الأربعاء 18 مايو 2022 م 11:20 صـ 16 شوال 1443 هـ

حديث الروح مع الجروح

2020-04-10 07:52:34
عصام صادق حسانين

ليتها وإن عاد الزمان ما كان لها، ليلها ظلام حالك عميق عالق بالجروح، ضباب وغيوم يكاد الدمع ينهمر سيول، لعلها وليتها... إلى حيث العدم ولا يفيد الندم، فما كان بالامس يحمل من الألم ما يوهن العظم والبدن، ففى الحاضر طريق عابس محاط بذكريات من جروح الماضى الأليم، والمستقبل اسير الزمان فى كهف مُظلم الوصول إليه غير معلوم، أليس فى الماضى حديث ... سوا حديث الروح مع الجروح.

ويراوض النفس وهواها أحاديث يجتمع فيه الحُزن والامل على طاولة الامانى يعزف بالناى والعُــود لحن أنيــن وحنين، ذكريات (البوم صور) ولقطات لطيور تُـغرد فى صباح يوم مشمس جميل يلامس فيه شعاع شمس دافء رقائق الورود، وفراشات على اوراق الندى لرقتها تَسعد القلوب، ولمسة حنان على قلب يهاب لحظة الغروب، وابتسامة مُحب لحبيب، ومزاح طارف من صادق لصديق، وتحية اجلال وتقدير لأستاذ فاضل ومُعلم قدير، ... أليس فى ذلك حياة لروح تحيا بين المُحبين!.

إلى أن جاء المساء بليل مظلم بهيم كما الغباء يحمل الغدر والخيانة فى اسهم الحسد والغيرة مستتر خلف قوس حديث براق يراوغ فيه الأحياء، اصاب ما اصاب تاركاً صدى أنين وحرقة أوجاع ألام ... ولام... آم... آم.

أذكر ذلك اليوم الذى كان يتحدث فيه امام الناس معلناً للعهد وفاء وتارة من خلف رواة لآحاديثه عن الحب والسلام بين الوئام، وفى السماحة كان يرسم الامل فى عيون المشتاقين للسند، المرتقبين للمدد، كان يهادى بالورود والاوراق كضرب الودع ... أكان هذا رياء!!.

أيا صبر ايامى ... ويا لطيف الاقدار... يا إلهى ... يا هادى، إن كان صديق فلم الكذب، وإن كان قريب فلما يغترب، وإن كان غريب فلما يقترب، وإن كان حبيب فالوجع اشد الف مرة وهو يعترف، وإن كان فُراق فـ إلى الله نقترب ونحتسب، أيا صبر أيامى أيا جَرح أظل عمرى فيه أداوى.

جروح الماضى وآلامها كثيرة ولا يوجد انسان على كوكب البرية لم يعترية أو تعرض لموقف مؤلم يأخذه إلى الحزن أو الندم، يُسلب منه راحة الحاضر يخطف من عينيه بريق الحياة، خاصتاً الفُـراق والاخفاق من بعد محاولات ...
والتعامل مع الجروح وآلامها والأقدار وما خفى عنا، له أسس ونحن ليس بمعزل عنها وإن كنا نخفى أوجاعنا أمام أعين البشر من حولنا ولا حول لنا ولا قوة سوا أن نتعلم ونتدارس ونفوض أمورنا للحق أينما كنا.

والحقيقة أنه من عَظم (الله) فى قلبه كفاه الله هم كل شئ، فتعمق الانسان فى سرد تفاصيل الحياة واحداثها المؤلمة ذاكراً إياها فى كل مطلع ومغرم أمر لا يفيد بل يزيد من حجم المعاناة والآلم حتى يصاب بالأمراض النفسية التى لا يقوى على معالجتها ومن ثم يهلك.

فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الهم والحزن: فعن أنس رضي الله عنه قال أن النبي صلى الله عليه وسلم كان كثيرا ما يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجُبن والبُخل وأعوذ بك من ضلع الدين وغلبة الرجال" ورواه البخاري.
فقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم معاني السعادة الدنيوية الكاملة في تلك الأمور التي ذكرها في ذلك الحديث والتي لها أكبر الأثر في حزن وضيق الانسان، وهى: الهم: وهو ضيق الصدر الذي سببه ما يظنه الانسان ويتوقعه مستقبلاً، الحزن: وهو الضيق الذي سببه ما يفكر فيه الانسان ويتذكره من أحداث مؤلمة فى الماضى، العجز: وهو عدم قدرة الانسان بجوارحة عن القيام بما يأمله ويطمح به، الكسل: وهو الركون إلى الراحة وعدم السعي وبذل الجهد لتحقيق المطالب، الجُبن: وهو العجز عن الشجاعة والإقدام، البخل: وهو العجز عن الجود بالمال في الصدقة والزكاة والإيثار...

وكيف للنفس أن تحزن ويعتصر الألم خلجاتها ونغفل ونتغافل عن ذكر الحق "ألا بذكر الله تطمئن القلوب"!!
كيف!! ورب العرش يعلم ما فى الصدور ففى سورة الانعام الآية 33 " قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ " فالله سبحانة وتعالى خالق الانسان ويعلمنا كيف نتعامل مع مختلف المشاعر الانسانية من فرح وحزن، سعادة وخوف، حب وكراهية، وغيرها..

وفى سورة النحل الآية 127 " وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ" ،
وفى سورة مريم الآية 127 " فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا "

وفى سورة القصص الآية 7 " وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ "

رحمة الله واسعة ففى كل ما سبق من الآيات أمر بالنهى أن لا نحزن، رحمة من الله بالانسان ولصحة الانسان النفسية فلا فائدة أو جدوى من الجزع على الاطلاق فلعل الامر اختبار وابتلاء يقول الحق فى سورة العنكبوت الآيات 2،3 " أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ "

قطار الحزن والندم يأخذان النفس عبر الزمن إلى بئر عميق فيه من الاحباط والأسى واليأس ظلام ما بعده ظلم وأولها ظلم الانسان لنفسة وإن كان يُخفى ما فى جعبته، ففى سورة يوسف " وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84).

كيف لحديث نفس واهى تغافل عن قوله تعالى " أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} {النمل 62}.

ما مضى فات وانقضى، فلا جدوى من حديث النفس والتفكير في ما مضى، فالرضا بالقضاء والقدر فيه تفريج للكروب، وتذكر قول الحق تعالى فى كل موضع ولا عليك من الماكرين الحاسدين الناكرين الظالمين لأنفسهم. كثيرى الشكوى شحيح المعرفة فقد وصفهم الحق فى سورة محمد الآية 24 " أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا".

حديث النفس مع الجروح حديث مُغرم بالآهات والندب والحداد على ما كان وما قد يكون، لكن حديث الروح مع الجروح حديث يدرك فيه الانسان أن له رب خالق الكون خالق الحُزن والحَزن والكرب والخوف وكلها من جنود الله ولا يعلم جنود ربك إلا هو، قادر على كل شيئ وقاهر وغالب مُبدل الحال سبحانة يُغير ولا يَتغير مُقلب القلوب، ولله فى خلقه ما يكون.. والحمد لله دائما وابداً اينما كان الانسان فى الكون.

قلم: عصام صادق حسانين
https://www.facebook.com/essamsadek11/

152629
جميع الحقوق محفوظة © 2022 - جريدة شباب مصر