الثلاثاء 17 مايو 2022 م 8:17 صـ 15 شوال 1443 هـ

أنوار الأنبياء لا تقارن .. ولا يعلم قدرهم إلا الله .. !

2018-06-09 07:33:50
دكتور / عبد العزيز أبو مندور

 
كثر كلام الكثير من المثقفين تحديثا بعنوان كتاب مايكل هارت ( الخالدون مائة أعظمهم محمد ) ولعل كثير منهم لم يعرفوا سوى العنوان !

ولعل منهم كثر أيضا لا يعرفون أن أنوار الأنبياء لا تقارن فلا يعلم قدرهم إلا الله جل ذكره وعظم سلطانه ؛ فليسوا كغيرهم من البشر وإن عظموا .. !

ولا تعجل .. و لا تغضب يا عزيزى القارئ تعصبا لثقافتك ، فأنا لست ضد مايكل هارت ولكن – مهمتى كما يعلمها الباحثون من أمثلنا هى وضع الشئ فى نصابه - ومع ذلك فلقد وجدت لمايكل هارت عذرا .

إن كتاب مايكل هارت ( الخالدون مائة أعظمهم محمد) ترجمة أنيس منصور فى حوزتنا ويقبع فى مكتبتى .

ومهما كتب هو أو غيره وهو كثير من أمثال صاحب كتاب ( الأبطال ) فلن يستطيع أن يبرز الخصائص المؤهلة لتفوق الرسول صلى الله عليه وسلم مما حباه ربنا سبحانه وتعالى فقد أعطاه ما لم يعط غيره ممن هم من جنسه وهم الأنبياء والمرسلين فجمع له ما تفرق فيهم من خصائص الكرامة والتفضيل كلها جميعا .

ولقد اعتمدت فى كتابى ( الاصطفاء والاجتباء وانوار الأنبياء ) على النصوص البينة من الكتاب والسنة من جهة وعلى أقوال العلماء والعارفين من جهة أخرى ، وكذا الدلائل العقلية حتى كشفنا عن بعض الجوانب النورانية والمقامات العالية التى فضل الله بها عبده وحبيبة وصفوته من بين خير خلقه سيدنا محمد رسوله الصادق الأمين وخاتم أنبيائه ؛ فقد حباه ربه بخصائص التفضيل فجمع له كل خصائص التفضيل التى تفرقت فى الأنبياء والمرسلين جميعا بما لا يجارى فكان إمامهم بلا منازع .

وقدمنا فى ذلك الدليل تلو الدليل بما لا يتسع له المجال فى مقال كهذا .

وهذا يعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم يفضل سائر الأنبياء عليهم السلام لما له من مقام الجمعية لما تفرق فيهم من الخصائص والكمالات .

هذا فى قوله سبحانه تعالى : " تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ " ( البقرة : 253 )

والمرفوع درجات فى الآية الكريمة هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

يقول الشيخ الأكبر فى ( الفتوحات) : أنه يمكن أن يجمع لواحد جميع ما عند الجماعة كمحمد صلى الله عليه وسلم ، فيفضل الجماعة بجميع ما يفضل بعضهم على بعض لا بأمر زائد فهو أفضل من كل واحد ولا تفاضل فيكون سيد الجماعة لهذا المجموع فلا ينفرد فى فضله قط بأمر ليس عند آحاد الجنس .

أما بالنسبة لكتاب ( الخالدون مائة أعظمهم محمد ) لمايكل هارت ، فقد جمع فيه الصالح والطالح وهما نقيضان لا يجتمعان .. !

ولا أدرى إن كان مايكل هارت اطلع على كتابات القاضى عياض وغيره من الصوفية أم لا ؟!

لقد حدد القاضى عياض فى الجزء الأول من كتابه ( الشفا ) ثلاثة أوجه على أساسها فضل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم على سائر الأنباء عليهم الصلاة والسلام وهى :
1- وجه بالذات فى الإسراء والمعراج .
2- ووجوه بالسيادة على جميع البشر .
3- ووجوه بالمعجزات ، فقد أوتى من المعجزات ما لم يؤتى نبى قبله .

ثم يذهب القاضى عياض إلى أن مرتبة الرسل والأنبياء عليهم السلام متفاوتة والتفضيل المراد لهم إنما هو لهم فى الدنيا وذلك بثلاثة أحوال هى :
1- أن تكون آياته ومعجزاته أظهر وأشهر .
2- و أن تكون أمته أزكى وأكثر .
3- وأن ذاته أفضل وأطهر ، وفضله فى ذاته راجع إلى ما خصه الله تعالى به من كرامته وتفضيله بكلام أو خلة أو رؤية أو ما شاء الله من ألطافه وكرمه وتحف ولايته واختصاصه .

ومن ثم برز عند القاضى عياض أن أولهم وأعظمهم على الإطلاق هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .

ومن هنا ، فلعل مايكل هارت فى كتابه ( الخالدون مائة أعظمهم محمد) يكون قد اعتمد على القاضى عياض وبخاصة الحال الأول والثانى فى تفضيل الخالدين دون الحال الثالث لأنه لا يستطيع بعقله أن يتصور فضل الذات المحمدية صلى الله عليه وسلم وطهارتها على باقى ذوات من هم من جنسه ناهيك عن بقية الخلق.

والحق اننى مازلت كما كنت أميل لعدم معرفته بتلك الكتابات من وجهين هما :
1- أنه استقرأ التاريخ ، واطلع على سير العظماء فقط كما فى خياراته الشخصية وقناعاته من حيث إنجازاتهم ومنتجاتهم المادية والدنيوية لا غير ؛ وأيا كانوا دون التحقق من غاياتهم وأهدافهم العليا ورسالتهم فى الوجود 0
2- أنه لم يقترب من الذات المحمدية على صاحبها الصلاة والسلام بأى نوع من القرب لا بالحال ولا بالمقام ولا بالعلم ؛ وإلا كان قدم الأنبياء جميعا على ذوى الفضل من العلماء مهما عظموا .

وبهذا يكون قد خلط الصالح بالطالح وهما ضدان لا يجتمعان مع أننا تعلمنا فى علم الحساب ألا نجمع ولا نطرح فى العدد إلا الأعداد المتماثلة والمتشابهة ؛ فلا نجمع مثلا 5 برتقالات و5 بطيخات .. ولا نطرح 6 حبات فلفل أسود من تسع علب لبان شكليت !

ومن هنا ، كانت شهادة الكاتب الاسكتلندي ( توماس كارلايل ) صاحب كتاب ( الأبطال ) ترجمة محمد السباعى ، كانت متسقه مع العلم ومتوافقة مع المنهج القويم ؛ فقد اتبع منهجا ينسجم مع البحث العلمي ، فلم يخلط الأبيض بالأسود ، ولم يضع الفاكهة والزهور فى سلة الخضر والبذور .. !
لقد أقام منهجه فى تفضيل أبطاله على - أساس الدين والوحى الإلهي - فكان للنبى محمد صلى الله عليه وسلم قدم السبق والتفرد على سائر العظماء والأبطال من طبقة الأنبياء عليهم جميعا الصلاة والسلام 0

ولا يستريب أحد من عقلاء البشر وحكمائهم أن أعظم البطولة إن جاز الكلام عنها بين صفوف الأنبياء هى بطولتهم على ما سواهم من البشر ، فلهم فيها قدم السبق والعلو على كل من سواهم من البشر مهما عظموا ، علماء كانوا أم حكماء أو غيرهم من المحاربين و السياسيين وما شابه !

هذا ، وقد كشف كتابنا ( الاصطفاء والاجتباء وأنوار الأنبياء ) أهم وأدق خصائص التفصيل فعددنا منها ما استقيناه من الكتاب والسنة وكتب التفسير وشراح الحديث وأقلام العلماء من الورثة وأقوال العارفين وبخاصة ما جمعه الحافظ السيوطي فى كتاب ( الخصائص الكبرى ) .

ومن ثم ، نقول بكل ارتياح واطمئنان أنه مما لا شك فيه أن خصائص التفضيل كلها قد اجتمعت لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عناية إلهية ، فى الدنيا ، بالإضافة إلى تقدمه على سائر الأنبياء فى جميع المواطن فى الآخرة .
( وعلى الله قصد السبيل )
[email protected]

140444
جميع الحقوق محفوظة © 2022 - جريدة شباب مصر