الأربعاء 18 سبتمبر 2019 م 2:32 صـ 18 محرّم 1441 هـ
الرئيسية | مقالات اليوم

لا تغضب

2019-09-01 17:44:06
د. علي زين العابدين الحسيني الأزهري



جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فطلب منه أن ينصحه نصيحة يحفظها ويعمل بها، وتكون جامعة غنية وموجزة تنفعه في دنياه وآخرته، وترشده إلى سبيل الخير، وتبعده عن طريق الشر، فأجابه بكلمة واحدة من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، وهي قوله: (لا تغضب)، لكن الرجل استقلها ظناً منه أنها لا تحقق غرضه المنشود أو ما كان يطمع فيه، فكرر طلب النصيحة من النبي صلى الله عليه وسلم عدة مرات، وفي كل مرة يكرر عليه صلى الله عليه وسلم نفس الكلمة الجامعة الموجزة والمرشدة لكل خير والمبعدة عن كل شر وهي: (لا تغضب)، ولم يزد عليها صلى الله عليه وسلم؛ لعموم نفعها في جلب المصالح ودرء المفاسد، وجمعها خير الدنيا والآخرة، وليس النهي راجعاً إلى نفس الغضب؛ لأنه مطبوع في الإنسان، وإنما المراد أن لا يفعل الإنسان الأسباب المقتضية للغضب، ويفعل الأسباب المخالفة له؛ كالحلم والحياء.

والدافع للغضب غالباً الانتقام والسطوة، ويترتب عليه تغير الظاهر والباطن والرعدة في الأطراف، وخروج الأقوال والأفعال من غير ترتيب، وقبح الصورة بحيث لو رأى الغضبان نفسه لسكن حياءً من قبح صورته، وهو داء كثير من الناس؛ لأن الغضب يخرج الغضبان عن صوابه ويدفعه إلى سوء التصرف في أفعاله وأقواله، وتنقلب أفعاله بسببه شراً على نفسه وعلى غيره، وإذا انضم إلى الغضب الانتصار في المواقف لنفسه فهو الشر المستطير، ومن تأمل أحوال الناس ممن حوله وكيف يسيطر عليهم الغضب في مواقفهم فيدفعهم للمفاسد وسوء العاقبة عرَف عظم ومقدار ما اشتملت عليه هذه الكلمة الجامعة الحكيمة من الدواء الناجع والفريد في حل كثير من المشكلات الطارئة.

إنّ الرجل الرشيد والقائد الناجح هو الذي يملك نفسه عند الغضب، فلا يتصرف تصرفاً طائشاً بعيداً عن الحكمة، وقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى كيفية امتلاك زمام النفس عند الغضب؛ بأن يستعيذ الغاضب بالله من الشيطان الرجيم، وأن يتوضأ أو يغتسل، ويغير الحال التي هو عليها، فإن كان قائماً جلس، وإن كان جالساً اضطجع، ولابد للإنسان أن يتذكر عاقبة الغضب ومضاره، ويعرف أنّ الرجولة ليست في الانتصار للنفس، ويتعرف من خلال القراءة على فضل الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس.

وقد شهد الواقع بأنّ الشخص الذي يستطيع أن يتحكم في غضبه يكون سيد نفسه، مالكاً لزمامها، يسوقها إلى الخير، ويصرفها عن الشر، ويحيا حياة كريمة طيبة.


بقلم:

الشريف الدكتور/ علي زين العابدين الحسيني الأزهري

باحث وكاتب أزهري
وعضو نقابة السادة الأشراف بمصر

0
مقالات اليوم
149652
جميع الحقوق محفوظة © 2019 - جريدة شباب مصر