السبت 25 مايو 2019 م 10:04 صـ 20 رمضان 1440 هـ
الرئيسية | إبداعات

حتما لم يكن هو

2019-05-13 15:55:39
محمد بتش

 
خلف النافذة يمتد أفق بعيد موحش كئيب، كان يجلس أبو لحية وقد أثنى ركبتيه، تنساب حبّـات المسبحة بين أنامله مطقطقة بين الفينة والأخرى.
تسـلّل صوت بومة إلى أذنيه، لم يعره أيّ اهتمام، فأمّه كانت دوماً تقول له أنّ البوم أحسن منه حظـّاً، استغفر ربّه، تنفّس الصّعداء وأرخى قدميه العاريتين على حلسٍ كان يفترشه.
لم يكن في الصفّ سوى بعض الأفراد، لقد عهِد هذا المشهد منذ سنين، رغم خطب الإمام المتكرّرة عن فضل صلاة الفجر، لكن لم يكترث لأمره أحد، فقد قال أحدهم ذات مرّة ما أعذب النّوم والآذان مرتفع.
راجت في القرية الصّغيرة أقاويل وأحاديث عجائز عن لصّ فتك بدجاج القرية، قيل إنّه محترف بامتيّاز، لقد أبكى عجائز القرية بعدما فقدن بضع دجاجات كن يتكئن عليهن، ورغم محاولات الجميع النّيل منه، إلاّ أنّهم فشلوا ولم يستطع أيّ أحد أن يقبض عليه ولا أن يعرفوا هويّته، لقد كان ملثــّما عندما رآه أحد الأولاد ذات مرّة.
عندما كان أبو لحية -كما اعتاد أهل القرية مناداته فوجهه زيّنته لحية كثيفة- عائداً لبيته ذات مرّة ترجّته عجوز وسألته إن كان قد رأى دجاجاتها، بحكم عمله كبائع متنقّل للملابس، فهو يطوف أرجاء القرية يوميّاً جارّاً عربته الصّغيرة، كان صوته يملأ الأرجاء “فساتين.. فساتين”، فأهل القرية يعرفونه جيّداً.
ذات صباح قال له أحد الصّبية لقد رأيتُ سارق الدّجاج، لم يعره أيّ انتباه، كشّر في وجهه وزمجر، رمقه بنظرة غضب قائلاً: “اذهب والعب مع أترابك فهذه الأمور لا تعنيك يا ولد”.
بقي في القرية بضع دجاجات لا غير، لقد استراح السّارق المجهول هذه الأيّام، ربّما سيعيد الكرّة من جديد حين يستعيد نشاطه وخططه فلا أحد يعرفه.
لم يخرج أبو لحية هذا اليوم، عند صلاة الفجر سأل عنه الإمام، لكن لم يره أحد، ولم يعرف أحد وجهته، مرّت أيّام ولا أثر له.
ليلة مقمرة هادئة تخلّلها صراخ كبير وصيّاح “أمسكوه.. أمسكوه”، لقد عاد السارق من جديد، لكن لحسن حظّه تسلّل بخفّة مطلقاً ساقيه للرّيح، تعالت صيحات الدّجاج من مكان قريب، إنّه بيت أبو لحية.
الضباب يكتسح الأفق، جاء صوت صارخ من أطراف القرية، “فساتين.. فساتين.. سراويل” خرجت العجائز وبعض الرّجال، لقد عاد ذو اللّحية، كان الصّوت يقترب رويداً رويداً على أنغام صدى الضباب، أسرع أحد الصّبية نحوه، وسرعان ما عاد راكضاً وقد تقطّعت أنفاسه.. لا يشبه أبو لحية أبدا، إنّه رجل غريب.
حينها كان الضباب يزداد عتمة، ومرّ الرّجل بين جنبات البيوت ورزمة الملابس على كتفيه، لم يعرفه أحد، لم يكن أبو لحية، حتما لم يكن هو.

0
إبداعات
147372
جميع الحقوق محفوظة © 2019 - جريدة شباب مصر