الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 م 4:43 صـ 15 صفر 1441 هـ

من ديوان عنترة: شرح قصيدة(إذا كان أمر الله)

2019-09-29 11:02:34
أحمد النجار

إذا كــــان أمــــرُ الله أمــــراً يُقَـــــدّر * فكيــفَ يفـرُّ الـمرءُ منْــه ويحـذَرُ
ومن ذا يردُّ المـوتَ أو يدفــعُ القضـا * وضرْبتُــهُ محْتُومـة ٌ ليــس تعثـرُ
هذه الأبيات تدل دلالة كبيرة، على أن عنترة كانت له صلة بأهل الكتاب من العرب، وإلا ما كان ليذكر مثل هذا الكلام في شعره، فهو يقول: إذا كانت الحوادث والأيام، والأحوال التي تعتري المرء أمراً قد قدره الله في الغيب، ولا مفر منه، فما الداعي لكل محاولات السلامة والفرار من القدر، فما سمعنا أبداً عن أحد استطاع أن يرد عن نفسه الموت، أو أن يغير من قضائه، وكيف ذلك والموت إذا جاء لاتخيب ضربته، ولا تخطئ صاحبها فهي مصيبة دائماً.
لَقد هانَ عِنْـدي الدَّهْــرُ لمَّــا عرفْتُــهُ * وإنـي بمــا تأْتــي المُلمَّـاتُ أخبِـرُ
وليـــس سبــاعُ البَــرّ مثْــلَ ضِباعِــهِ * ولاَ كلُّ مَنْ خاض العَجاجة َ عَنْتَرُ
لقد هان عندي شأن الدهر لما عرفت أحواله وسننه، فلست أخاف مما تُخَبِّئُ لي الأيام، وإني على استعدادٍ تامٍ لكل ملمة أي: مصيبة تأتي، فقد صرت بالمصائب خبيراً، أعرف كيف أستقبلها وأتعامل معها وأخرج منها ظافراً، ولا تزيدني إلا قوةً وحكمة، ولا يقدر على هذا الفعل إلا قليل، فكما أن الضباع لا ترقى لمنزلة السباع، فليس كل من خاض العجاجة، أي: الحرب -وعبر بهذا الوصف لارتفاع الأصوات فيها- يكون مثل عنترة.
سلُوا صرْفَ هذَا الدَّهْر كمْ شَنَّ غارة ً * ففرَّجْتُهــا والمَـوْتُ فيهـا مشَمِّـرُ
بصـــارمِ عَــزْمٍ لــــوْ ضرَبــتُ بحَــدِّهِ * دُجى اللَّيلِ ولَّى وهو بالنَّجْم يَعثُـر
فيا من لا تعرفون عنترة ولم تصلكم أخباره، اسألوا عني صرف هذا الدهر أي: شدائده وصعابه، وكم من غارةٍ قام بشنها عَلَيَّ ليهلكني، فرددتها جميعاً وانتصرت فيها، بالرغم من أن الموت كان حاضراً فيها مشمراً عن ذراعيه ليقبض روحي، ولكن لم يظفر إلا بأرواح الذين قاتلتهم، بصارمٍ في يدي وصارمٍ بقلبي، من قوته لو ضربت به سواد الليل، لفر هارباً من خوفه يتعثر في النجوم.
دعونـي أجـدُّ السَّعـي فـي طلـب العُـلا * فأُدْرِكَ سُؤْلـي أو أمُــوتَ فأُعــذَرُ
ولاَ تختشـــوا ممـــا يُقَـــدَّرُ فـــي غــدٍ * فما جاءَنا منْ عَالَمِ الغيبِ مُخبِـرُ
وكمْ مـــنْ نَذِيـــرٍ قـــدْ أَتَانـــا مُحَـــذِّراً * فكانَ رسولاً فـي السُّـرور يُبَشّـر
فدعوني أيها القوم من تخاذلكم، وخشيتكم مما لم يحدث بعد، ولأُجِدَّ السير والسعي، في طلب المكانة العالية والمنزلة الرفيعة، فإما أن أنال بغيتي وأصل إلى مرادي، وإما أن أموت في سبيل ذلك، وعذري أني سعيت وحاولت، ولم أتخاذل وأنكمش خشيةً مما يُقدَرُ في الغد، فهو أمر لا نعلم عنه شيئاً، ولم يأتنا رسول من عالم الغيب ليخبرنا بما سيحل بنا، كما أن الأيام من طبعها التغير والتبدل، وفي أوقات كثيرة يكون الخوف نتاجاً لسوء الظن والتدقير، فكم من حادثة نتعرض لها فتكون نذيرا بالهلاك، ثم يتبين لنا فيما بعد أنها حدثت لخير، فكانت رسولاً بالسرور.
قفي وانظري يـا عبلُ فعلــي وعاينــي * طِعانــي إذَا ثَـارَ العَجـاجُ المـكدّر
تَــرَي بطـلاً يَلقَــى الـفَوارِسَ ضاحِكَــاً * ويرجِعُ عنْهمْ وهو أشعثُ أَغْبَـرُ
ولا ينثنــــي حتــــى يُخَلِّـــى جَمَاجِمَـــاً * تَمرُّ بـها ريحُ الجَنوبِ فتَصْفـــر
وأجْسـادَ قــوْمٍ يَسكــنُ الطَّيْــرُ حَولَهــا * إلى أن يرى وحشَ الفلاة ِ فينفر
قفي يا عبلة وانظري ما يكون من أفعالي وبلائي، إذا ثار العجاج المكدر أي: الصياح المتعالي في الحرب والقتال، فإنك إن أمعنتي النظر رأيتي أمامك بطلاً شجاعاً، لا يعرف الخوف إلى قلبه منفذاً، فهو لا يلاقي أعدائه إلا ضاحكاً، لفرط قوته وثقته في نفسه، ويرجع بعد قتالهم وهو أشعث أغبر، أي: غير مرتب الشعر ويعلوه التراب، لكثرة الكر والفر في القتال، كما أن هذا البطل لا ينثني، أي: لا يتراجع عن القتال، حتى يترك وارءه جماجم أعداءه، وقد مر من خلالها الريح فأصدرت صفيراً، ويترك كذلك من خلفه أجساد أناس قاتلهم وأهلكهم، حتى صارت هذه الأجساد مسكناً للطير تأوي إليه، ولا تنفر منه إلا عند رؤية وحوش الصحاري والسباع.

150057
جميع الحقوق محفوظة © 2019 - جريدة شباب مصر