الجمعة 06 ديسمبر 2019 م 5:17 صـ 8 ربيع آخر 1441 هـ
الرئيسية | مساحة حرة

لقد سرقوا أمي

2019-07-28 19:52:10
ميار طارق

 

كانت في الرابعة عندما حدث كل شيء, لم تكن تعلم أين والدتها, سألت والدها مرارًا وتكرارًا وفي كل مرة هي الإجابة ذاتها لا تتغير"قريبًا ستعود", أصبحت الأيام أسابيع ثم سنين وقريبًا هذا لا يأتي, هي لم تفهم شيئًا مما حدث, فقط تفاجأت بمجموعة رجال يأتون إلى المنزل ويجذبون أمها بطريقةٍ عنيفةٍ إلى الخارج وسط صراخها ومقاومات أبيها ولكن بلا جدوى.
حتى جاء ذلك اليوم الذي رن فيه هاتف المنزل, وعندما رفع والدها سماعة الهاتف ووضعها على أذنه واستمع لصوت المتصل على الجانب الآخر لدقائق نظر إليها نظرة مُشفِقَة أدركتها على الفور ثم أغلق الهاتف وتحدث بجملةٍ واحدة لم يزد عليها" هيا صغيرتي تجهزي.. سنذهب لنرى ماما".
تجهزت كما لو أن اليوم عيد, أخيرًا سترى أمها, ستريها كيف أصبحت بعد كل تلك السنوات, ستريها كيف أصبحت فتاةً كبيرة يمكن الاعتماد عليها, حقًا تركتها خمس سنوات لكنها كانت نعم الفتاة فيهم, والآن أتى اليوم الذي كانت تنتظره بفارغ الصبر أخيرًا, ستذهب لترى ماما.
تحركت السيارة بها وبوالدها إلى أن وصلت إلى مبنى كبير محاط بسورٍ عالٍ وبسلكٍ شائكٍ أعلاه وهناك كاميرات للمراقبة موجودة بكل ركنٍ من أركان هذا السور يمكن تبينها بسهولة, وهناك مجموعة من ضباط الشرطة وهي تعرف كيف يرتدون جيدًا يقفون أمام السور في أماكن متفرقة, وعند مدخل المبنى توقفت السيارة قليلًا وتحدث السائق مع أحد الضباط الذي كان واقفًا عند البوابة ثم سمح لهم بالمرور, دخلت السيارة إلى المبنى وهي تتطلع حولها بفضول وترى الكثير من الضباط الذين يتواجدون في كل ركن من أركان هذه الساحة الشاسعة, كما أن هناك الكثير من الأفراد العاديين الذين يرتدون ملابس متقاربة إلى حدٍ كبير ويجلسون في أماكن متفرقة من الساحة واستطاعت تبين أطباء وممرضات من ملابسهم حولهم, لكنها لم تستطع أن تتبين أهي بمشفى أم بمكانٍ آخر.
توقفت السيارة في جانبٍ من الساحة ثم ترجّلوا جميعًا منها وأخذ والدها بيديها ثم توجهوا إلى داخل المبنى حتى وصلوا إلى غرفةٍ صغيرة في أحد الطوابق, تقدم والدها ثم شجعها على الدخول, دخلت إلى الغرفة التي لم يكن بها سوى شباك صغير عالٍ يصعب النظر من خلاله ويساعد على إدخال ضوء الشمس إلى الغرفة, وكانت هناك طاولة صغيرة أمام السرير الذي يقبع في منتصف الغرفة والذي كانت تستلقي عليه والدتها, استطاعت تبين ملامحها على الفور على الرغم من أنه قد مرت خمس سنوات على آخر مرةٍ رأتها فيها, كانت والدتها مغمضةً عينيها ومقطبة جبينها كأنها تتألم, ثم ما لبثت أن فتحت عينيها عندما اقترب زوجها من السرير ممسكًا بيديها ومناديًا عليها باسمها, فتحت عينيها بصعوبة ثم أشار إلي طفلتيهما فسارعت بالنظر إليها ثم اغرورقت عيناها بالدموع على الفور وهي تشير إليها لتقترب منها, نظرت إلى والدها فحثها على الاقتراب ثم اقترب من أذنها وأخبرها أن ماما متعبة قليلًا لهذا عليها ألا ترهقها كثيرًا وأن عليهم الرحيل سريعًا, رحل الجميع من الغرفة تاركين للموقف هيبته وجلاله.
اقتربت الطفلة من الفراش وهي متوجسة قليلًا من هيئة والدتها, لكن الأم حثتها على الاقتراب بابتسامةٍ مطمئنة وهي تحاول الاعتدال قدر الإمكان, ثم أخذت بيدها وقبلتها قبلةً طويلة أخرجت فيها كل ما استطاعت من اشتياقٍ لصغيرتها طوال تلك السنوات الخمس, ثم همست لها بما استطاعت من قوة "لقد اشتقتُ إليكِ صغيرتي.. كثيرًا.. ألم تشتاقي لماما؟!!"
وكأن الصغيرة كانت في انتظار تلك الجملة لترتمي في أحضان والدتها وتبكي, وتتشبث بها كأنها كانت تفتقد بر الأمان وها هي قد وجدته ولا تنتوي الرحيل على الإطلاق, ظل المشهد هكذا لدقائق, كلٌ منهما تتشبث بالأخرى كأنها تستمد منها الحياة, الصغيرة تستمد الحياة التي فقدتها بعيدةً عن أمها وها هي تحاول الحصول عليها, والأم تستمد الحياة التي فقدتها بعيدةً عن ابنتها والتي تتمنى أن تحصل على دقائق إضافيةٍ منها.
لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن, فكان للقدر رأيٌ آخر وكانت تلك الدقائق هي كل ما ستحصل عليه الأم مع ابنتها, فقط لتكون هي آخر من تراه عيناها قبل الرحيل, أغمضت الأم عينيها وأسلمت الروح لخالقها وهي تحتضن ابنتها, وشعرت الصغيرة بثقل جسد والدتها ولم تستطع إسنادها فنادت على والدها الذي دخل سريعًا واستطاع وضع والدتها على السرير مرة أخرى ومسح دموعه التي انهمرت على الفور, ثم احتضن صغيرته وهي تتساءل عما حدث ولمَ صمتت والدتها فجأة, لكن لم يكن لوالدها جواب فحملها وخرج بها من المكان بأكمله, محاولًا الرحيل بها بعيدًا قدر الإمكان عن ذلك العالم الذي سرق من تلك الطفلة الصغيرة والدتها من خمس سنوات لأمرٍ لم ترتكبه ولم تتخيل حتى.
ثم أسدل الستار وأظلم المكان على صغيرةٍ مكلومة, فقدت الحياة وهي على وشك استردادها..

0
مساحة حرة
148873
جميع الحقوق محفوظة © 2019 - جريدة شباب مصر