الثلاثاء 25 يونيو 2019 م 8:47 مـ 21 شوال 1440 هـ

تعلم كيف تخسر ..!

2019-05-16 11:15:58
الدكتور / رمضان حسين الشيخ

تعلم كيف تصمت عندما تخنقك الكلمات، كيف تبدأ يومك ضاحكاً ونفسك مرهفة حدّ البكاء.. ضاحكاً على ما يجعل فؤادك ينفطر أو يكاد، قد تبدو ضحكتك في البداية مَحض جنون! لا بأس.. قد حان الهبوط، لذلك دع كل شيء يهبط بسلام، لا تحاول أن تكبح هبوطك.. لأنك لن تجني من محاولاتك إلا جهداً ضائعاً، لابد من الهبوط.

قد تشعر وكأنك استنفذت قدرتك على فعل أي شيء.. وينتابك شعور فظيع يلتهمك ولا تملك إزاءه إلا الاستسلام، ويداهمك إحساس قاس يجعلك وكأن حبلا متينا قد قيدك تماما. تستيقظ ولا تجد في نفسك قوة وإرادة لكي تنهض، تجدها وقد تشبثت بالأرض.. واستسلمت للخمود الرهيب.

تصيبك الحيرة ويزدحم في رأسك كل شيء حتى تغدو تائها مرعوباً.. لا تجد أمامك حلاً وخلاصاً سوى الهروب ومحاولات يائسة لمحو أو تخفيف وطأة ازدحام رأسك.. يستبد بك القلق. أنت قلق على كل شيء تماماً.. أي جديد يقلقك، يغذي فيك إحساساً بالخوف الغامض.. تَخشى من ما كان وما قد يكون، قد تشعر أحياناً (كثيرة) بأنك تحمل أثقالاً فوق ظهرك، بأنك لم تعد تُطيق صبراً، وبأن الحياة لم تعد صالحة.

قد تفكر بالانتحار جدياً، ليس لأنك جبان، بل لأنك لم تعد قادراً على الاستمرار.. لأن الاستمرار يعني مزيداً من الألم الذي لا يعرف شدته ووقعه إلا أنت.. لأنك وصلت (حسب اعتقادك) لحد لا يمكن تجاوزه.. لأن تجاوزه مستحيل كاستحالة نسيانك لأصغر المواقف السلبية التي واجهتك وحاصرتك وأثقلت عليك حتى ضاقت بك الأرض بما رحبت. وقد لا ترى في المستقبل سوى مأساة ونهاية فظيعة تنتظرك وتتجه نحوها لا تلوي على شيء.. لأنك الآن في حاضرك لا تجد في نفسك إلا ضعفا، لا يمكنك تخيل ما هو آت إلا بما يثير فيك إحساس الانتصار الأخير، ولابد لانتصارك أخيرا أن يكونَ فظيعا "دموياً" وهذا هو التفكير بالانتحار(غير الجدي)، انتحار منطقيّ مُستقبلي.

دعك من أمس.. دع كل شيء يمضي إن أراد.. ابتعد قليلاً واكتف بأن ترى عن بعد لترى ما في الوجود من "بساطة وجمال"، لتعرف كم أنت مدين بحق نفسك والحياة.. بأنك نسيت نفسك وألقيتها في غياهب مُظلمة، كم أنت غريب عنك! كم كنت واهماً؟ عُد إليها، فما دمت حياً، ما دام قلبك ينبض ففي الوقت متسع.. عد إلى نفسك وحاذر من أن تسرع.. تعلم الهدوء وعدم الاستعجال.

"الشجاعة لا تعني عدم الخوف إنما تعني مواجهة المخاوف...”، كأن حياتنا طريق نسير فيه لوجهة ما.. وقد يعترض سيرنا في أي مرحلة من مراحل عمرنا حائط أو حفرة أو أي تحدي.. فإما أن نجتاز هذه العقبة وإما أن نتوقف ونستسلم.. كيف لي أن أحيي في نفسي "قوة الاجتياز"؟ بأن تعرف بدقة ووضوح ما الذي تريده من الحياة أو ما قيمة حياتك، وما الذي تقدمه للوجود كل يوم.. ليس شرطا أن تقدم الثمين.. أحيانا أبسط الهدايا تكون ذات أثر ومعنى أكثر من سواها، قد تكون هديتك ابتسامة أو تلزم نفسك ولو بساعة واحدة بأن لا تحكم على الناس.
قف الآن واسأل نفسك مما تعاني؟ ما الذي يرهقك ويستنزف طاقتك ويجعلك جثة حيّة؟ تأكد بأن لا أحد (إلّا الله) يعلم حقيقةَ ما تعاني.. لا أحد يعرف تلك اللحظات العصيبة التي واجهتها وحدك.. قد تكون في تلك اللحظات تبدو سعيداً.. هادئا، لكنك تعلم جيداً أنك لم تكن كذلك، لم تكن إلا حطاماً لا يسمع منه تحطم وانكسار.. لذلك أنت وحدك قادر على لملمة حطامك.. جمع شتاتك وإعادة الحياة إليك. اعلم أن الحياة ليست كما تريد لكنها ملكك.. تستطيع إذا عرفت كيف تواجهها وتتقبل بأن لا وجود لشيء دون نقيضه، تستطيع أن تحيا ببساطة.. لأنك لن تسعد ما لم تذق مر الحزن.. لن تعرف الخير ما لم تر الشر. ومثلما السعادة لا تدوم فالحزن كذلك لا يدوم.. وعدم استدامة تلك المشاعر لا يعني إلا أن كل حال تفضي إلى حال، وبأن "مع العسر يسرا".

اجعل من الحياة قصة أنت كاتبها وبطلها.. اجعلها لوحة أنت فنانها ومبدعها.. لا تسمح لأحد بأن يلطخ بياض لوحتك بألوانه.. حاذر أن تُسيء إلى نفسك بحذرك من أن تبدو مسيئاً للآخرين.. لأنك لن تكون (حسب قناعتك بسبب حذرك ذاك) إلا مسيئاً.. ولن تجد نفسك إلا حاساً بالذنب دائماً من خلال تعاملك مع نفسك ستتعامل مع الآخرين، فاجعل سعيك الدائم نحو إصلاح نفسك مع معرفتك بأنك إنسان لا ملاك ولا شيطان والآخرون كذلك.

اصنع سعادتك، ابحث عنها في تفاصيل بسيطة تغيب عن أذهاننا مع أنها دائماً أمام أعيننا.. ببساطة لأننا لا نرى السعادة إلا كشيء لا نملكه ونسعى لأن نحظى به في القادم من الأيام.. لما لا نشعر بروعة الحياة إلا فيما نتخيل ونطمح؟ لما دائما لا نسعد بحاضرنا؟ لأننا قيد الانتظار والترقب.. لأننا أسرى ماض ولّى.. لأننا لا نحيا حاضرنا إلا كأجساد.

الدكتور / رمضان حسين الشيخ
باحث وكاتب في العلوم الإنسانية وفلسفة الإدارة
الخبير الدولي في التطوير الاداري والتنظيمي

 

147450
جميع الحقوق محفوظة © 2019 - جريدة شباب مصر