعل التاريخي ، وذلك بالإضافة إلى دوره في المساهمة في تحقيق التحولات الكبرى حتى لا تبقى هذه التحولات حكرا على النخب الحاكمة ، وفي هذا الإطار نرى أن المفكر الايطالي انطونيو جرامشي يرى أن المجتمع المدني هو ساحة الصراع الأيديولوجي داخل المؤسسات السياسية والثقافية والفكرية قي المجتمعات الرأسمالية ، وهي المساحة التي تمارس من خلالها الطبقة البرجوازية هيمنتها الثقافية ، وهي نفس المساحة التي تواجه فيها الطبقة العاملة الثقافة الرأسمالية السائدة بثقافة مضادة ، وهي ثقافة تؤدي إلى تعزيز استقلالية مؤسسات المجتمع المدني ودورها في حماية الإنسان العادي من سطوة الدولة ، وقدرته على ممارسة التضامن الاجتماعي في مواجهة الدولة ، وهكذا يكون المجتمع المدني احد أهم أركان الديمقراطية وتطور دورها ، وما يؤكد ذلك هو انه وان كان المجتمع المدني هو نتاج التطور الرأسمالي إلا انه لا يمكن اعتباره شأنا رأسماليا بحتا ، ولكن على العكس من ذلك يمكن اعتباره احد أهم أركان الديمقراطية ، لأنه ومن خلاله استطاعت مختلف الطبقات والفئات الاجتماعية أن تحقق مصالحها في المشاركة في إدارة المجتمع ، وتنظيم النقابات والعمالية والاتحادات الشعبية والمهنية واتحادات صغار المنتجين والمستهلكين . كما انه يجب أن يفهم أن استبعاد الأحزاب السياسية من تعريف المجتمع المدني لا يعني أنها خارج المجتمع المدني ولكن ما يجب أن يفهم هو أن الأحزاب السياسية وباعتبارها طليعة لقوى اجتماعية تعبر عن مصالحها ، وتسعى إلى الوصول إلى السلطة ، وبنفس الوقت تهتم كثيرا بمؤسسات المجتمع المدني ، وتسعي إلى تنظيم الأفراد في صفوفها ، وبالتالي يجب أن نعترف بوجود مساحة مشتركة بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي تشغلها حركة الأحزاب السياسية . وطبقا لذلك نرى أن مفهوم المجتمع المدني يقوم على عدد من المقومات الأساسية وهي ، العمل الإرادي التطوعي الحر ، والانتظام في شكل منظمات ، والالتزام بمبدأ الاختلاف والتنوع بين الذات والآخرين ، وعدم السعي للوصول إلى السلطة ، والانتظام في حركة جمعياتية للدفاع ضد مخاطر الاستبداد السياسي . وقد تطور الفكر السياسي الأوروبي في أواخر القرن الثامن عشر من ضرورة تقليص هيمنة الدولة لصالح المجتمع المدني الذي يحب أن يدير نفسه بنفسه قي أموره الذاتية ، وبحيث لا يترك للحكومة إلا القليل من هذه الأمور . ولكن التحول الكبير في مفهوم المجتمع المدني حدث في القرن التاسع عشر حيث اعتبر كارل ماركس أن المجتمع المدني هو ساحة الصراع الطبقي . وفي القرن العشرين حيث طرح جرامشي موضوع المجتمع المدني في إطار جديد تقوم فكرته المركزية على أن المجتمع المدني ليس ساحة للتنافس الاقتصادي ولكنه ساحة للتنافس الأيديولوجي منطلقا من التمييز بين السيطرة السياسية والهيمنة الايديولوجية . ولكن وفي الوطن العربي لم يكن هذا المصطلح معروفا أو متداولا لا في الفكر السياسي ولا في الإعلام ولا في الخطاب الثقافي العام ولا في مراكز الأبحاث والدراسات العربية ، وطبعا وكعادة المثقفين العرب كان لا بد أن يتناول المثقفين العرب هذا المصطلح الجديد الوافد من الغرب بشيء من الحساسية ، والحساسية ردة فعل غير طبيعية للجهاز المناعي في جسم الإنسان ، وقد تكون نتيجة تفاعل الجسم أو أحد أعضاء الجسم مع أي مؤثر خارجي بشكل عير طبيعي ، وبشكل قد ينتج عنه مجموعة من الإعراض المتناقضة والتي قد تأخذ الإنسان إلى مفاهيم وإبعاد متنوعة . وهكذا نرى أن المثقفين والباحثين والأكاديميين العرب تناولوا مصطلح المجتمع المدني بالدراسة والتحليل من مختلف جوانبه ، ولكن الموقف العربي وكعادة العرب ، وكما كان يقال قديما اتفق الإغريق على أن لا يتفقوا ، لم يتفق العرب ، والعرب يصدق فيهم وعليهم ما كان يصدق في الإغريق وعلى الإغريق ، ولذلك يمكن أن نقول وبدون الخوف من الوقوع في الخطأ اتفق العرب على أن لا يتفقوا ، فريق من المثقفين العرب تحمس للمجتمع المدني ورأى فيه الحل للكثير من المشاكل العربية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلاقات الوطنية والإقليمية والدولية ، وفريق تحفظ ووقف من المجتمع المدني موقف العداء ، لأن الدعوة جاءت من مؤسسات أجنبية قدمت مساعدات مالية إلى بعض مراكز الدراسات والأبحاث لدعم الفكرة ونشرها على نطاق واسع ، ولأنه لا يمكن استعارة فكرة تبلورت في أوروبا في تربه لها تاريخها الخاص وتراثها الخاص وزرعها في الوطن العربي في تربة لها تاريخها الخاص المختلف عن التاريخ الأوروبي وتراثها الخاص المختلف عن التراث الأوروبي ، ولكن المؤيدين للفكرة كانوا ينطلقون من أن التطور الديمقراطي للمجتمعات العربية يتطلب قيام تنظيمات غير حكومية ، وأن التطور الديمقراطي في تحديث المجتمعات العربية يتطلب قيام تنظيمات غير حكومية تمارس نشاطا يكمل دور الدولة ، ويساعد على نشر قيم المبادرات الفردية والجماعية والاعتماد على النفس ، ويساهم في خلق فرص تساعد المجتمع على تجاوز مرحلة الاعتماد على الدولة في كل شيء ، وفي تصفية أوضاع جماعية موروثة من العصور الوسطى . خاصة وان الكثير من المجتمعات العربية بدأت بالفعل تشهد جهودا جيدة في التوسع في تكوين هكذا تنظيمات ومؤسسات سوف يكون لها تأثير على الحياة الاجتماعية والسياسية ، ومن الخطأ أن نتجاهل هكذا ظاهرة . ولكن يجب في هكذا حالة أن نبحث عن الموقف السليم من هكذا حالة ، وما يجب أن تتخذه من خطوات ، وخاصة دراسة الظروف التاريخية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي أدت إلى نشأة المجتمع المدني ، وكيف تبلور ، والوظائف الذي يمكن أن يقوم بها ، حتى تكون لدينا القدرة على تحديد موقفنا منه ، والتعرف على مدى حاجة الوطن العربي اليه ، وما يمكن أن يقوم به من دور في تقدم المجتمعات العربية .
وكيف تطور قي ظل العولمة الرأسمالية كبديل للدولة الوطنية الذي يعني وجوده أن تنسحب من دورها ومسؤوليتها التنفيذية في دعم الفئات الفقيرة ، وتوزيع الدخل لصالح الطبقات العاملة والكادحة ، وتهدف العولمة الرأسمالية من وراء دعمها للمجتمع المدني في هكذا دور وفي هكذا مسؤولية إلى أن يقوم المجتمع المدني بدور البديل للدولة في مجال دعم الطبقات العاملة ، والتخفيف من حدة الصراع بين الطبقة الرأسمالية الحاكمة والطبقات العاملة ، وأن يكون إطارا ينظم الطبقات العاملة ويوظفها في تحمل مسؤولياتها في مواجهة مشاكل الطبقات العاملة في الفقر والبطالة والتهميش ، وسوف يكون ذلك بالطبع نظير أن يقوم المجتمع المدني بدوره في دعم التطور الديمقراطي . ولذلك كان موقف الدول العربية موقفا سلبيا من المجتمع المدني ، ومن الدعوة إلى تقويته ، لأن الدول العربية مازالت تعيش الإرث التاريخي لدولة الفرد الحاكم ، ولأن هذه الدول كانت ولا زالت تتصور وهو وبلا شك تصور خطأ أن المجتمع المدني هو فقط المنظمات غير الحكومية التي تأسست حديثا في سياق العولمة ، ونشطت في بداية تأسيسها وفق أجندات خارجية حددت برامجها مؤسسات التمويل الدولية الرأسمالية أو المنظمات غير الحكومية في الدول الرأسمالية المتقدمة ، وغاب عن هذه الدول أن المجتمع المدني يرجع في بدايته في الدول العربية إلى أكثر من مائة سنة ، وخاصة إلى بداية تشكيل المنظمات الأهلية في بداية القرن التاسع عشر والنقابات العمالية والمهنية والجمعيات التعاونية في نهاية القرن العشرين ، وان هذه المنظمات والنقابات والجمعيات هي جزء من إطار الدولة العربية من جهة ، ووسيلة لمعارضتها ومحاسبتها إذا كان الآمر يستدعي ذلك من جهة أخرى ، وظاهرة اقتصادية بسبب كونها القوة المحركة في نشاطات ونمو القطاع الخاص في الدولة ، وذلك بالإضافة إلى دوره في المساعدة وتعبئة الموارد بالطرق التي تعجز الدولة عن القيام بها باعتباره دولة الظل التي تقوم بوظائف متعددة للدولة ، وتتمثل في إنشاء المدارس والجامعات والمعاهد وإدارتها ، وإنشاء دور الرعاية الصحية ، والمشروعات التي تدخل في إطار البنية التحتية كشق الطرق ومد خطوط البرق والهاتف والبريد ، وحماية البيئة من التلوث ، ودور الثقافة والصحافة والإعلام والمسرح ، ومواجهة المشكلات وحل النزاعات بالطرق السلمية . وسواء كان الدافع إلى قيام المجتمع المدني هو العامل الخارجي أو الأوضاع الداخلية إلا أن النتيجة واحدة وهي قيام مئات المؤسسات والجمعيات غير الحكومية والتي هي بلا شك مكون أساسي من مكونات المجتمع المدني ، وعنصر أساسي من عناصر التطور الديمقراطي ، والتحول الاجتماعي ، والتغيير في بنية المجتمع ، وهي حركات اجتماعية تختلف عن الحركات الاجتماعية التقليدية في الأدوار والأهداف والوسائل ، لأن الحركات الاجتماعية التقليدية يتركز مجال نشاطها حول المشاكل الجزئية ، ولكن بدون الارتباط بين هذه المشاكل ، أو الارتباط بين الانسياب المشتركة لهذه المشاكل ، أو إمكانية التنسيق والتعاون في مواجهة أسباب هذه المشاكل التي ترجع في الأساس إلى سياسة العولمة الرأسمالية . ولا شك أن ذلك سوف يؤدي إلى تغيير خارطة المجتمع المدني ويحرف مؤسساته ويحولها عن دورها الأساسي كجزء من المجتمع الديمقراطي ، وقطب يوازي قطب السلطة ، وفي نقس الوقت يعارض سياسة السلطة في التفرد بالقرار والإدارة ، إلى ملطف ومخفف لحدة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية الناجمة عن سياسة العولمة وتأثيراتها على المجتمع ، وفي نفس الوقت تكريس للحكم الاستبدادي . ولكنها وبالرغم من كل ذلك كانت جزء من الصراع الطبقي الذي كان يهدف إلى حماية مصالح بعض الفئات الاجتماعية في مواجهة الاستغلال والقهر الذي تمارسه الطبقة الرأسمالية السائدة ، وعلى الرغم من أن هذه الفئات لم تكن تمارس النشاط الحزبي بشكل مباشر إلا إنها كانت سببا في تأسيس أحزاب سياسية لهذه الفئات الاجتماعية ، وذلك بالإضافة إلى نجاحها في توحيد نضالها حول أهداف عامة تجمع كل المنتمين إلى هذه الفئات الاجتماعية في النضال وخاصة في مجال حقوق المرأة والعمال ، ودورها في تعديل موازين القوى الطبقية في المجتمع في كثير من الأقطار في فترات مختلفة . ولكننا وفي نفس الوقت نرى أن تأثير هذه الحركات كان كثيرا ما يضعف باستمرار نتيجة لنجاح السلطة في استيعاب قيادات هذه الفئات الاجتماعية واحتواء حركتها ، وتغيير الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وغياب الطرح الفكري المناسب لهذه التغيرات ، وانصراف أعضائها عن نشاطها ، وفي نقس الوقت ظهور حركات اجتماعية جديدة وخاصة في مجال حقوق الإنسان والأمومة والطفولة والأقليات والبيئة ، وقيام تنظيمات جديدة متعددة لا توجد بينها أي صلة داخل المجال الواحد ، وخاصة في مجال حقوق الإنسان والمرأة والطفل ، وحل النزاعات بالطرق السلمية ، والديمقراطية والنقابية والمشاركة السياسية ، والأقليات الاثنية والطائفية والمذهبية ، ولكن وبشكل منفصل وبشكل جزئي ولا يتناول كل الجوانب حيث نرى هناك جمعيات خاصة بالحقوق القانونية وجمعيات خاصة بنشر حقوق الإنسان ، وجمعيات خاصة برصد الانتهاكات للحقوق الإنسانية والنقابية والسياسية والاجتماعية ، وهكذا نرى وجود حركات وتنظيمات اجتماعية جديدة تعاني من حالة من الانفجار والانقسام على الرغم من أنها جميعا نشأت حول أهداف محدودة ، وكما نرى أيضا أنها تعاني من عدم وجود روابط مشتركة بينها لتنسيق جهودها في خدمة أهدافها ، وعدم وجود إدراك بضرورة وجود روابط بينها مما يهددها بالانحراف عن أهدافها واكتفائها بالنشاط حول الهدف الخاص بكل حركة من هذه الحركات ، ويهدد المجتمع المدني بالانحراف عن دوره الحقيقي في دعم المسار الديمقراطي بسبب غياب الرؤية المشتركة والتنسيق المشترك بين هذه الحركات الاجتماعية ، ولكن ورغم ذلك لا يمكن أن نتجاوز حقيقة التسارع في تأسيس هذه الحركات الاجتماعية ، وحقيقة تزايد وعي الناس بعجز الدولة ومؤسساتها والأحزاب السياسية في مواجهة الأوضاع الاقتصادية الناجمة عن ظاهرة العولمة الرأسمالية ، وما يترتب على هذه الظاهرة من مشاكل اقتصادية واجتماعية تترك الناس تحت وطأة هذه الأوضاع ، وكما أنه لا يجب أن نتجاوز مواجهة الناس لهذه الأوضاع من حلال تشكيل حركاتهم الاجتماعية الخاصة ، أو الانضمام إلى حركات اجتماعية قائمة ، أو منظمات دفاعية تقوم على أرضية دينية أو طائفية أو مذهبية أو عرقية أو قومية أو جنسية أو جهوية ، أو على أي قضية منفردة ، ولكن بشكل مستقل عن سلطة الدولة ومؤسساتها ، والأحزاب السياسية ومؤسساتها ، لأنها ترى أن الدولة ومؤسساتها والأحزاب السياسية ومؤسساتها غير قادرة على مواجهة المشاكل الاجتماعية ، كما انه لا يجوز أن نتجاوز وخاصة بعد هذه الدراسة الموضوعية التي تتطابق معرفيا مع التاريخ ، وبعد هذا العرض الموضوعي للمجتمع المدني ومقوماته ومكوناته ودوره وما لحق به من تطورات نتيجة للأوضاع العالمية المستجدة والسياسات الاقتصادية والاجتماعية المحلية حقيقة وجود نوعين من المجتمع المدني وخاصة في البلاد العربية ، مجتمع مدني نخبوي ومجتمع مدني شعبي . المجتمع المدني النخبوي وهو المجتمع المستأنس الذي يمارس نشاطه تحت مظلة السلطة التي تقدم له الترخيص والدعم المادي وتحدد له المربع والهامش الذي يمارس دوره فيه طالما لا يزعج السلطة الرأسمالية الحاكمة ، وطالما انه يقوم بدور الحد من حدة المشاكل الناجمة عن سياسات التكيف الهيكلي والتحول إلى اقتصاد السوق من جهة ، والاندماج في الاقتصاد الرأسمالي العالمي وفقا للشروط التي تقررها المراكز الرأسمالية العالمية من جهة أخرى ، وطالما أن دوره ينحصر في تقديم وجهات نظر الفئات الحاكمة والقوى الرأسمالية السائدة في تقديم الرعاية والمساعدة للفقراء والمحرومين ، وتقديم المساعدات الخدمية للفئات الاجتماعية المحرومة ، ولكن كل ذلك مرهون بأن لا تقوم مؤسسات المجتمع المدني النخبوي بأي دور قد يكون من نتيجته تغيير الأوضاع السياسية والاقتصادية القائمة ، ولكن يجب أن يتوقف دوره عند إعادة إنتاج نفس الأوضاع القائمة بما فيها من فقر وبطالة وتهميش وتغييب لدور العدالة ، وفي هذه الحالة سوف تستمر الدولة في رعاية ودعم المجتمع المدني النخبوي ومؤسساته ، لأنه لا يشكل حالة إزعاج للدولة ولا يشكل حالة تغيير للأوضاع القائمة من خلال المساهمة الفعالة بأي دور ديمقراطي ، ولكن على العكس سوف تعمل الدولة على أن تضفى على مؤسسات المجتمع المدني النخبوي الطابع الشعبي الديمقراطي الديكوري الذي يساعدها على القيام بدور تعبوي يخدم الفئات السائدة الحاكمة بحيث تكون مؤسسات المجتمع المدني النخبوي أداة قمع ثقافية تضاف إلى أداة القمع الأمنية التي تمارسها الفئات الحاكمة على الفئات الفقيرة والمحرومة . ولكن دور مؤسسات المجتمع المدني الشعبي هو دور تعبوي تغييري ، والشعوب وخاصة شعوب العالم الثالث وعلى وجه أخص الشعوب العربية تحتاج إلى هكذا مؤسسات والى هكذا دور يمكن أن يمكن مؤسسات المجتمع المدني الشعبي من المساهمة في عملية التحول الاجتماعي والسياسي والمشاركة بشكل جماعي في صياغة السياسات العامة ، وتعديل المسار السياسي بما يحقق مصالح الشعب وخاصة مصالح الفئات الفقيرة والمحرومة ، ويكفل لهذه الفئات المشاركة السياسية في العملية الديمقراطية ، ولذلك يجب الاهتمام بالمنظمات الشعبية غير الحكومية ذات الجذور العميقة في المجتمع وتجاوز حالة الانقسام إلى حالة الاتحاد وحالة العمل في إطار الأهداف الجزئية إلى حالة العمل في إطار الأهداف العامة .





 

0
نبض مصر
130991
جميع الحقوق محفوظة © 2021 - جريدة شباب مصر