الجمعة 18 أكتوبر 2019 م 7:06 صـ 18 صفر 1441 هـ
الرئيسية | إبداعات

من ديوان عنترة: شرح قصيدة(قول المفتري)

2019-10-05 10:06:24
أحمد النجار

يا عبلُ خلّـي عنـكِ قـوْلَ المفْتـري * واصْغي إلى قَوْلِ المحِبِّ المُخبِرِ
وَخُذي كلامـاً صُغْتُـهُ مـن عَسجَـدٍ * ومَعانيـــاً رَصَّعْتُهــــا بالجوْهـــر
لا تهتمي يا عبلة بقول الذين يسعون للتفريق بيننا، ويفترون علي بما ليس فِيَّ، ودعي هذا الإفتراء جانباً واسمعي قولي الذي أخبرك به، فقول المحب دوماً صادق، اسمعي كلاماً قد ألَّفتُهُ ووضعت فيه معانياً راقية، فكان عسجداً أي: ذهباً مرصعاً أي: مزيناً بالجوهر.
كَــم مَهْمَــهٍ قفْــرٍ بنفْسـي خُضْتُـهُ * ومفـــاوزٍ جاوزتهــــا بالأبجــــر
كـم جحْفـل مثْـل الضَّبَـابِ هزمتُـهُ * بمُهنَّـدٍ مــاضٍ ورُمــــحٍ أسمــــر
كم فـارسٍ بيـنَ الصُّفـوفِ أخذْتُـهُ * والخيْــلُ تعْثــرُ بالقنــا المتكســر
ألم تعلمي يا عبلة كم من مهمهٍ أي: صحراء بعيدة لا ماء فيها، قد خضت عناء السير فيها ومفاوز، أي: صحاري أيضاً قد عبرتها وجاوزتها بفرسي الأبجر، ولم ينل مني التعب والإعياء، وكم من جحفلٍ أي: عدد كبير من الفرسان، كانوا مثل الضباب في الكثرة قاتلتهم وهزمتهم، بمهندٍ أي: سيف قاطع ورمحٍ أسمرِ، وكم من فارس في صفوف الأعداء، قد أخذته من بينهم وأهلكته، والخيل هاربة بأصحابها، وتتعثر أثناء ذلك بالقنا أي: الرماح المتكسر في أرض المعركة.
يا عَبلُ دُونَـكِ كـلَّ حــيٍّ فاسأَلــي * إنْ كان عنْـدكِ شُبْهـة ٌ فـي عَنْتـر
يا عَبـلُ هـلْ بُلِّغـتِ يومـــاً أننـــي * ولّيْـــتُ مُنْهزمــاً هَزيمــة َ مُدبــرِ
وإن كان عندك يا عبلة أدنى شك في عنترة وأفعاله، وما يتحلى به من صفات، فها هم الأحياء من حولك اسألي من شئتي منهم عن عنترة، يخبرك بالخبر اليقين، وهل بلغك يا عبلة يوماً أنني فررت هارباً منهزماً في أي معركة، هزيمة الجبناء الذين يفرون أثناء القتال؟
كم فارس غــادَرْت يأْكــلُ لحْمَــهُ * ضَاري الذّائبِ وكاسِرات الأَنسُــر
أفـري الصـدورَ بكـلَّ طعـنٍ هائـلٍ * والسابغــاتِ بكــلَّ ضــربٍ مُنكَــرِ
وإذا ركِبتُ تَرَى الجبالَ تضجُّ من * ركْضِ الخيولِ وكـلَّ قُطْـرٍ مُوعِـرِ
وإذا غـزوتُ تَحـومُ عِقبـانُ الفَــلا * حولي فَتُطْعِمُ كَبــْدَ كــلِّ غَضَنْفَــرِ
كم يا عبلة من فارسٍ تركته بعد قتالي معه، وهو جسدٌ هامدٌ تأكل الذئاب الضواري والنسور الكواسر من لحمه، أما علمتي يا عبلة أنني أفري صدور أعدائي، إذا ما طعنت أحدهم تكون طعنةً هائلةً حتى السوابغ أي: الدروع، أفريها بكل ضرب أضربه مُنكَرِ أي: غريب لم يُعرَف مثل قوته، إني إذا ركبت الخيل قاصداً الحرب، تسمعين من الجبال ضجيجاً من أصوات ركض الخيول في المعركة، وكل قطرٍ موعِرِ أي: منطقة يصعب التحرك فيها، وإذا ما خرجت للغزو تحوم من حولي العقبان، –وهي طيور تصيد في الصحراء- لأن كل سبعٍ أو غضنفرٍ يواجهني يموت من فوره، فيكون طعاماً لهذه العقبان.
ولكم خطفتُ مُدَرَّعاً مــن سَرجِــهِ * في الحَرْب وهو بنَفْسهِ لم يَشْعُـرِ
ولَكمْ وَرَدْتُ المَوتَ أعْظَـمَ مَــوْرِدٍ * وصدرت عنهُ فكانَ أعظمَ مصدر
وكم من مرة في الحرب، قمت بخطف الفارس المدرع في صفوف الأعداء، ونزعته من فوق سرج فرسه، حتى أنه لم يشعر بكل ذلك إلا عندما رأي نفسه مجندلاً تحت قدمي، والدم يسيل من حوله، وكم من مرة وردت الموت في هذه الحروب، ثم صدرت عنه أي: رجعت منه منتصراً، لم يمسسني سوء فكان رجوعاً عظيماً.
يا عبلُ لو عاينْتِ فِعلي في العِدَى * مــن كــلِّ شِلــوٍ بالتُّــرابِ مُعفَّـــرِ
والخيْلُ في وسطِ المَضيق تبادَرَتْ * نَحْوي كمثـلِ العــارِضِ المتَفَجِّــر
منْ كـلِّ أدْهَــمِ كالرِّيــاحِ إذا جــرى * أو أشهبٍ عالي المطـا أوْ أشقــر
فصرَخْـتُ فيهـمْ صرخــة ً عَبْسيــة ً * كالرّعدِ تَدوِي في قُلوبِ العَسْكـر
كم أتمنى يا عبلة لو عاينتي بلائي وأفعالي، مع الإعداء في الحروب، لعلمتي ما يحل بهم عند رؤية كل شلوٍ أي: عضوٍ في الجسد، معفرٍ وملقى على التراب، ولو رأيتي الخيل في المضيق وهي تسرع نحوي، فكانت مثل العارض المتفجر أي: أكوام الغيوم المتكتلة، وهم بين الأدهم أي: خيول لونها أسود، والأشهبِ أي: خيول لونها خليطٌ بين الأبيض والأسود، كلها مقبلة ومندفعة نحو عنترة، وإذ هم كذلك صرخت فيهم صرخة عبسية أي: صرخة فارسٍ كَرَّارٍ من بني عبس، كانت كالرعد تثير الرعب في أنفسهم وتدوي في قلوبهم.
وعطفـتُ نحوَهُــمُ وصُلــتُ عليهِــمُ * وَصَدَمْتُ مَوْكِبَهُم بصَدر الأبجـــر
وطرحْتُهُـــم فــوقَ الصّعيــد كأَنّهُــم * أعجَازُ نخلٍ في حضيض المحجر
ودِماؤُهــــمْ فـوْقَ الـدُّروعِ تخضّبَـتْ * منها فصـارت كالعقيــق الأحمــر
ولربمــــا عثــــر الــــجواد بفـــارس * ويخـــالُ أنَ جـــوادهُ لـــم يعثـــر
ثم عطفت نحوهم أي: توجهت ناحيتهم وكلي شجاعة وإقدام، وصُلتُ عليهم أي: عملت فيهم الضرب والطعن ،الواحد تلو الآخر، واصطدمت بجيشهم وأنا على صدر حصاني الأبجر، وطرحتهم أي: ألقيتهم فوق الصعيد أي: البقعة المرتفعة من الأرض، أجساداً هامدين كأنهم بقايا نخلٍ متكسر، في حضيض المحجر أي: المكان المنخفض من الأرض، ودماؤهم تخضبت بها الدروع التي كانوا يحملونها، فصارت كأنها عقيقٌ أحمر: وهو نوعٌ من الأحجار الكريمة، وربما مر الجواد بين هذه الأجساد فيتعثر بصاحِبِهِ، فيتصور صاحِبَهُ أن جواده لم يتعثر به، وما ذلك إلا لأنه مُحتَضَرٌ قد فقد الإحساس بكامل جسده، جرَّاءَ ما فعله بهم عنترة.

0
إبداعات
150135
جميع الحقوق محفوظة © 2019 - جريدة شباب مصر