الأربعاء 23 أكتوبر 2019 م 10:29 مـ 23 صفر 1441 هـ
الرئيسية | أراء وكتاب

نسيت أن أعيش

2019-05-30 11:51:32
أحمد محمود القاضي

في كل يوم يحيل فيه الانسان عينيه من حالة الانغلاق والسبات العميق الى حالة اليقظة والانفتاح علي العالم الملء بالحوادث من حولنا؛ هي فرصة لا ولن تعوض ليحيا حياة جديدة يستمتع فيها بما تتداوله الأقدار وتخبئه له أوراق كتابه، فرصة تنقضي عقب أربع وعشرين ساعة لن يعد اليوم بعدها، و لن يظل عندها؛ فكل ساعة، وكل دقيقة، وكل لحظة في اليوم لابد أن تعاش لحالها كما هي عليه، نستمتع بها قبل فواتها وقبل أن تصبح مجرد ذكرى نحنُّ إليها ولن ندركها حينها.
وقد كنت طفلا براء لا أفقه من دنيا الأنام شيئا وكم حلمت أن أكبر وألحق بركب الذين أراهم ماضين إلى المدارس يتعلمون ويتفقهون بل ويمرحون ويلعبون وسط أخلائهم، وبالكتب يمسكون كما النواضج من الكبار، وبالأقلام يكتبون كالكتاب العظام، وكم مثلت أني أعي ما اكتب حينما كنت أمسك بالاقلام وارسم علي الاوراق لاهيا عبثاً، ثم مرت الأيام وانقضت من العمر سنون و ما لبثت حتى سئمت حياتي على هذا النمط مع تزايد الأحمال على طفولتي التي تنشرخ يوما فيوما طرديا مع المسئوليات؛ فتمنيت لو أنمو سريعا ولا أظل طفلا لا حول له ولا قوة، تمنيت لو أني أستطيع أن أكبر فأذاكر وحدي وأتنزه مع رفقائي بعد أوقات المدرسة بلا رقيب ولا حسيب ثم ما لبثت حتى تشوقت لكوني في الثانوية مراهقا كبيرا لا أسمع كلمة طفل تصاحبني ذهابا وإيابا، وبعدها تمنيت لو أتخلص من كلمة مراهق التي كانت تقتلني لا سيما في الشق الأخير من تلك الفترة حينما يرى أو مجرد أنه يأمل الانسان لو يعامل كشخص كبير ناضج ليس كطفل طائش ، وتخرجت في الثانوية والتحقت بالجامعة وما مر العام الأكاديمي الأول علي حتى سئمت العناء والمشاق والمسئوليات الملقاة على عاتقي وعن تلك الحرية التي بحثت عنها، اكتشفت انها تزيد من حمل المسئولية على عواتقي، أملت في التخرج عاجلا غير آجل وأن أحصل على وظيفتي، وآكل بيداي لقمة عيشي التي حصلت عليها من عرق جبيني وجهد ذراعي ، لكني سرعان ما سئمت الروتين السئيل وتضجرت من العمل وتمنيت أن أجد غيره، ثم تركت العمل فمكثت بلاه تعيسا أرنو لآخر، وكم تمنيت لو أني أتزوج ولا أظل عازبا سخطا على حالي في بيت عائلتي، ولما تزوجت مللت الصمت الدائم وسكون المنزل وباغيا البنين والبنات ولما ولدوا استعجلت نموهم وحلمت بأن أتخلص من عناء بكائهم وسهر ليلهم وأن لو أراهم يدخلون من أبواب المدرسة -مثلما أفعل دوما- ثم تمنيت لو أنهم يكبرون مثلي ويتخرجون ويتزوجون -مكررا الكرة معهم- و تمنيت لو أني أتقاعد من العمل وأحصل على راتب بلا جهد ..
ثم ها أنا الآن هنا أوشكت أن أموت وقد أكتشفت أني نسيت أن أعيش؛ فقد مرت كل فترة من حياتي وأنا مستوحشها واطلب ما يغيب وراءها حثيثا حتى انتهت حياتي ومرت وأنا الآن على أبواب الخروج و قد لاحظت أنها انقضت ولم يعجبني فيها شيء، لا طفولتي ولا شبابي ولا حتى هرمي، لا صغري ولا كبري، لا وحدتي ولا عزوتي، لا عملي ولا عطلتي، لم ارض فلم اسعد ، استعجلت حياتي فأتتني عجلة ولم أعشها، انتهت كما لو أني كنت أشاهدها على تلفاز او في دار عرض للأفلام، كما لو كانت أقصوصة قصيرة، فقد كنت أحلم في كل يوم بغد ولما أتي الغد اكتشفت أني البارحة نسيت أن اعيش.
كم تمنيت وتمنيت غافلا عن النهاية، لكن الشيء الذي أتمناه التو بحق هو أن أحيا من جديد، ألا أخرج من الحياة وأنا لم أحياها، ألا أقدم على الموت بلا روح تقبض؛ فقد جرت عليها وجار علي الزمان.

0
أراء وكتاب
147730
جميع الحقوق محفوظة © 2019 - جريدة شباب مصر