الثلاثاء 17 مايو 2022 م 9:34 صـ 15 شوال 1443 هـ

أحاديث غير صحيحة وموضوعة عن المرأة [ 1 ]

2018-06-05 16:28:18
د.عبد الحكيم الفيتوري


من الأحاديث الغير صحيحة والتي نسبت للنبي عليه الصلاة والسلام زورا وظلما وبهتانا والمخالفة للقرآن الكريم الذي أنزل عليه الآتي::-
قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها.(متفق عليه البخاري ومسلم)
اللافت للنظر أن كل غاريب صحيحي البخاري ومسلم في الاعتقاد والتصورات قد رويت من طريق أبي هريرة الذي كان يروى عن كتب أهل الكتاب وممن أسلم من اليهود وأحبارهم؛أمثال كعب الأحبار وغيره، مما حمل بعض علماء الحديث التنبيه والإشارة إلى ذلك وإن بطريقة خجولة،فقد أشار بعضهم إلى أبي هريرة أنه كان يروى الإسرائيليات عن كعب ولكنه لا يصرح ولا يبن ذلك؛ كما في حديثه الذي رواه مسلم في صحيحة ، قال أبو هريرة: أخذ رسول الله عليه السلام بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة. فقد صرح البخاري ووافقه فيما بعد ابن تيمية وابن كثير وغيرهم: إن أبا هريرة قد تلقى هذا الحديث عن كعب الأحبار لأن هذا الحديث يخالف نص القرآن في أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام.علما بأن البخاري وغيره لم يلتزموا نقد الرواية عبر منطق الوحي ووحي المنطق وجعلوا ذلك قاعدة مضطرة في كل الروايات وإن صح إسنادها، حيث روى البخاري أحاديث كثيرة تخالف القرآن في الاعتقاد وغيره كهذا الحديث، لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها. وحديث نزول عيسى ابن مريم آخر الزمان، وحديث الدجال ، وغيرها من الأحاديث التي سوف تناول عرضها على القرآن في رسائل مستقلة.
وقد لفت نظر ابن خزيمة عدم تصريح أبي هريرة فيما ينقله عن كعب الأحبار في حديثه الذي قال فيه:خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أسكن الجنة وفيه أخرج منها وفيه تقوم الساعة.قال قلت له:-أي سلمه-أشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم،قال بل شيء حدثناه كعب. لكن لقداسة فكرة تعديل الصحابة التي سيطرة على عقل المحدث منعت ابن خزيمة أن يسجل ملاحظاته ونقده حول هذه الروايات الإسرائيلية.
وقد جاء بعده السخاوي في فتح المغيث ووقف على حجم هذه الروايات الإسرائيلية لكنه تناولها بطريقة تمجيدية صرفة مادامت هذه الروايات صحيحة الاسناد حيث تم رفع هذه الروايات إلى مرتبة المسند والحديث المرفوع، فقال، قال ابو عمرو الداني:قد يحكي الصحابي قولا يوقفه على نفسه فيخرجه أهل الحديث في المسند لامتناع ان يكون الصحابي قاله بلا توقيف،كحديث أبي صالح السمان عن أبي هريرة انه قال: نساء كاسيات عاريات مميلات. فمثل هذا لا يقال من قبل الراي فيكون من جملة المسند .ثم قال السخاوي:ومن الأدلة للاظهر"أي الحكم بالرفع" ان أبا هريرة رضي الله عنه حدث كعب الاحبار بحديث فقدت امة من بني إسرائيل لا يدرى مافعلت فقال له كعب أانت سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقوله فقال له ابو هريرة نعم وتكرر ذلك مرارا فقال له أبو هريرة افاقرا التوراة.وهذا نص الرواية كما رواها البخاري، عن أبي هريرة قال، قال رسول الله:فقدت أمة من بني إسرائيل لا يدري ما فعلت، وإني لا أراها إلا الفأر، إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشرب، وإذا وضع لها ألبان الشاء شربت. فحدثت كعبا فقال: أنت سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقوله؟ قلت: نعم ، قال لي مرار، فقلت: أفأقرأ التوراة ؟ وجاء في صحيح مسلم من رواية إسحاق عن أبي هريرة.لا ندري ما فعلت الفأرة مسخ وآية ذلك أنه يوضع بين يديها لبن الغنم فتشربه ويوضع بين يديها لبن الإبل فلا تذوقه، فقال له كعب أسمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أفأنزلت عليه التوراة. وحدثني أبو كريب محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة عن هشام عن محمد عن أبي هريرة قال الفأرة مسخ وآية ذلك أنه يوضع بين يديها لبن الغنم فتشربه ويوضع بين يديها لبن الإبل فلا تذوقه فقال له كعب أسمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أفأنزلت علي التوراة .
يبدو أن العقل التمجيدي لا يجد حرجا في الدفاع عن مدونات الأحاديث وإن كان ذلك على حساب تشويه صورة الرسول والرسالة الخاتمة؛ فيمكنك أن تتأمل دلالات هذه العبارات...أفأنزلت عليه التوراة...أفاقرأ التوراة ، ناهيك عن متون هذه الأحاديث الخرافية(فقدت أمة من بني إسرائيل لا يدري ما فعلت، وإني لا أراها إلا الفأر)،التي تخالف القرآن والعقل وسنن الاجتماع !!
وأحسب أنه من المناسب بعد هذه المقدمة أن نتناول الحديث تناولا نقديا بما يناسب المقام عبر ثلاثة محاور،المحور الأول الحديث في عيون آئمة الحديث.المحور الثاني الحديث عند المفسرين. المحور الثالث مفردات الحديث في العهد القديم والجديد.
المحور الأول: الحديث في عيون آئمة الحديث:
لا يخفى أن حديث أبو هريرة لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها. من الأحاديث المتفق عليها،قد تناوله جمع من شراح السنن بالشرح والتأويل بطريقة تقديسية تمجيدية ركزوا فيها على شرح مفردات الحديث وذكر ما يستفد من هذا الحديث من لطائف وإرشادات بنمطية كلاسيكية ذكورية، فمثلا هذا الحافظ ابن حجر شارح صحيح البخاري في كتابه فتح الباري، قال في شرحه لهذا الحديث: قوله لولا بنو إسرائيل لم يخنـز اللحم يخنز بفتح أوله وسكون الخاء وكسر النون وبفتحها أيضا بعدها زاي أي ينتن والخنز التغير والنتن قيل أصله أن بني إسرائيل ادخروا لحم السلوى وكانوا نهوا عن ذلك فعوقبوا بذلك حكاه القرطبي وذكره غيره عن قتادة.وقال بعضهم معناه لولا أن بني إسرائيل سنوا ادخار اللحم حتى أنتن لما ادخر فلم ينتن.وروى أبو نعيم في الحلية عن وهب بن منبه قال في بعض الكتب لولا أني كتبت الفساد على الطعام لخزنه الأغنياء عن الفقراء.انتهى شرح ابن حجر للشطر الأول من الحديث ويبدو أن ابن حجر لم يكن معنيا بما ينقله عن القرطبي أو قتاده أو وهب بن منبه من كلام يناقض سنن الكون وناموس الحياة، ويخالف منطق الوحي ومنطق العقل.
ثم انتقل ابن حجر لشرح الشطر الثاني من الحديث بقوله: قوله ولولا حواء أي امرأة آدم وهي بالمد، قيل سميت بذلك لأنها أم كل حي، وسيأتي صفة خلقها في الحديث الذي بعده. وقوله لم تخن أنثى زوجها؛ فيه إشارة إلى ما وقع من حواء في تزيينها لآدم الأكل من الشجرة حتى وقع في ذلك.فمعنى خيانتها أنها قبلت ما زين لها إبليس حتى زينته لآدم، ولما كانت هي أم بنات آدم أشبهها بالولادة ونزع العرق فلا تكاد امرأة تسلم من خيانة زوجها بالفعل أو بالقول، وليس المراد بالخيانة هنا ارتكاب الفواحش حاشا وكلا، ولكن لما مالت إلى شهوة النفس من أكل الشجرة وحسنت ذلك لآدم عد ذلك خيانة له،وأما من جاء بعدها من النساء فخيانة كل واحدة منهن بحسبها، وقريب من هذا حديث جحد آدم فجحدت ذريته. وفي الحديث إشارة إلى تسلية الرجال فيما يقع لهم من نسائهم بما وقع من أمهن الكبرى وأن ذلك من طبعهن فلا يفرط في لوم من وقع منها شيء من غير قصد إليه أو على سبيل الندور، وينبغي لهن أن لا يتمكن بهذا في الاسترسال في هذا النـوع بل يضبطن أنفسهـن ويجاهدن هواهن والله المستعان. (فتح الباري)ولعل اللطيفة المستفاد من هذا الحديث كما قال ابن حجر هي تسلية الرجال فيما يقع لهم من نسائهم وأن ذلك من طبعهن، ويبدو ابن حجر في تقريره لهذه المسلمة ينطلق من أرضية تلك الروايات الذكورية المخالفة للقرآن وقصديته، والمناقضة لمنطق العقل والواقع؛ كرواية المرأة خلقت من ضلع أعوج،ورواية النساء ناقصات عقل ودين وهلم جرا.
ولم يبعد شارح صحيح مسلم الإمام النووي عن شرح ابن حجر من حيث التفكير والمسار والمنطق الذكوري المحكوم بإكراهات المجتمع العربي وبيئات قضايا الشرف والعار،حيث قال: وقوله صلى الله عليه وسلم: لولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر.أي لم تخنه أبدا،وحواء بالمد روينا عن بن عباس قال سميت حواء لأنها أم كل حي قيل إنها ولدت لآدم أربعين ولداً في عشرين بطناً في كل بطن ذكر وأنثى،واختلفوا متى خلقت من ضلع آدم فقيل قبل دخولها الجنة فدخلاها وقيل في الجنة.قال القاضي ومعنى هذا الحديث أنها أم بنات آدم فأشبهنها ونزع العرق لما جرى لها في قصة الشجرة مع إبليس فزين لها أكل الشجرة فأغواها فأخبرت آدم بالشجرة فأكل منها. قوله صلى الله عليه وسلم لولا بنو إسرائيل لم يخبث الطعام ولم يخنز اللحم هو بفتح الياء والنون وبكسر النون والماضي منه خنز بكسر النون وفتحها ومصدره الخنز والخنوز وهو إذا تغير وأنتن قال العلماء معناه أن بني إسرائيل لما أنزل الله عليهم المن والسلوى نهوا عن ادخارهما فادخروا ففسد وأنتن واستمر من ذلك الوقت والله أعلم .
والملاحظ أن رواية مسلم جاء فيها زيادة مفردة الدهر(لم تخن أنثى زوجها الدهر) أي بمعنى أن الخيانة في الأنثى مضروبة عليها ضرب لازب كما اشار النووي في شرحه لمفردة الدهر حيث قال(لم تخنه أبدا) ومعنى هذا الحديث أنها أم بنات آدم فأشبهنها ونزع العرق والعرق دساس.واللافت للنظر أن النووي يذهب إلى أن فسد اللحم لازال مستمرا حتى لحظته حيث نقل عن علمائه نقلا بعقل تمجيد لا يفرق بين الواقع والخيال،ولا بين العلم والتخملات،فقال:قال العلماء معناه أن بني إسرائيل لما أنزل الله عليهم المن والسلوى نهوا عن ادخارهما فادخروا ففسد وأنتن واستمر من ذلك الوقت والله أعلم ،وأحسب أن هذا الزعم يبدده الواقع جملة. ولعل النووي في ذلك قد تخيل اللحوم في زمانه بأنها فاسدة وذلك من باب إقناع العقل بمنطق هذه الرواية المخالفة للوحي والعقل والواقع!!
وللحديث بقية.
------------
بقلم الدكتور / عبد الحكيم الفيتوري
كاتب وباحث ومفكر إسلامي ليبي
 

140393
جميع الحقوق محفوظة © 2022 - جريدة شباب مصر