الإثنين 21 أكتوبر 2019 م 3:18 صـ 21 صفر 1441 هـ
الرئيسية | إبداعات

فرصة ثانية

2019-07-10 13:17:48
ميار طارق

كان مريضًا.. وكانت كل الألسنة في المشفى تحاول إيصال الأمر إليّ بطريقةٍ فيها أقل قدرٍ من الألم.. إلا لساني الذي كان يلهج بذكر الله من أنه لن يضيعه أو يضيعني.. لا يمكنني تخيل واقعي ولا خيالي بدونه.. ولم يكن في مقدوري التحمل.. لم أكن لأتحمل أبدًا فراقه..
كان مريضًا للغاية هذا صحيح.. أصابه المرض اللعين مبكرًا إصابةً مفجعة.. وبات يأكل جسده وابتسامته وحركته وكل شيءٍ كان مضيئًا لا ينطفئ فيه أبدًا.. حتى بات باهتًا.. شاحب الوجه كأن الحياة قد فارقت روحه قبل أن تفارق جسده.. وكان يشعر في قرارة نفسه أن وقته قد اقترب.. كان الألم يغزو كل ذرةٍ في كيانه كل ليلةٍ أكثر من سابقتها.. كان الألم يأخذه بعيدًا كل ليلةٍ حتى لأظن أنها النهاية.. ثم ينتهي وتهدأ آلامه المبرحة لينام لساعة أو ساعتين حتى تبدأ نوبة الألم التالية.. وكان قلبي يتمزق مع كل آهةٍ يخرجها من بين شفتيه.. كانت روحي ترحل بعيدًا عن جسدي مع كل انتفاضةٍ لجسده في علاجه الكيماوي.. ولم أكن أعرف ماذا أفعل.. كان هذا هو أكثر وقتٍ كنت فيه عاجزةً عن تقديم أي شيءٍ له..
لطالما قدّم لي الكثير بدون انتظار المقابل.. لطالما منحني دون أن يمنع.. لطالما غمرني بنشاطه وكان نورًا يعطي لحياتي ملاذًا كنت في أمسِ الحاجةِ إليه.. وفجأة وجدت نفسي أوشك على فقدانه عاجزةً حتى عن مواساته أو التماسك كما كان يطلبُ مني دومًا..
كانت كلماته لا تتغير:"أنتِ قوية.. وأنا أقوى بكِ.. ونحن معًا سنهزمه".. كان متفائلًا حتى في أشد أوقات ألمه..
ثم جاء موعد عمليته الجراحية التي كانت ستُحدِث فارقًا إذا تمت بنجاح.. ولم يتوقف لساني عن الدعاء لحظةً واحدة.. وكنت متيقنة من أن الله سيُحدِث تلك المعجزة التي ننتظرها وسأتمكن من رؤيته مرةً أخرى.. وسأحصل على فرصةً أخرى ويومًا آخر معه وربما أكثر..
حتى انتهت العملية الجراحية وفُتِحت الأبواب ورأيته أمامي.. رأيته مرةً أخرى.. حصلت على فرصةٍ أخرى لأضمه إلى صدري وأحفظه في ثنايا قلبي.. لأتمكن من التدقيق في ملامحه الرائعة مرةً أخرى.. وهنا فقط أدركتُ كيف يختلف حضور أحبتنا عن أي حضورٍ آخر..

0
إبداعات
148507
جميع الحقوق محفوظة © 2019 - جريدة شباب مصر