السبت 25 يناير 2020 م 10:55 مـ 29 جمادى أول 1441 هـ

وقفات في الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية

2019-10-12 02:36:58
حسين بوسوفة

 لقد تعرضت البلدان العربية في القرون الماضية لموجة الغزو الغربي، وفي بداية الأمر حاولت أن تقاومها بالقوة كي تسترجع سيادتها، لكنها حين رأت بأنها لن تقدر، راحت تبحث عن سبل أخرى للتعامل مع هذا الغريب، أبرزها الحوار السلمي والتفاوض، طمعا منها للوصول إلى مخرج كي تنال استقلالها، ومن هنا كان لزاما على أفراد هذه البلدان البحث عن وسيلة للتواصل مع هذا الآخر الأجنبي، فأخذ مثقفي هذه البلدان -على وجه الخصوص- على عاتقهم مهمة تعلم اللغات الاستعمارية والتحدث بها، بغية ايصال انشغالاتهم للسلطات الاستعمارية، ومثال ذلك ما حدث في الجزائر، أين تخرج الكثير من أبناء هذا الوطن من المدارس الفرنسية وكتبوا وتحدثوا بهذه اللغة، أمثال كاتب ياسين، آسيا جبار، فاطمة عمروش، عبد المالك حداد، مولود فرعون...
مع مرور الوقت وجد المثقف الجزائري نفسه أمام حتمية الكتابة باللغة الفرنسية، فاحترفها وأخذ يؤلف كتب، ويتخاطب بها، ويراسل السلطات الاستعمارية، فيتوسلها أحيانا، ويمتدحها أحيانا أخرى، إلى أن عرف أنه لاسبيل للمساومة، فقام بكشف القمع الاستعماري للعالم وحاول أن يجعل من اللغة وسيلة للكفاح .
ونظرا لأن اللغة التي كتب بها الأدب الجزائري فرنسيا اعتقده البعض أدبا فرنسيا، ولكنه في حقيقة الأمر أدب منسوب إلى الجزائر، باعتبار أن مواضيعه وكتّابه من صلب المجتمع الجزائري، ويتفق النقاد على أن الكتابة حتى وإن كانت باللغة الفرنسية فإن الفرق واضح لأن "الجزائري والفرنسي يختلفان تماما في الرؤية إلى الأمور" فالفرنسي يتحدث بخلفية استيطانية وعقلية استعمارية، أما الجزائري فيظهر عليه الأثر الديني و البعد التقليدي المحافظ والصرخة الطامعة إلى نيل الاسقلال، ومن أمثلة هذا ما كتبه مولود فرعون حين قال:"أكتب بالفرنسية وأعبر بالفرنسية لأقول لفرنسا بأني لست فرنسيا"
مر الأدب الجزائري المكتوب باللغة الفرنسية بمراحل مختلفة يمكن تحديدها كما يلي:
- مرحلة الكتابات الكولونيالية : وتمثلت في مجموعة من الكتابات التي حاولت أن تحاكي الواقع، وتفضح زيف السلطة الفرنسية، وأبرز هذه المحاولات نجد ما كتبه القاص محمد بن رحال (1856/1928) حيث كتب "انتقام الشيخ" وهي قصة مستقاة من التقاليد الاجتماعية المتعارفة في الجزائر.
- الأدب الكولونيالي المزدوج: وكتب في هذا الصنف من اعتقد وآمن أن فرنسا مثلت الخلاص بالنسبة للجزائريين، حيث اخرجتهم من الجهل والتخلف، وكانت أعمالهم تدعوا إلى المزاوجة بين الفرنسيين والجزائريين، ولقد وصف الباحث أحمد منور هؤلاء بالقول: كان يشيد هؤلاء صراحة وبلا تحفظ بفضل الاستعمار ويظهرون اعجابهم بالثقافة الفرنسية"
- الأدب الكولونيالي الثوري: يطلق على هذا الأدب انتفاضة التلميذ على معلمه، فبعد واقعة 8ماي 1945 فهم المثقف أنه لا سبيل للحرية إلا المقاومة، فمحمد ديب مثلا وآخرون من هذا الجيل أخذوا من الفرنسية سلاحا ولغة في وجه العدو، ليطلق على هذا الأدب أدب المقاومة، وقد ظهرت أعمال عديدة في هذه الفترة لكتاب حاولوا التمرد على المستعمر وكشف ألاعيبهم، مثل رواية نوم العادل لمولود معمري، ورواية نجمة لكاتب ياسين، ورواية التلميذ والدرس لمالك حداد..
- روايات ما بعد الاستقلال: لقد ظلت هذه الروايات تمتدح الثورة وتعالج القضايا الاستعمارية ومن بين هذه الروايات نجد العفيون والعصا لمولود معمري، أطفال العالم الجديد لاسيا جبار...
ثم ظهرت أعمال ابداعية عايشت مختلف الأوضاع السياسية في الجزائر كالانقلاب العسكري الذي قام به الراحل هواري بومدين في الستينيات، ثم العشرية السوداء في الثمانينيات، وصولا إلى العصر الحديث.

هكذا وقفنا على أهم محطات الأدب الجزائري المكتوب باللغة الفرنسية، وهو أدب مهم في الساحة الابداعية العربية خاصة والعالمية عامة، بما أن أصوله و مواضيعه نابعة عن المجتمع البربري العربي، الجزائري المسلم....الأستاذ/ حسين بوسوفة.
 

150203
جميع الحقوق محفوظة © 2020 - جريدة شباب مصر