الثلاثاء 14 يوليو 2020 م 4:56 صـ 23 ذو القعدة 1441 هـ
الرئيسية | أقلام وإبداعات

لست بإله

2020-05-10 05:34:31
الدكتوره ريهام عاطف

تحيه لصدق وأمانة وشجاعة هشام سليم في موقفه مع ابنه نور. ونفس التحية لنور الذي واجه المجتمع وتحية لكل شخص اختار الطريق المناسب له دون الخضوع للقيل والقال، فهذا الابن ممكن أن يكون ابنك أو ابنتك؛ لا أحد يعلم ماذا يخبئ لنا الدهر. 
لا أريد أن أتحدث بشكل خاص عن هشام سليم وما حدث مع ابنته التي قررت بعد طول معاناة نفسيه وجسدية ان تتحول إلى ولد، ولكني أود أن أعبر عن مشاعري إيذاء هذه المشكلة الإنسانية والتي يتعرض لها الكثيرون في جميع أنحاء العالم، ولكن في مجتمعاتنا العربية نعاني دائماً في صمت، بالإضافة إلى مشاكل أخرى كالمثلية بل والأكثر من ذلك يلزمنا المجتمع وثقافته الرجعية وعقله المتزمت أن نفعل ما نريده في السر حتى ولو كان حراما، فينتقدون من يفطر علنا وينبذون من تنادي بحقها جهرا ، يدافعون عن المتحرش ويذبحون الضحية وغيرها من الأشياء التي لا يفهمها أي عقل بشري يفكر بشكل سليم
إن نورا من الممكن جدا أن تكون فاتن أو فاطمة أو ماريا أو محمد أو جورج، فليس هناك أي دين او ملة تستبعد اضطراب في الهرمونات أو اضطرابات نفسية أو عيب خلقي. أقول هذا لأني صدمت من كمية التعليقات التي تجلد ذلك الولد دون رحمة أو شفقة وكأنه إرهابي. إن هذه التعليقات ليست إلا دليل على التعصب وكراهية الآخر وهذا هو بذرة الإرهاب، فبالرغم أن الموضوع لا يخصني وبالرغم أن التعليقات تخص شخصا لا أعرفه إلا أنني خفت وارتعبت عند قراءتها حتى أنني لا أجرأ أن أذكر أمثلة عليها، فقلمي يرفض أن يعيد ذكر تلك الكلمات المرعبة، ولكن هناك تعليق بعيد كل البعض عن المنطق وهو:" ده بيستهبل، ربنا مخلقش حاجه فيها عيوب". ده بجد يعني؟! كيف يفكر هذا الشخص صاحب التعليق؟ وماذا عمن يولد وهو متأخر عقلي أو دون أيدي أو أرجل؟ ألا يعلم أن الكمال لله وحده، إذا، فكيف خَلْق الله يكون بلا عيوب- والتي أعتبرها مميزات. لقد ميزنا لله عن بعضنا البعض ولم يخلقنا كاملين حتى لا نكون نسخ.
إن كل إنسان ينقصه شيء والاختلاف بيننا يكون هذا الشيء الناقص وهو نفسه الشيء الذي يجعلنا نقابل إنسانا أخر لنشعر معه بالاكتمال، فهناك إنسانا لديه عيوب جسدية بينما هناك آخر لديه مشاكل نفسية وهناك شخصا آخر يعاني من الإثنين كما يحدث في حالات العبور الجنسي أو التحول الجندري أو التصحيح الجنسي. 
إن التصحيح الجنسي هو تغير شخص من جنس لآخر بسبب عدم توافق نوعية الجنس الذي ولدوا به والجنس الاجتماعي الذي اختاروه لأنفسهم. وهناك عدة أنواع مثل الجندر كوير وهؤلاء هم من يشعرون أنهم ينتمون إلى الجنس الآخر انتماء كلي أو جزئي، ولكن لا يقومون بتغيير جسدهم إلى الجنس الاخر وهناك ما يسمى باضطراب الهوية الجنسية هو هم من يشعرون دائما أن هويتهم الجنسية تميل نحو الجنس الآخر وينزعجوا باستمرار من جنسهم ولا يشعرون أنهم يستطيعوا ان يقوموا بالوظائف الجنسية لهذا النوع وأحيانا كثيره يتم تدخل الطب في هذه الحالة
يجب أن أذكر حالة سيد الذي كان طالب بكلية طب جامعة الأزهر. لقد أجرى عملية تصحيح الهوية الجنسية في ١٩٨٨ ليصبح سالي وبعد العملية، رفضت جامعة الأزهر أن يستكمل دراسته بها، بالرغم من فتوى الشيخ محمد طنطاوي بإباحة هذه العمليات أخذا برأي الطب. وبعد العديد من الضغوطات وتلفيق التهم، اضطرت سالي أن تترك الطب لتتحول إلى راقصة. لقد اتهمت بأنها جنس ثالث، فأرادت أن تثبت للجميع أنها أنثى كما أنه لم يكن لديها فرصة عمل مناسبة حيث أن البيروقراطية ترفض تغيير الجنس في البطاقة الشخصية. كيف لها أن تتقدم للعمل في صورة أنثى وجنس رجل؟ هل سيسمح لها مثل هذا المجتمع المتعصب بذلك؟ أم سيسخر منها ويطلق عليها أبشع الألقاب كما حدث بالفعل! مر أكثر من ثلاثون عاما ولم نخطو أي خطوة تخص هذه المشكلة التي يتعرض لها كثير من المصريين ولكن في صمت.
ماذا عساهم أن يفعلوا هؤلاء المرضى لكي يرضوا المجتمع؟ هل ترضوا لهم أن ينتحروا ليغضبوا الله في الظاهر ويرضونكم في الباطن؟ إن اضطراب الهوية الجنسية مثله مثل أي مرض يجب أن يعالج ويجب أن يتقبل كل منا اختلاف الآخر وفهم ظروفه. لقد حثنا الله على العطف والرحمة والتسامح، فأين مهاجمي المرضى مُرهبيهم من تلك القيم الانسانية؟ دائما ما ينقد الناس عيوب الآخرين دون الالتفات لعيوبهم وفي أحيانا كثيرة من ينقد هو نفسه يمر بنفس المشكلة، ولكنه جبان، فبدلا من أن يصارح نفسه بعيوبه ويقَّومها إنما يلجأ للسخرية من الآخرين وهو في الحقيقة يسخر من نفسه. وهناك نوع آخر يرفض أن يرى عيوبه لأنه مغرور وهذا النوع ستكون نهايته مأساوية كناركسوس
أتمنى أن ينشغل الناس بمشاكلهم وحياتهم الشخصية وأن يدركوا أن كل إنسان حر ما لم يضر. 
كفانا اتخاذ المظاهر أساسا لأحكامنا ومن نحن لنحكم على الآخرين. لقد خلقنا الله إنسانا ولم يخلقنا آلهة. وإذا تحدثت عن الحلال والحرام كما يتحدث الكثير من المنافقين، فالحرام حقا هو تأليه أنفسنا واتخاذنا منزلة الله واقرارنا بمن سينعم بالجنة ومن سوف يعذب في النار وكأن الله تكلم مع هؤلاء وأخبرهم بذلك النبأ العظيم.

0
أقلام وإبداعات
153102
جميع الحقوق محفوظة © 2020 - جريدة شباب مصر