السبت 02 يوليو 2022 م 6:55 صـ 2 ذو الحجة 1443 هـ
الرئيسية | قضايا الوطن

جبران خليل جبران ,نطق مداد محبرته ,ان الانسان هو المبتدا والمنتهى

2018-10-20 16:39:22
طيرا الحنفي


جبران خليل جبران, او وردة الشرق كما كان ينعته الرئيس الامريكي روزفلت, يعتبر ليس فقط واحدا من رواد مدرسة الرابطة القلمية التي ظهرت خلال مرحلة مابين الحربين الكونيتين , والتي حملت هموم الانسان, ومعها الانسانية, بل يعتبر رائدا للانسية المعاصرة, التي يعرفها بانها نهر بلوري يحمل اسرار الجبال لاعماق المحيطات
ليس بالامر الهين ان تلتقي الجبال باعماق البحار عند صاحب الاجنحة المتكسرة ,والبدائع, والطرائف, و عرائس المروج, ودمعة وابتسامة, والارواح المتمردة, والعواصف, ورمل وزبد, وموسيقى ومناجاة ارواح, والنبي, والبدائع والطرائف, والهة الارض في السابق, والتائه
عناوين لزبدة افكار قضت- بفتح وتشديد على الضاد- مضجع جبران خليل جبران, كما تقض جيل اليوم والاجيال التي سبقته, فالحاجة الى جبران: هي حاجة الى استكناه حقيقة الحياة, وتناقضاتها التي لاتنتهي, طالما الشمس تشرق وتغرب, ومادامت ارحام النساء حبلى
جبران خليل جبران ,عاش حياة قصيرة 48سنة بين 1883و1931,و عاش ادبيا حدثا بارزا هو حدث تمجيد احمد شوقي بك كامير الشعراء, فقال في حقه في قصيدة طويلة ,مجد فيها مصر ذكرى العهد القديم وخلاص السيد موسى عليه السلام بسيناء ,لغاية تلقي الالواح ,فوصف احمد شوقي باللواء وهو شيئ طبيعي ,لان حمل لواء الكلمة لايقل شانا عن الوية الحروب والمعارك المدنية والعسكرية ,والشعراء منذ عكاض كانوا حملة الوية بين الدخول فحومل ,لكن خلال المرحلة الاسلامية ,قسمت الوية الشعر والشعراء لمعسكر امرئ القيس المجسد للمرحلة العربية ما قبل الوحي , ومعسكر الفريق النبوي مع كعب ابن زهير ,واحمد شوقي من خلال قصيدة نهج البردة استطاع ان يشكل
امتداد لكعب ابن زهير ,وللامام الاعمى البصيري ,اضافة الى فلسفته التاملية العميقة التي تحتفي بمصر التاريخية
جبران خليل جبران قال عن شوقي بك امير الشعراء
حفلوا لاحمد حفلة ميمونة ***لم تات في نبا من الانباء
ما احمد الا لواء بلاده ***في الشرق يخفق فوق كل لواء
جبران خليل جبران مر في حياته بتجربة الاستقرار والهجرة بين بلده لبنان وبوسطن فنيويورك وباريز ,اماكن عرفت جبران شاعرا وفنانا ورساما وكاتبا فيلسوفا ,كثيرين توقفوا عند محطة يتمه والعنف الاسري الذي عاشه ,لكن هذه التفاصيل يتقاسمها كل الناس وتشكل سيمة تلك الازمنة ,وتلاحظون الان رغم الوعي الكبير والتطورية الهائلة للبشرية ,فلازال الحنين لمختلف اشكال العنف يشد اليه كثيرين
جبران خليل, من خلال عرائس المروج: ابان على حنكته في تحليل وضع الاجيال وتعاقبها, حينما توصل لحقيقة اساسية في كون العلاقات الانسانية; تغمرها عاطفة رقيقة اسمها الذكرى, وهي شبيهة بمنزلة البخور من المجامر, ولعل الغاية من هذا التذكير, هو للتمهيد لعقد مقارنة اساسية بين الحضارة والبداوة, فرغم ان جبران منغمس في الحضارة المتقدمة لامريكا الشمالية, لكن ذلك لم يشفع بتحاشي ا سناد القناعة لاهل الارياف, وربط الحضريين بالجشع, بل تفاجئ بان العبودية التي تركها بالشرق تحولت في الغرب لعبودية المال ,أي ان العملة النقدية استعبدت البشر
الحضريين عند جبران هم عبيدي مطامعهم, بل يتاسف على صرف معظم الوقت في المدن, وتغافل الحياة الجميلة البسيطة لسكان القرى المليئة وفقه بالطهر والنقاء, بل ربطها بصفات ملازمة لها على مدار فصول الطبيعة, حيث الابتسام في الربيع, والتثاقل صيفا, والاشتغال في الخريف, والارتياح في الشتاء
بعد الذكرى التي تبقى كعبق تتقاسمه الاجيال تلامذة واساتذة, ومقارنة البداوة بالحضارة, لم يكن جبران ليترك الدين دون ان يعرج عليه, كاحد الاسس البشرية الازمة لما له من طقوسية في حياة كل الشعوب والامم
جبران وضع المسيحية تحت مشرحة نقد صارمة, رافضا باعة الدين والثقافة التي ينتجونها, وهي ثقافة خضوع شبيهة بحقل مهجور استوطنته الاشواك, او الاستبداد كشجرة قوية, لكنها لاتنبت الا في التربة المنخفضة, وكان لسان جبران يقول بان مابين سفح الجبل وقمته هو ما بين الاستبداد والانسانية, فمن لم يتحمل عناء الصعود يعيش دوما تحت رحمة الشجرة المستبدة القوية,على طريقة ابو القاسم الشابي
ومن لايريد صعود الجبال ***يعش ابد الدهر بين الحفر
التمهيد المشار له حين عقد مقارنة بين الانتماء الانساني وبين الاستبدا د ,نسطر جيدا على ان جبران حين هجرته فان ذلك كان لظروف اقتصادية واجتماعية بحثة ,اما اعتقاده الصميم ووجدانه المتفتح فانه يشعر ان حياة البادي ابن البادية افضل مليار مرة من حياة الحضري
سهام النقد الاذع المباشر يقصف بها طقوسية الكهنوت والكاردينالات الذين احتفظوا بنفس الميراث ,ومثل هذا ناقشه بعمق توفيق الحكيم في مسرحية اوديب ملكا ,حينما قال قولته المشهورة **لسنا وحدنا في هذا العالم ** فالاقتراب من سلطة الكهنوت ادا الى ما ادت اليه ,لكن تماهي الاديان والاساطير في التعبير بطرق مخالفة عما يحصل تدلل على ان الانسان المخير طالما كان اسير الاجبار وقهريته الطبيعية
جبران قال مجسدا لانتقاده لطقوسية الدين : بان الاعياد المسيحية تردد فيها بجسارة عبارة* المجد لله في العلى, وعلى الارض السلام, وبالناس المسرة* يتساءل جبران بهذا الصدد: هل يتمجد الله بتلفظ اسمه من شفاه اثيمة, والسنة كاذبة, وهل على الارض السلام بملا جوف الظالم, وهل بالناس المسرة ,والبؤساء ينظرون باعين كسيرة الى الموت, نظرة المغلوب الى المنقذ؟
اما في كتابه التائه , فيستمر جبران في سرد نماذجه من الحياة الاصيلة والطبيعية, معتبرا دور الفلسفة هو تغطية مجالات العماوة الروحية, فالقبح والجمال, في نظره هي قصة قلب ادوار بين جمال قرر التبحر عميقا, والاكتفاء بماترك له القبح من لباس لايليق به, خاصة وان الاخيراي القبح متستر بلباس اهل الجمال, رغم عدم تبحره ,فكل جميل سيجد في فلسفة جبران للجمال ماساة مزدوجة: تبحر عميق وقدر سيئ, بقلب اللباس
اشكالات اخرى, غطاها جبران في التائه, مثل الاعتراف المتاخر لكن الضروري, وعدم استساغة الطبيعة للفراغ, الذي يجب ان تملئه السلطة: كتنظيم, بل ان جبران خليل جبران, اعتبر دور الحاكم الذي يطهر الارض من الافاعي والذئاب ضروريا, وان هذه المهمة النبيلة يتحملها الحاكمون انفسهم, لانه ليس هناك وفق جبران حاكم واحد بل هناك محكومين كثرا, وجدوا ليحكموا انفسهم
هذا الاسلوب العجيب الذي تناول به جبران خليل جبران العلاقة بين الحاكمية والمحكومية ,بين الامرة والطاعة ,تبدو اية في انسنة السلطة, لان الارض التي تتحول الى حقل او غابة تملئها الذئاب والافاعي, فمسؤولية ذلك راجعة للمحكومين اكثر منه لحاكم واحد, وان كان المنظور لدى الناس ان ذلك من اساليب توازنية الغابة
جبران من طينة ادباء وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر ,لذلك اثر عزل نفسه ليدرك الناس الحاجة اليه, وارغامهم على التغني بصلاحه, واهميته,لكن هذا النوع من الحاكم هو مجرد طوبى سريالية لاوجود لها في الواقع ,لان السلطة عبر اشتغالها في الية سماها ناصيف نصار السلطة من الامر للطاعة ,فهي مقيدة بمسارها والحاكم في هذه التجارب مثل ما عبر عن ذلك الحكيم صولون انه ربان سفينة عليه تحاشي الصخور ورسم بوصلة موصلة للمرسى باقرب الطرق
المدنية عند جبران: تتعقب الكلاب, ولاتكون تحت اسر نباحها, بل في التائه لم يقتصر جبران على قضية الحكم, بل اقتحم موضوع الموت الغامض: لام ثكلى بفقد صغيرها, الذي لايزال حديث العهد بطهر الحياة, فشرح الطبيب سبب الموت بانه: راجع للحمى, بينما رجل الدين رده لمشيئة الله, اي ان سبب الوفاة امر غير محسوس, فاكتشفت الام بحدسها الفطري, انها الشيئ الذي لانهاية لصغره ولانهاية لكبره معا, اي انها الطريق بين الاثنين= سبب الموت ومشيئة الله, ولعل في هذا العمق الفلسفي لتحليل الموت عند جبران خليل جبران ,عبارات عزاء بمثابة شفاء لكل ام ترزا في فلذة كبدها,فدخول القدر على حصد ارواح لم تنفذ بعد مهمتها الاجتماعية التي ولدتها الحاجة اليها ,فهذا القدر يترك عمق الرزء ,لان تلك الروح هي خسارة للجميع قبل ان تكون خسارة مجالها الاسري الضيق,لهذا الاعتبار يكون تضامن الناس في العزاء والمحن اكثر اهمية من تضامنهم عند الافراح ,والدين كضرورة للمجتمع كما عند روسو يغطي ضعف الناس فيقتنعون عبر العزاء الديني ,بان لله ما اعطى وما اخذ
جبران يرى في علاقة الزوجات بالازواج في ذات الكتاب اتائه دائما , جسدها جبران في قصة الزوجين مع نقيق الضفادع: فرغم ان الزوجة تشكو منه, ففي اللحظة التي فقدته اقضت مضجع زوجها, وكان ما بينهما محض عيش على تواتر ايقاع حياة اسمه نقيق الضفادع
جبران خليل جبران, صارم في كون البغض والحب مركزهما القلب, وحتى ما اسلفناه سابقا حول الذكرى, فهو يرفض دوما الخلط بين مركز العقل والقلب, ومن هنا يصعب على ناقدي جبران اتهامه بالعاطفية, فالرجل وان كان يكتب حول امور حياتية عاطفية تستوجب التعاطف, لكنه صارم في فصل المقال فيما بين العاطفة والعقل من اتصال وانفصال
في كتاب النبي وهو كتاب مترجم عن الانجليزية , جبران يحكم بمالات كل من القلب والعقل, فالاول يترك الذكرى , والثاني يخلف ورائه فكر,وبمنطق المنظور الماهوي للاشياء, يصعب الاهتداء فيما بين الاثين القلب والعقل لغير ما انتهى اليه جبران, من ذكرى وفكر,وهي نزعة ساكنة لكل رواد مدرسة الرابطة القلمية التي اسسها جبران خليل جبران مثل ايليا ابو ماضي ايليا ابو ماضي فبالاجمال جبران كان في هذا كله مسكونا بعالم المعنى الامحدود, وهذه هي الخلاصة التي يصعب القفز عليها,فمنذ زمنية ابي جعفر المنصور حاول الاصمعي تاسيس نقابة الشعراء وحماية حقوقهم ,منذ واقعة قصيدة البلبل ,وخلال اغتراب الشعراء العرب بامريكا الشمالية وحدوا جهودهم للتوفيق بين العيش في بلاد المهجر ومواكبة مجاريات الامور بمواطنهم الاصلية ,فكانت الرابطة القلمية مجهودا جماعيا مجسدا ليد الله مع الجماعة ,حيث استطاعوا مجتمعين تحقيق عدة امور لايتاتى انجازها بمجهود فردي ,كالذي يحصل اليوم فلو لم تقم الهمم المسكونة بهم المعرفة والثقافة بضخ ملايين المجلدات العربية داخل الشبكة العنكبوتية ,ما استطاع الناس الاحتفاء بانتمائهم لزمنية الانترنت ,لانه سيكون بلا مجهوداتهم ابحارا اجوف ,اما والغاية قد تحققت ,فالناس يعيشون زمنية تفكيك نصوص النصوص عوض الاكتفاء بالبحث عن النصوص
في كتاب النبي, تظفر بقاموس لاينتمي الا لعالم الخطابة المشرقي المقدس, ففي كتاب النبي: لايستسيغ جبران القول بامكانية حمل الطائر لعشه, بل يحلق بمفرده,في تجربة تسميها الرواية المعاصرة ,بالحقيبة والسفر
رغبة المهاجر المغترب جامحة في تنفس الجو الهادئ الذي يسبق الرحيل, ليبعث بذلك نظرة اخيرة للوراء, ورفض الشيوخ مفارقته لمدينتهم, عائدة بالاساس الى ما كان يبعثه في نفوسهم من احلام الشباب, مؤكدين له ان المحبة منذ البدء لاتعرف عمقها الا ساعة الفراق, فناشدوه ان يخطب فيهم خطبة الوداع, فاثر بالطبع الموضوع الاساس الذي بنيت عليه الديانة المسيحية وهو= المحبة * التي اعتبرها كلمة من نور, كتبت بايادي من نور, على صفحة من نور* قائلا في قصيدة جميلة لفيروز
** بان المحبة لاتعطي الا نفسها, ولا تاخذ الا من نفسها, فهي لاتملك شيئا, ولاتريد ان يملكها احد, لان المحبة مكتفية بالمحبة, ولا رغبة لها الافي ان تكمل نفسها بانشودة الحمد لله المقرون بالثناء المرتسم على الشفاه
اوصى الازواج بان تكون المحبة متموجاة بين شواطئ نفوسهم, ليملا كل واحد من كاس الاخر, لكن دون الشرب من كاس واحدة, مثل اوتار القيتارة: التي تتفرد كل واحدة بنفسها , لكنها تخرج نغمة واحدة, رافضا التبعية, فينصح الازواج ان يكونا منفصلين مثل عمودي هيكل, لان الطبيعة علمته ان السنديانة والسروة لاتنمو الواحدة منهما في ظل رفيقتها
جبران يقدم الطبيعة كاستاذ على طريقة الحي بن يقظان لابن طفيل ,في تجربة الادراك الوجودي البيولوجي والروحي والعاطفي فالطبيعة حقيقة بكل امتداداتها السوسيولوجية والبيئية هي استاذ واب وام, لان دروسها فطرية, وحقيقية,هي ما اسماه توفيق الحكيم لسنا وحدنا في الكون
بل ان بعض الشعراء اللبنانيين يتحدثون عن الحياة كجدة, والحياة والطبيعة في عالم الطبيعانيين مسميات غير مختلفة كثيرا , وهو ما افصح عنه جبران نفسه, حين اعتبر الابناء خلقوا للحياة المشتاقة لنفسها, بل رابط العلاقة مابين الابناء والاباء, قوامها العاطفة, اما الفكر فالحياة تغرسه فيهم, بل بالغ كثيرا حينما اعتبر الابناء* سهاما حية رمت بهم الحياة من قوس اسمه الاباء*
اما حينما طلب منه الارشاد بخصوص العطاء, فكان بليغا: حين قال بان من الناس من يعطون بفرح وفرحهم مكافئة لهم, واجمل العطاء عند جبران, عطاء من تعرف حاجته ولا يسئلك: فيمجد الصحراء لانها تقبل العطية بما فيها من منة وفضل المنة, مختصرا بان الحياة هي التي تعطي للحياة
,اما حينما يسئل جبران, عن العمل, فانك تدرك نفسك امام رجل محمدي صادق, كانه يتلو اواخر سورة الكهف المختصرة للرسالة المحمدية البشرية, في العمل الصالح وعدم الشرك بالله, و بخصوص العمل الصالح يقول جبران خليل جبران, بان من احب الحياة بالعمل النافع تفتح له الحياة اعماقها, وتدنيه من ابعد اسرارها, فالمشتغل شبيه بمزمار تختلج في قلبه مناجاة الايام, فتتحول الى موسيقى خالدة, ومن لايشتغل يكون *محض قصبة خرساء صماء التي لايود احد ان يكونها*
العمل وفقه يحتاج للمحبة التي تستوجب وضع المرء نفسه مكان الاخرين, وليؤكد في يقظة الظهيرة البالغة, انه ليس هناك عمل رفيع واخر وضيع,ما يسميه الفرنسيي – يابا سو ميتيي- فقد استوحى المثل مرة اخرى من الطبيعة, مستشهدا بعلاقة الرياح المخاطبة للسنديانة الجبارة بنفس لهجة مخاطبة احقر الاعشاب, فالعظمة هنا تتمثل في تحويل الرياح الى انشودة تزيدها محبة وحلاوة وعذوبة, ليختم بان العمل هو صورة ظاهرة للمحبة الكاملة, وكان لسان حاله يقول, بتكامل الاديان مع نبرة مسيحية توحي باعتزاز بعطية المسيحية تجاه الاسلام واليهودية, لان كلاهما يبني موضوعه على العمل الذي يكون فارغا بلا مضمون محباتي , ويضرب مثلا برهانيا على ما دهب اليه: بكون الخبز الذي يخبزه الانسان دون اللذة في عمله ,يكون علقما لايشبع سوى نصف مجاعة الانسان, اي ان طاقة حب العمل شيئ اساسي, لاعطائه دمغة الوجود الضرورية
الانسان حسب جبران معلق بين ترحه وفرحه ككفتي ميزان, والحركة مستمرة بينهما ولا يتوقف عنها الا الفارغ من اعماقه
في النبي حينما يستفيض مجددا في موضوع العاطفة والعقل, فلكي يخرج من التيه الذي لازمه في التائه, ليستخلص بان العقل والعاطفة هما سكان النفس وشراعها, وهي سائرة في بحر هذا العالم, فالوحدة هنا هي النفس: اي كناية عن الحياة الادمية الخاصة السابحة في ركاب الحياة الانسانية العامة, فاكرام المرء للعاطفة والعقل ,هو اكرام لمحبة الاثنين معا, اي ما نسميه بالاعتزاز بالنفس, او ما يسمى في بنية النفس عند يونغ ,بعاطفة اعتبار الذات العقل وفق جبران واحة استراحة, والعاطفة مركز حركة, فهو يضرب مثلا بوجوب امتلاك اهل الحواضر لظلال في الصحاري, حتى لايفقدوا نعمة الحضارة, لان ايمانه بوحدة النفس جعلها تسير على جميع المسالك والطرق, اي ان راحة البال لاتكون فقط في الشوارع القذرة للحواضر, بل في سواقي البوادي والصحاري, وحينما تستوجب الضرورة تقسيم الذي لايقسم, فليكن الحاضر معانقا للماضي, بالتذكارات, والمستقبل بالحنين والتشوقات,لذلك وللخروج من واقع مدن بلا قلب التي تحدث عنها كثيرون ,يكون زيتون الشوارع والاشجار الزيتونية الايكولوجية بالحواضر لازمة ضرورية ,لاحداث اثر ايطولوجي في الكائن الحي الادمي
حينما يسئل جبران عن اللذة, يقرنها بالشكر, فالمرء يستحضر لذة شبابه بالشكر, كما يستحضر حصاد الصيف, لان الاسف يغم الفكر, لذلك يغلق المرء على لذاته في مستودعات كيانه, فهي ميراث الجسد الذي تتم العودة له, ومن ثمة لايمكن ان يخدعه احد, لان الجسد حسب جبران هو غيثارة النفس, حيث تبادل المحبة كما تتبادل الزهرة والنحلة الحياة, لكن جبران يؤكد ان الازهار مجتمعة تزين بستانا اسمه الجمال,فجبران يؤمن بالنفعية المعاصرة التي وجهت له باعتناقها سهام كثيرة ,اذ اتهمه كثيرون بان دعوته للحرية بلا مسؤولية تفضي للفوضوية ,نفعية ايضا اعترف نفسه بعدم الاستجابة لها من خلال قوله **اغلقت باب بيتي وكتبت عليه ,ادخل واترك تقاليدك وعاداتك ورائك ,فلم يدخل احد **فعالم الناس هو عالم المصالح المجتمعية المشتركة التوارثية المتقاسمة
العبادة عندجبران ليست طقوسا تفتح وتغلق, بل امتداد من الفجر الى الفجر, ولافصل بين حياة الشخص: طالما الحياة اليومية ذاتها هي الهيكل والدين , فكل بني الانسان بعضهم لبعض يشكلون وحدة حين تعبدهم في معبد الحياة اليومية
ربما يعتنق الفكرة المعتمدة عندنا في الاسلام بكون العمل عبادة, مع ان فقهاء الاسلام خاصة الكبار منهم, يتشدقون بان التاريخ: عرف مدنا بلا اسوار, لكنه لم يعرف يوما مدنا بلا معابد,اي في اشارة لقدم الطقوسية في حياة الناس لارتباطاتها المختلفة , ومرة اخرى يتبث تكامل الاديان في خدمة الانسان, فجبران يؤمن بكون الله وسع كل شيئ, ويمقت القول بتعدد الالهة,كل الناس عنده هم ابناء البشربل خصص كتابا تحت مسمى يسوع ابن البشر
جبران ختم تاب النبي ,بان الحياة تفتش عن الحياة في اجسام الذين يخافون القبور, حيث الصياد يصير صيدا, ولكن حتى لاييئسوا زرعت فيهم نعمة الوحدة: التي لازمته طيلة خطبته, حيث اكد لهم ان ما يبدو ضعيفا متضعضعا فيهم, هو اقوى واتبث ما في كيانهم, معلنا الوداع, شان كل مسافر دائم لاتمهله صرامة المواعيد
اما في كتاب دمعة وابتسامة, فهي امنية حياة يطمح ان تكون ابتسامة كعنوان فرح للوجود, ودمعة يشارك بها منسحقي القلوب, لانه يؤمن ان لدى كل انسان امانة دمع لابد من ان يردها يوما
المال ذمه جبران; معتبرا اياه كالارعن, يسمع ما لايحسن الضرب عليه انغاما لاترضيه, لانه مثل الحب يميت من يبخل به, ويحيى واهبه
اما في كتاب العواصف, فجبران يظهر كدستوراني جاء بدستور للبشرية, مبتداه فصل انواع العبودية: ففيها العمياء, الوثيقة الصلة بماضي الاباء, والخرساء حيث الزوجين مثل النعل للقدم, والصماءحيث الرجال خيالات ورجع صدى; والعرجاء فهي خلق بقوة وكسر بلا عاطفة, والشمطاء هي التي تحول الاطفال مجرمين وتميتهم مرذولين ,والرقطاء هي المغيرة للحقائق وتسمي الاشياء بغير مسمياتها, والعوجاء هي المحركة بالنفاق لالسنة الضعفاء, والحدباء هي التي تقود قوما بشرائع قوم اخرين, والجرباء وهي التي تتوج ابناء الملوك ملوكا, والسوداء هي التي تسم بالعار ابناء المدانين
جبران لم ير الحرية الا بعد استنفاد اصناف العبودية المدرجة اعلاه, حيث استفسرها عن ابنائها قبل ان تتوارى وراء الضباب: فاخبرته انهم تلاثة: واحد لم يولد بعد, والاخر مات مصلوبا, والتالث مات مجنونا
في كتاب العاصفة عرف جبران بعدما رمى كل معاذير بني امه قائلا: بان الحياة عزم يرافق الشبيبة, وجد يلاحق الكهولة, وحكمة تتبع الشيخوخة, اما انتم يقول* يابني امي, فقد ولدتم شيوخا عاجزين, ثم صغرت رؤوسكم, وتقلصت جلودكم, فصرتم اطفالا تتقلبون على الاوحال ,وتترامون بالحجارة**
وحينما نادهم بالصعود لقمة جبل الانسانية, فرفضوا: قرر ان يعرف الانسانية ليقطع حبل السرة مع من لايشاركه ذات المعتقد, قائلا* انما الانسانية نهر بلوري يسير متدفقا, مترنما ,حاملا اسرار الجبال الى اعماق البحر*
يضيف اما انتم يا بني امي * فمستنقعات خبيثة, تدب الحشرات في اعماقها, وتتلوى الافاعي على جنباتها, انما النفس شعلة زرقاء متقدة, اما نفوسكم يقول جبران لبني امه, فرماد تدريه الرياح على الثلوج, وتبدده العواصف في الاودية*
قائلا لهم بانه يكرههم لانهم يكرهون المجد,والعظمة ,ويحتقرهم لانهم: يحتقرون انفسهم, معتبرا اياه عدوهم, لانهم اعداء الالهة حيث لايشعرون, فبقدرما يدنو منهم مثل الصديق يهاجمونه مثل عدو; وبين الصداقة والعداوة هوة عميقة: ملؤها الدماء والدموع, فهو يبني لهم القصور وهم يحفرون له القبور, فلاجرم خاصة وانهم مسممي سقراط وراجمي بولس وخانقي مدحت باشا ,لكنه خلد للراحة منذ استئصال الضرس المزعج له, وظل في راحته والى الابد, حامدا الله على دلك
هذا جزء يسير من جبران خليل جبران, الذي يحتاج الى اكثر من مقال واحد للاحاطة بعالم رائد نظرية الانجذاب الحضاري, التي سهلت على ليقي ستراوس نظرية التساوي الثقافي
جبران ارتاح اخيرا لخلاصه الفردي, متاسفا لجانب كبير من البشرية التي لاتزال ترزح تحت اشكال العبودية التي سردها ولم تفتح بعد اعينها على عالم الحرية, الذي لايخلو هو الاخر من مكابدات الميلاد القيصري, لكنه كان كله طموح في ان يرى بني امته والبشرية عموما, تستاصل دائها المؤرق, والذي يشكل التحجر التقليداني شقه الكبير, اما شقه الاكبر فهو رفض تعتب دروب الانسانية العالية, للتخلص مما اسماه بتمسك الافاعي القديمة بجلودها متهمة الاخرين بالعري
عالم جبران خليل جبران ,فيه ببساطة ,اشارة الى ان الانسان هو المبتدا وهو المنتهى
 

0
قضايا الوطن
143270
جميع الحقوق محفوظة © 2022 - جريدة شباب مصر