الثلاثاء 20 أكتوبر 2020 م 4:14 مـ 3 ربيع أول 1442 هـ
الرئيسية | أراء وكتاب

التعليم الفنى من الدرسخانه الى حالة من الاقصاء والتهميش

2020-08-30 15:43:32
دكتور/ هانى عبد الفتاح شوره

تتضح اهمية التعليم الفنى من التعريف الذى وضعته الهيئة العامة لضمان الجودة والاعتماد فهو ذلك النوع من التعليم الذي يهدف إلى إكساب الفرد قدرا من الثقافة والمعلومات الفنية والمهارات العملية التي تمكنه من إتقان أداء عمله، وتنفيذه على الوجه الأكمل ، ومن خلال مشاركة وزير التربية والتعليم السابق في فعاليات يوم الابتكار وريادة الأعمال للتعليم الفني الذي نظمته مؤسسة 'مصر الخير' بالتعاون مع وزارات 'التربية والتعليم والتعليم العالي والقوى العاملة والتجارة والصناعة والتعاون الدولي والاتصالات' وعدد من الهيئات والجهات المانحة المحلية والدولية أكد أن التعليم الفني أهم محاور الارتقاء بالصناعة وأحد أهم محاور التنمية في مصر.
كما ان دستور 2014 ألزم الدولة المصرية بالتوسع في هذه النوعية من التعليم، لتلبية احتياجات سوق العمل من العمالة المدربة؛ حيث نصت المادة 20 منه على أن تلتزم الدولة بتشجيع التعليم الفني والتقني والتدريب المهني وتطويره، والتوسع في أنواع التعليم الفني كافة، وفقًا لمعايير الجودة العالمية وبما يتناسب مع احتياجات سوق العمل، كما أكدت المادة رقم 22 أن المعلمين وأعضاء هيئة التدريس ومعاونيهم الركيزة الأساسية للتعليم، تكفل الدولة تنمية كفاءاتهم العلمية، ومهاراتهم المهنية، ورعاية حقوقهم المادية والأدبية، بما يضمن جودة التعليم وتحقيق أهدافه.
اذا فنحن لم يعد ينقصنا الاعتراف باهمية التعليم الفنى فتراثنا فى ذلك غاية فى الثراء انما ينقصنا هو تفعيل ذلك الاعتراف ووضعه فى حيز الفعل.، كما ان تحميل الثقافة المجتمعية مسئولية التجاهل المتعمد للتعليم الفنى هو هزل غير مقبول وذلك لان الثقافة المجتمعية هى نتاج رد فعل لثقافة ادارية، فلو انه تم وضع خطة للاستفادة من خريجى التعليم الفنى عن طريق الحاقهم بشركات القطاع الخاص بعد تذويدهم بالخبرة الازمة مع التوسع فى احقية خريجى التعليم الفنى فى الالتحاق بالتعليم العالى، فان الثقافة المجتمعية السائدة والنظرة المتدنية للتعليم الفنى ستتحول بين عشية وضحاها الى صراع بين مجاميع القبول للتعليم الفنى ليبقى التعليم الثانوى العام اسير لفئة خاصة من الناس، اذا فتطوير التعليم الفنى يقتضى اولا الاعتراف بان هناك قصور حقيقى فى الثقافة الادارىة وليس فى الثقافة المجتمعية، وان تلافى اخطاء الماضى اصبح ضرورة للارتقاء بهذا القطاع الحيوى.
قد لا يعلم الكثيرون ان التعليم الفنى كان هو اللبنة الاولى للتعليم فى أول محاولة لتاسيس التعليم الحديث فى زمن محمد على، وقد كان ذلك ادراكا من الدولة المصرية انذاك باهمية هذه النوعية من التعليم لدولة كانت في طور الانشاء والتحديث حيث انشأ محمد على اول مدرسة فنية وهى مدرسة "الدرسخانة الملكية"التى أنشأها محمد على عام 1830 لتصبح أول مدرسة فنية في العصر الحديث، تهدف الى تزويد الدارسين بفنون الفلاحة وعلم الزراعة، لكن هذه المدرسة لم تلبث ان تحولت الى مدرسة ادارية تهدف الى اعداد الدارسين ليكونو موظفين في دواووين الحكومة، ويرجع ذلك الاخفاق فى هذه المحاولة الاولى الى اسباب اهمها: ان موقع المدرسة كان بعيدا عن اماكن الزراعه فلم يتوفر للطلاب الممارسة العملية لما يدرسون اذ كان موقعها بوسط القاهره اضافة الى ان عامة المعلمين بهذه المدرسة كانوا من الاجانب الذين لم يكن لديهم دراية بطبيعة الزراعة في مصر نظرا لاختلافات واضحة فى طبيعة المناخ بين مصر ومواطنهم الاصلية، ثم قام محمد علي في وقت لاحق بافتتاح مدرستين زراعيتين، الأولى في شبرا الخيمة عام 1833، والثانية في نبروه بمحافظة الدقهلية عام 1836 والتى تم نقلها فى وقت لاحق إلى المنصورة عام 1844 وفى محاولة لتلافى أخطاء وسلبيات عام 1830 تم الحاق مزرعة بمساحات مزروعة تضم الحاصلات الزراعية والإنتاج الحيواني بانواعه لتدريب تلاميذ هذه المدارس على زراعة العديد من المحاصيل، وبعض الصناعات المتعلقة بالانتاج الحيوانى والداجنى مثل صناعات الجبن والسمن والتفريخ. لكن سرعان ما ساءت حالة تعليم هذه النوعية من التعليم بعد انقضاء عهد محمد على حيث تم خفض ميزانية التعليم كما تم اغلاق العديد من المدارس الفنية انذاك، مما ادى الى تناقص ملحوظ في أعداد التلاميذ مما ادى الى تراجع ملحوظ حيث انحسر في بضعة مكاتب زراعية وصناعية، بالإضافة إلى بضع مدارس تجارية ليلية؛ كانت جميعها دون المستوى المطلوب لإعداد العمال المهرة على أسس علمية، وفى زمن الرئيس جمال عبد الناصر ونظرا للمشروعات التنموية الضخمة فى مرحلة ما بعد الاستقلال عاد الاهتمام مرة اخرى الى التعليم الفنى وخاصة التعليم الصناعى فتم انشاء العديد من المدارس بل وتم استحداث نوعية من المدارس الفنية كمدارس السكة الحديد والغزل والنسيج وغيرها من المدارس الفنية التى مازال بعضها موجودا حتى اليوم
وهكذا ظل التعليم الفنى بين صعود وهبوط حتى وصلنا الى هذه الحالة لكن بقيت المحاولات التنظيرية التى طالما نادت بالاحلال والتجديد ففى فبرايرمن عام 2012 ، عقد مؤتمر في القاهرة لبحث التحديات حول المفاهيم والتصورات الخاصة بالتعليم المهنى جمع هذا المؤ تمر- وهو جزءً من برنامج المجلس الثقافي البريطاني - جميع الأطراف المعنية بهذا الشأن : صانعو السيا سات، والمعلمين، و أصحاب العمل، والشباب. كما شهد المؤتمر مساهمات من عدد من المتحدثين الدوليين الذين تمت دعوتهم لتبادل الخبرات ولبحث القضايا المتعلقة في مصر مع مجموعات المشاركين من خلال سلسلة من ورش العمل والمناقشات التفاعلية.
وقد حضر هذا المؤتمر عدد كبير من المجموعات المتحمسة والمهتمة من الأفراد الحريصين على أن يشهدوا عملية التغيير والتعبير عن تقييمهم للفرص والتحديات التي تواجه مصر على حد سواء فيما يختص بالمهارات والتعليم المهني في سياق ملحوظ من التغيير الإجتماعي والسياسي والاقتصادي.
وقد حدد المؤتمر جملة من التحديات التى تقف حجر عثرة فى طريق التعليم الفنى كما طرح جملة من المعالجات تتمثل فى:
- معالجة المفاهيم السلبية حول التعليم المهني من خلال خلق فهم أفضل مسارات التوظيف والعمل التي يمكن أن يدعمها ويقدمها هذا النوع من التعليم.
- مشاركة و سائل الإعلام الرئيسية لتلعب دورًا أكثر إيجابية في المناقشة والتصدي للتصورات والمفاهيم السائدة عن التعليم المهني والمهارات.
- تزويد الشباب، والآباء، بالمزيد من النصائح والارشادات حول الوظائف والمهن في المدارس بحيث يصبحوا أكثر دراية ومعرفة بالخيارات التعليمية.
لا ادرى اين ذهبت توصيات هذا المؤتمر والى متى سيظل التعليم الفنى – على اهميته – مهمشا فاقدا للهوية يعانى من قصور المحتوى الدراسي، وعدم مواكبة مناهجه للتطورات الحديثة ومتطلبات سوق العمل فى ظل وعود كثيره بتطويره لمواكبة التحولات العالمية ، ومحاولة ايجاد طرق لنفض التراب عنه واخراجه من دائرة النسيان، ومحاولة تحسين الصورة المنطبعة فى ذاكرة العامة والخاصة على انه نوعية متدنية من التعليم لا يلتحق به سوى المتاخرين دراسيا، او الفقراء الذين يحاولون الهروب من جحيم الدروس الخصوصية فيجدون فى التعليم الفنى(صناعيا كان او زراعيا او تجاريا او فندقيا ) ملازا امنا على اثره يخرج الطالب من دائرة الامية لا اكثر..
فى عام 2015 وفى خطوة واعية اقل ما توصف به انها غاية فى الجراءة اصبح لدينا وزارة قائمة بذاتها اسمها وزارة التعليم الفنى والتدريب لتوضع ملفات التعليم الفنى بين يدى وزير له من واسع الصلاحيات ما يتيح له احداث تغير نوعى وجذرى ليضع هذا الركام من التوصيات واوراق العمل والابحاث فى حيذ الفعل بعيدا عن التنظير. وقد كانت مسئولية هذه الوزارة محددة فى مسئوليتها عن القطاع الفني بوزارة التربية والتعليم بهدف إعداد فئة الفنيين في مجالات الصناعة والزراعة والتجارة والإدارة والخدمات وتنمية المهارات الفنية لدى الدارسين ثم لم تلبث ان تم دمجها لاحقا مع وزارة التربية والتعليم لنعود الى نقطة الصفر من جديد.
أيضا ومما لا شك فيه ان مصر هى بلد زراعى فى المقام الاول ، وهى كذلك منذ فجر التاريخ الذى يذكر لنا ان مصر فى بعض الفترات كانت سلة غذاء العالم ، وهى مشتهرة فى العالم كله باجود انواع القطن والأرز وقصب السكر والذرة الشامية والقمح والفول الى غير ذلك من الزراعات، كما انها تمتلك مساحات شاسعه من الاراضى الصالحة للزراعة أو القابلة للاستصلاح ومع كل ذلك يبقى التعليم الفنى الزراعى فى طى النسيان وسوق العمل فى هذا المجال خاو على عروشه، مع ان الحلول موجوده وغير مستعصيه كما يصور البعض والدليل على ذلك مشروع شرق العوينات الذى بدأ يؤتى ثماره، وهناك العديد من المناطق التى من الممكن رصدها والتى قد تكون بذره للعديد من المشروعات القومية القائمة على الزراعة وعلى المنتجات الذراعية. وما يصح قوله فى التعليم الفنى الزراعى يصح كذلك فى التعليم الفنى الفندقى الذى قد يكون أكثر حظا من أخويه وذلك لسبب بسيط أن الاستثمار الخاص فى القطاع السياحى هو المسئول الاول عن تنمية هذا المجال مما يتيح فرص عمل للشباب لكن ينقصه التنظيم فنسبة العاملين فى القطاع السياحى من خريجى المدارس الفنية الفندقية قليل جدا الى نسبة العاملين فى القطاع ككل، نظرا لافتقار هذا القطاع للفكر المؤسسى الذى اصبح معروفا فى العالم اجمع على انه صناعه.
ومن باب الانصاف لابد ان نذكر ان روحا جديدة بدات تسرى فى وتين التعليم الفنى من خلال استحداث مدارس التكنولوجيا التطبيقية وهى مدارس نموذجية للتعليم الفنى، تعمل على تطبيق المعايير الدولية فى طرق التدريس والتدريب المتبعة، وتقوم على الشراكة بين الوزارة وشركات القطاع الخاص والمؤسسات التعليمية؛ من أجل النهوض بمنظومة التعليم الفنى بمصر، وإعداد خريجين مؤهلين للعمل بالسوق؛ المحلى والدولى، وإعداد وتأهيل المعلمين وفق أحدث النظم والمعايير الدولية من خلال تدريبات معتمدة على أيدى خبراء من داخل وخارج مصر. اضافة الى مدارس البترول المتواجدة فى خمس محافظات الى الان، وايضا المدرسة الفنية المتقدمة لتكنولوجيا الطاقة النووية بمدينة الضبعة بمحافظة مطروح، يبقى ان يتم تعميم هذه المدارس بكافة انحاء الجمهورية مع مراعاة توفير مجالات التدريب والممارسة التطبيقية.
نعلم ان العبء على وزارة التربية والتعليم كبير وذلك بسبب صعوبة مشكلات قطاع التعليم الفنى الملحق بالوزارة وتداخلها خاصة بعد استحداث المدارس سالفة الذكر مما جعل هذه المشكلات مركبة وغاية فى التعقيد، ومن اجل ذلك تصبح الضمانه الوحيده لنجاح هذا القطاع ان يتم فصله عن وزارة التربية والتعليم ليصبح على اقل تقدير هيئة مستقلة تتبع صندوق تطوير التعليم التابع لمجلس الوزراء الذى بدوره سيتولى التسويق لقضية التعليم الفنى على انها قضية أمن قومى فى ظل ما تفرضه التحديات المعاصرة التى اصبحت تتطلب تخصصات غير نمطية قد لا يوفرها التعليم العالى وهذا لن يتحقق الا في وجود شراكة حقيقية مع رجال الاعمال فى ظل حوار مجتمعى حقيقى يوازن بين متطلبات سوق العمل وبين مخرجات التعليم الفنى.

دكتور هانى عبد الفتاح شوره
مدرس بكلية التربية

0
أراء وكتاب
154120
جميع الحقوق محفوظة © 2020 - جريدة شباب مصر