السبت 11 يوليو 2020 م 7:32 مـ 20 ذو القعدة 1441 هـ

الصَّمْتُ مَوْتٌ في الزَّمَنِ النَّازِي

2018-08-04 18:27:42
علجية عيش

طالما تساءلت و نفسي كيف يمكننا مواكبة العولمة و نحن مازلنا مجردين من كل الأسلحة، لا أقصد أسلحة الحرب المدمرة التي صنعها غيرنا، من هم أقدر منّا على الابتكار، إذن هي مجموعة من المعايير لم نتعلمها في حياتنا اليومية و لن نتعلمها ما حيينا..، فالالتزام، العدل ، الحق، احترام الآخر، و الرأي الآخر، الأخلاق، المصداقية ، الصدق في القول و العمل، الضمير، و قيم أخرى تجاهلناها في غمرة من الزمن، من أجل تحقيق غاية ما، كنت أتساءل في همس: أنحن في حاجة إلى زمن آخر غير زماننا لنعيد حساباتنا؟، لنبني حياتنا؟، أم يكفي أننا نكتب باستمرار لنعبر عن واقعنا ، و إذا كتبنا فهل يوجد قارئ؟.
الكتابة تحتاج إلى لغة شفافة، حتى يتحول الحوار إلى سياق إنساني حيّ، و إلى قارئ لا يقبل بالسطحية، قارئٍ.. حين يقرأ ينفعل و يفتعل..، يعي و يتدبر، يقرر و يندد، لا يقف متفرجا، الكتابة موقف، قالها أحد الكتاب الحداثيّين، بل هي التزام بقضية المجتمع و العالم ككل، هي نوع من النضال الواعي، لإبرام عقد جديد مع المجتمع، و يتجدد السؤال حول ماهية النضال و مدلوليته، هل يشترط على المناضل أن يكون منخرطا في حزب أو جمعية أو حركة أو منظمة؟ ليرسم صورة المجتمع البائس، ينقلها إلى من هم أعلى منه درجة، أقصد الذين في يدهم صنع القرار، و سرعان ما يخاطبني عقلي: الكتابة نضال متواصل، نحطم به جدار الصمت..، الصمت موت في الزمن النازي، يا أنتَ..فجِّرْهَا، و ارفع صوتكَ و قل "لا"، لأنك عاجلا أم آجلا ستموت ..اليوم أو غدا، لا تخف من الموت، فنحن موتى بالحياة، لأننا نعيش في اللاّ معنى..
هذه رسالتي لكم أنتم الذين قتلتم روح الإنسان و هو على الأرض، أبيتم إلا أن يسكن تحتها قبل الأوان، قتلتك روح ذلك ألإنسان، و مشيتم في جنازته و حضرتم تشييعها، قلتم مسكين لقد مات و هو في قمة العطاء، و تجاهلنا أنكم أنتم المجرمون الذين قتلتم صوت الحق، و على المشرحة أعلنتم موت الحياة، نشرتم التعازي في صفحات الجرائد، كتبتم مات الرجل ، و لم تكتبوا "و ماتت معه جرائمنا" (عفوا أسرارنا )، يا أنتم.. أنتم الذين أيديكم ما تزال ملطخة بالدماء.. دماء الأبرياء و أنّات اليتامى و الأرامل، فإن كانت الكتابة هي صوت المجتمع ومرآته، حريٌّ بكم يا كُتّابْ و يا مُثَقَّفِينْ و يا أحْرَارْ أن تزرعوا بذور الحق في الفضاء الذي تستحقه، إنه "الموقف"، و أمامه يقف الإنسان عاري الرأس، مكشوف الوجه، حافي القدمين، مرتفع القامة ليقول كلمة حق حتى في وجه جلاده..
الصمت موت في الزمن النازي، زمن ضاعت فيه كل القيم، زمن ضاعت فيه قيمة الإنسان حتى و هو على نعشه يقتاد إلى مكانه الأصلي، نقف هنا أمام نوعين من الناس، النوع الأول يمضي و هو مبتهج لأنه رحل عن عالم ينبذ الضعفاء، يمضي حاملا معه ثمار بذور خير زرعها في حياته، يمشي مطمئن البال، أما النوع الثاني يمضي تاركا وراءه القصور والدكاكين و الأموال مكدسة في البنوك، يمضي تاركا وراءه أبناءً يتقاتلون و هم يقتسمون التركة، يمضي هو فهو يبحث عن جواب يقدمه : من أين لك هذا ؟، وتراه يتوسل الغسّالون لكي يرفقوا به، ينتظره عذاب عسير، أما القبور فقد تحولت إلى حظيرة حيوانات، لا تصلح أو ترفض البتة استضافة روحه النتنة ( أفلا تعقلون؟)..
من مرارة الزمن الموبوق نكتب، ونصرخ في العالم المستكين، كصرخة أمل دنقل الذي لم يسمعه أحد حتى موته و نقول: نحن أمّة تقتل مبدعيها، و تقدس اللامعنى، أمّة تعيش اللامبالاة و الفوضى، فبقيت بلا وجه، بلا هوية و بلا وطن، حكمها هو القاضي و هو الجلاد في زمن العبودية، يحكمها بسوطه و سلطته، سألت كل الفلسفات، و كلما أقف على واحدة من هذه الفلسفات، إلا و تزداد حيرتي، فكل الفلسفات التي تدعو إلى الإحساس بالناس و مشاعره بدت لي خرافة قراناها و نحن على مقاعد الدراسة، و هي مصطلح لمفهوم العدمية.
علجية عيش
كاتبة صحفية
 

141727
جميع الحقوق محفوظة © 2020 - جريدة شباب مصر