الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 م 4:41 صـ 15 صفر 1441 هـ
الرئيسية | أراء وكتاب

من ديوان عنترة شرح قصيدة(فخر الرجال)

2019-09-22 00:54:39
أحمد النجار

مناسبة هذه القصيدة أنه كان هناك حرب بين العرب والعجم وكان عنترة من جملة المقاتلين في جيش العرب ولكنه وللأسف أُخِذَ أسيراً كما أن عبلة أُخِذَت كذلك فصعب عليه الأمر وضاقت به نفسه فقال هذه الأبيات:
فخْــرُ الرِّجــالِ سلاســلٌ وَقيُــودُ * وكــذا النســاءُ بـخانـقٌ وعقــودُ
و اذا غـبــارالخيــل مــد رواقــة * سُكْري بـهِ لا مـا جنـى العُنْقـــودُ
إن الوقوع في الأسر نتيجة للدفاع عن الأهل والوطن ليس عاراً ومذلةً يعاب الرجال بها فكما أن افتخار النساء يكون بلبس البخانق وهي: خمار صغير يغطي العنق والصدر ولبس العقود من الجواهر واللؤلؤ فإن ارتداء المدافعين عن الأهل والوطن الذين وقعوا في الأسر السلاسل والأصفاد افتخارٌ وعزٌ لهم وإن رواق الغبار: أي مقدمته الذي تثيره الخيل في ميدان القتال لهو أحب لنفس عنترة من جنى العنقود: أي الخمر وسكر عنترة وانتشاؤه بهذا الغبار لا هذه الخمر ولا يخفى على القارئ ما في هذه الأبيات من حسنٍ لمطلع القصيدة وبراعة الاستهلال.
يـادهــرُ لا تبــق عـليَّ فـقــد دنـا * ما كنـتُ أطلــبُ قبــلَ ذا وأريــــد
فالقتْلُ لي من بعـد عبْلـة َ راحَـة ٌ * والعَيــشُ بعــد فِـراقهـا منكُـــودُ
الآن ينتقل عنترة للغرض الأصلي من القصيدة وهو شكوى الدهر فهو يشتكي الدهر على ما أَلَمَّ به من مصائب وأحزان ويقول له لا داعي من الإبقاء على حياتي فلم تعد ذات قيمة وقد دنا أي: ابتعد –ولفظة دنا من ألفاظ الأضداد التي تدل على معنيين متضادين يفرق بينها سياق الكلام-كل ما كنت أرجوه من حياتي وأريده وفوق كل ذلك كان ابتعادي عن عبلة وأظنه فراق لا لقاء بعده فالموت قتيلاً خيرٌ لي وأحب لنفسي من العيش حزينا منكوداً من بعد عبلة.
يا عبْلَ! قدْ دنتِ المَنيّـة ُ فاندُبـي * ان كــان جفنـك بالدمـوع يجـــود
يا عبلَ! إنْ تَبكي عليَّ فقـد بكـى * صَرْفُ الزَّمانِ عليَّ وهُوَ حَسُــودُ
يا عبلَ! إنْ سَفكوا دمي فَفَعائلي * فـــي كـــل يـــومٍ ذكرهـنّ جـديـــد
لهفـى عليــك اذا بقيتــى سبـيــة * تَدْعينَ عنْتـرَ وهــوَ عـنــكِ بعيـــدُ
وينادي طيف عبلة تلك المسكينة التي وقعت في الأسر ولا حول لها ولا قوة ويخاطبها بقلب يفيض بالأسى ويقول لها اعلمي يا عبلة أن المنية أي: الموت قد اقترب ولا فرار منه فاندبي ما كنا فيه من خير ولتبك هذه الأيام إن كانت عيونك لا تزال فيها الدموع وإن بكيتي علي فقد بكاني الزمان رغم ما بيننا من بغض وحسد وما ذلك إلا لأنه أشفق على حالي وما صرت إليه واعلمي يا عبلة أنهم إن سفكوا دمي وقضوا على حياتي فإن ذكري دائم وسيرتي باقية وفعائلي لا تبلى فهي دوماً ستُروى للناس جيلاً بعد جيل ولكن أسفي وحزني عليكي يا عبلة إذا بقيتي من بعدي سجينةً تنادين وتقولين عنتر وهو عنك بعيدُ.
ولقد لقيتُ الفُرْسَ يا ابْنَة َ مالـكِ * وجيوشها قـد ضـاق عـنهـا البيــد
وتمــوجُ مــوجَ البحــرِ إلا أنَّهــا * لاقـــتْ أســـوداً فـوقهـــنَّ حديــــد
جاروا فَحَكَّمْنــا الـصَّوارمَ بيْننــا * فقَضـتْ وأَطـرافُ الـرمـاحِ شُهُـود
ويتكلم عنترة بما بقي له من رباطة جأشٍ ليقول أنه لم يقصر في حرب هؤلاء القوم ولكنها الأيام التي لا تدوم على حال اعلمي يا ابنة مالك أني لقيت جيوش الفرس وقد ضاق عنها البيد أي: ضاقت بهم الصحراء رغم اتساعها وذلك لكثرة أعدادهم المهولة فما أخافني ذلك وجيوشهم من كثرتها تموج أي: تتحرك كحركة موج البحر ولكنهم وجدوا أمامهم رجالاً هم كالأسود قوة وشجاعاً تغشاهم الدروع والسيوف والرماح وهؤلاء الفرس ما حاربونا إلا جائرين أي: ظالمين فما وجدنا من يحكم بيننا غير الصوارم أي: السيوف فقضت بيننا بقتال كنا فيه الغالبين وتشهد لنا أطراف الرماح ولكنها الكثرة التي تهزم الشجاعة.
يـا عبـلَ! كـم مـنْ جَحْفـلٍ فرَّقْتُـهُ * والجــوُّ أســـودُ والـجبـــالُ تميـــدُ
فسطا عليَّ الدَّهـرُ سطـوة غـادرٍ * والدَّهـــرُ يَـبخُـــلُ تـــارة ويجُـــودُ
ولكي يا عبلة أن تتسائلي كم من جحفلٍ وهو: العدد العظيم في قوات الجيش قمت بتفريقه عن طريق الخوض فيهم والضرب والتقتيل في فرسانهم فما كان منهم إلا أن فروا هاربين كل ذلك والجو أسود بسبب الغبار المتصاعد والجبال تميد أي: تميل وتهتز من شدة الحركة والقتال إلا أن الدهر كعادته لا تؤمن غوائله فقد قلب الموازين ضدي وهجم علي هجمة غادر وهكذا هي أحوال الدهر مع الناس تارة يبخل عليهم برغد العيش وتحقيق المأمول وتارة يجود.

0
أراء وكتاب
149889
جميع الحقوق محفوظة © 2019 - جريدة شباب مصر