الثلاثاء 17 مايو 2022 م 2:19 مـ 15 شوال 1443 هـ
الرئيسية | مقالات اليوم

الفراغ وأثره السلبي على مجتمعاتنا العربية

2020-10-08 05:30:41
الدكتور / رمضان حسين الشيخ

كل الُأمم تُبنى على أكتاف شبابها وقد تهدم بأفواه بنادقهم فهذه المرحلة في الواقع سلاح ذو حدين قابل للإصلاح وللإفساد، عالم الشباب يضج بالحركة فمن أستغل هذه المرحلة رفع شأنه وأدخر جهوده في مستقبله، فمن الصواب أن تُشقي شبابك لتُريح كهولتك ، حيرني أمر البعض ممن يُفنون أيام شبابهم في العبث غير مكترثين في البناء لكهولتهم.. يا لهم من أغبياء يُهملون تعليم أنفسهم، ويكتفون بالقليل من التجارب بدعوى الاستمتاع بشبابهم، لا يكلفون أنفسهم عناء الحصول على كتاب واحد، أو تعلم فنّ معين يجعل منهم أكثر فهما، المستقبل يحتاج لأناس أكثر نبوغاً من أحفادهم فليس من الحكمة أن تظل جاهلاً تسأل أبنائك العلم كن أنت المعلم أي في مكانك الطبيعي، فلو يعلم هؤلاء المستمتعون بشبابهم كيف ستكون نظرة أحفادهم إليهم لاحتربوا في نيل الشهادات وعكفوا على التعلم كل شبابهم.

إن منطقة الوطن العربي تعتبر من أعلى المناطق الجغرافية في العالم بمعدلات البطالة، وهذا العلو له مسببات كثيرة لستُ بصدد حصرها، ولكنَّ الفراغ الذي يسببه علو نسبة البطالة في صفوف شباب المجتمعات العربية له نتائج وخيمة وعواقب تودي به إلى الفناء والهلاك، فإنِّ العمل يُحي القلوب، ويُنتِج علمًا يستنير به المرء ويعرف مواضع أقدامه في دروب الحياة، فالعمل والانشغال بتطبيق المعلومات النظرية التي تملكها يعمل على نقلها من دائرة الذهن إلى واقع الحياة فما فائدة الطعام إن لم يتم تحويله عن طريق الهضم إلى حركة وحرارة وطاقة؟!

قبل أن أتحدث عن الفراغ دعوني أتحدث قليلًا عن العشوائية، فهي مرض ملازم للفراغ ودليل دامغ على وجوده، العشوائية في التفكير والتصرف.. تجد المصاب بها كما قال المتنبي "كريشةٍ في مهب الريح ساقطة.. لا تستقر على حال من القلقِ" كل يوم يكون بحال وفكر وكثيرًا من الممكن جدا أن تراه وقد أصبح ملحدًا بعد أن كان داعشيًا أو بالعكس فلا يستقر على شخصية وكيان مميز يعرف به، العشوائية في العلاقات الاجتماعية.. تجد المبتلى بهذا النوع من العشوائية متخبطًا، كل يوم مع صديق وكل ليلة مع حبيبة لكنه إذا انقلب ينقلب بعنف فيصبح الصديق عدوا والحبيب مكروها، تجده يحادث عشرات الفتيات تحت مظلةٍ مهترئة باسم الحب دون أن يشعر بالشعور اللذيذ الدافئ للحب الواحد الصادق، ولديه عشرات الأصدقاء المزيفين دون أن يشعر بأن له صديقًا واحدًا صدوقًا يعينه على نوائب الدهر.

العشوائية طامة كبرى يفقد المريض بها الشعور بالحياة والذات.. وتحرمه من أن يخلق لنفسه كيانا خاصًا محترمًا يقوم على معايير ثابتة ويتعامل على أساس الجودة العالية وهنا وجب ذكر العشوائية التي تصيب القراء والكتاب والتي هي برأيي من أهم أسباب تدني ذوق القارئ والكاتب على حد السواء ومن أهم الدوافع المنطقية لما نراه من نفاق يعم الواقع الأدبي.

أما في أحضان الفراغ تولد آلاف الرذائل، وتتخمر بكتيريا الفناء وتتشكل زحلوقة الانزلاق نحو القاع، وإذا كانت دنيانا هذه غِراسٌ لحياة خالدة تعقبها، فإنَّ الفارغين أوْلى الناس أن يحشروا مفلسين لا حصاد لهم، فإنَّ الفراغ في مجتمعاتنا يُدَّمر آلاف المواهب والكفاءات ويخفيها وراء جبال من الاستهانة والاستكانة والخمول كما تختفي معادن الذهب في المناجم المجهولة، وهذا يعتبر إهدار شنيع لقيمة العمل والطاقات والوقت، وهذا الإهدار ينتج عنه مصائب اجتماعية وسياسية ونفسية جسيمة.

وقد نبهنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغفلة عن أعظم نعمتين وُهِبتا للإنسان في الحديث الشريف: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ". فإنَّ النفس لا تهدأ إن لم تدُر في حلقة مستمرة من الأفعال الخيرة والعمل والإنتاج، وإن لم يملأ الإنسان دواخله النفسية بالانشغال بالحق فسوف تنشغل بالباطل وتمتلئ بفراغ مشوب بالشرور، ومن أفضل ما قاله الشافعي في أسس التربية: "إن لم تشغل نفسك بالحق شغلتك بالباطل".
ليس خفياً على أحد ما يدور فيه بعض الشباب من فراغ طاحن لمواهبهم وقدراتهم، فراغ يقتل الإبداع، ويسير به نحو الفناء، ويستهلك طاقاتهم في أفعال سلبية، يستثمر فيها الجهد ويتوجه بمجهود ذاتي غير معقلن. قد يقول البعض إن هذا حديث عن صراع الأجيال، وهذا جيل آخر غير جيلنا، ومن حقهم العيش كما يحلو لهم، والتركيز على المظهر والموضة، رغم ما يعرفه من تجاوزات، لكن القول إن هذه المسألة أصبحت ظاهرة، بينما في السابق اعتبرها البعض مشكلة يغوص فيها البعض من المراهقين والمراهقات الذين يصعب كبح جماحهم، أما اليوم فبات هناك انفلات، أو هذا على حد تقديري للأمور.

ومما يؤسفني انني الاحظ عند زيارة أحد المراكز التجارية، منطقة الظل في الفترة المسائية، خاصة في منطقة الملاهي والمطاعم، حيث يحتمي الشباب من لفحات الشمس الحارقة، تظهر البنات في أحسن زينتهن، يواكبن خطوط الموضة وآخر مستجداتها، أما الشباب، فحدث ولا حرج، نموذج واحد من هؤلاء يعكس ما يقوم به باقي المراهقين، ولكن السؤال كم من الوقت يقضي هؤلاء أمام المرآة؟ تسريحة شعر، على طريقة عرف الديك، تحفيف الذقن بطرية منسقة جداً، أما الهندام والذي أصبح بعيداً عن هذه التسمية التي انحصرت سابقاً في الأناقة والتناسق، أما اليوم فهي سروال ضيق جداً، وقميص ضيق جداً يقف على خصر الشاب، ومدجج بخيوط التواصل، من هاتف نقال وسماعات، وبعضها الآخر التي يشغل بها يداه وفكره وهو يحوم حول البنات مع أصدقائه.. تراهم جماعات تلعب لعبة القط والفأر، جماعات البنات تلف هذا المكان، يتبعها مجموعات أخرى من الذكور الذين يحرصون على مظهرهم بمبالغة كبيرة، يتهامسون، يتغامزون، يضحكون، مما يشجع الطرف الآخر على تكرار المحاولة. يستقطعون من أوقاتهم، وجهدهم وطاقاتهم وقدراتهم وأموال أهاليهم، ما يتجولون به ويأكلون ويشربون دون حسيب ولا رقيب، مأكولات سريعة ومشروبات طاقية، استهلاك للصحة والوقت، شباب يذهب وقتهم سداً، ليلهم نهار، ونهارهم ليل، وبين ذلك قد يضيعون إلى الأبد، وقد تفتح لهم العطلة الصيفية باب الانحراف الكلي عن المسار الصحيح.

ايها الشباب تأملوا نصيحة ديل كارنيجي: "إننا لا نحس أثرًا للقلق عندما نعكف على أعمالنا، ولكن ساعات الفراغ التي تلي العمل هي أخطر الساعات طرّا". وهذا صحيح.. فعندما يتاح لنا الفراغ ما تلبث شياطين القلق والهواجس الرجراجة تغزونا، فكما يملأ الهواء مُسيَّرًا بقانون الطبيعة ما هو مُفرَّغ منه عند إتاحة الفرصة له، كذلك فإنَّ قانون الطبيعة يملأ النفس الفارغة بالعواطف والأحاسيس البدائية التي تندفع بقوة متوارثة من عهد الغاب وهذه العواطف تتمثل في الغيرة، القلق، الخوف، الحقد والحسد وغيرها من الأحاسيس الغير سوية، فيجب هنا على المرء شحن الأوقات بالأعمال والواجبات والانتقال من عمل إلى آخر حتى لو كان من عملٍ مضنٍ إلى عمل مرفَّه، وعليه ألا يستكين لقلة العمل ويترك نفسه لفراغٍ كُتب عليه بسبب ارتفاع البطالة في بلاده، بل من الواجب عليه أن ينصرف إلى نفسه ويتعهدها بالتطوير والنبوغ بها، فهذا أحرى بإبعاد القلق والآفات النفسية والاجتماعية عنه.

لذا، فإنَّ العقل لا يستطيع حمل أكثر من فكرة في آنٍ واحد فلتكن فكرة إٍيجابية، والفكرة الإيجابية لا تنبع إلا من وسط الانشغال بما هو مفيد ومن وسط الارتقاء الذاتي العملي، فكما يقول مارثا واشنطن: "الجزء الأعظم من سعادتنا وشقائنا يعتمد على التوجه الذهني وليس على الظروف". وهنا يتمثل دور المرء في توجيه ذهنه وعقله نحو الانشغال بما هو مفيد وعدم ترك نفسه للانسحاب بواسطة دوَّامة الفراغ القاتل، وأنْ لا يلوذ بالسكون والقعود والتعويل على الظروف، وعلى المربين دور عظيم في التحذير من آفات الفراغ وتجنبها وتحصين النفس من شرور الفراغ والبطالة، وتوليد جهد يستنفذ كل طاقة مُوجِهًا لها بما ينفع المجتمعات في معاشها، فالمعروف أن بطالة الغنِي ذريعة للفسوق وبطالة الفقير تضييع لقدرة بشرية هائلة وبعثرة مخزية لما أودعه الله من قدرات في أجساد وعقول لو استغلت لغيرت وجه العالم، وعلى الأنظمة وأصحاب الحكم والقرار خلق فرص عمل تشغل الفراغ وتستغل الطاقات البشرية في مجتمعاتها، فإنَّ أحق الأنظمة بالقبول هي تلك التي راعت هذه الحقيقة وبنت عليها أجندتها وتعاليمها، ولكن هيهات أن تجد أنظمة وحكومات تحظى بأحقية القبول!

إنَّ الشعوب المتقاعسة المتكاسلة الفارغة تسقط من عين الله قبل سقوطها من أعين أهل الجد والإنتاج، فيستحيل أن تحرز هذه الأجيال الغفيرة في الوطن العربي سهمًا من النجاح إلا إذا غيَّرت أسلوبها في الحياة ونفضت عنها القعود والتقاعس واقتلعت من ربوعها آثام وآفات البطالة والفراغ، فكما يقول الله تعالى في سورة الرعد: "إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ" وهنا يستحضرني أيضًا قول ماري روبرتسون: "الحياة هي ما نصنعه بأنفسنا، كانت كذلك دائمًا، وستظل كذلك أبدًا".

تحدثنا عن الفراغ الذي يأتي من داخل الإنسان لكن هناك نوع يأتي من خارجه يفرضه عامل الزمن "الوقت".. في البداية يجب أن نقول أن اللحظات التي نقضيها في الترفيه واستخلاص عطر السعادة من شجرة الحياة ليس وقتًا ضائعًا، وهنا تحضرني مقولة برتراند راسل "الوقت الذي تستمع فيه ليس وقتًا ضائعًا"، لكن الفراغ الذي نقصده هو اللاشيء، هو أن تقضي عمرك دون أن تفعل شيئا ودون أن تسعى إلى شيء ودون أن تحس بشيء، حينها ستكون عرضة لكل مشاكل الدنيا، وستكون أبعد ما تكون عن نفسك ودورك في الحياة، ستخوض مع الخائضين في أي شيء وبلا هدف وستهتف للقائد الفلاني لأن الآخرين يفعلون، ستضيع عمرك هدرًا بلا أي فائدة وستكون وقودًا مشتعلًا للأشرار ويسهل تجنيدك في خطط الشر التي من أكثرها شيوعًا هذه الأيام جماعات الإرهاب التي تستهدف بشكل أساسي شريحة الشباب الفارغين روحياً وعقلياً والذين لا يجدون شيئا نافعًا يقومون به ويقضون أوقاتهم عبثًا .

حذاري حذاري من التبرير بـ "الامكانيات" هذه الكلمة هي ما يختبئ ورائها الشباب اليوم، أين نجد الإمكانيات؟! والحقيقة التي أثبتها التاريخ أن الأفكار العظيمة قامت بإمكانيات هزيلة جدا، أنا هنا أتحدث اجتماعات لشباب في دار اسمها الأرقم وسط قوم يتربصون لهم الدوائر، ورغم ذلك أدت إلى انتشار السلم والعلم وانهيار أكبر دولتين في ذلك الزمان، ولعلكم تقولون أن القياس على المعجزة النبوية أمر صعب، إذن ماذا عن الطفل الذي قتل التتار أباه واختطفوه ليبيعوه عبدا، وفي زمن غير بعيد كان هو من يكسر شوكة التتار ويوقف زحفهم في عين جالوت، وماذا عن عبد الرحمن الداخل الذي دخل الأندلس وحيدا ليؤسس حضارة استمرت لقرون؟!

وأينشتاين الذي كان يحاول بطريقة ما أن يجد له موضع قدم في الجامعات، كان يعطي الدروس الخصوصية بمبلغ زهيد حتى أصبح أينشتاين صاحب الألف براءة اختراع العالم الذي ألهم العالم.. وإن شئنا تحدثنا عن الشركة التي بدأت استثمارها برأس مال قيمته 600 دولار، حتى أصبحت الشركة التي تحبون أن تصنع لكم ألعاب الفيديو والشاشات والأجهزة الإلكترونية "سوني"، أو عن الشاب الذي كان ينام في مكتبه ليداوم صباحا فيها ويصبح بعدها بفترة وجيزة أثرى رجل في العالم..

في منتصف السبعينيات حاول شابان أن يحدثا ثورة في مجال الحواسيب، ونظرا إلى واقعهم آنذاك لم تتوفر لديهم شيء من الإمكانيات سوى مرآب سيارة وعقلان متقدان، أتعرفون أين تكمن المعجزة؟ المعجزة تكمن في أن هذين الشابين كانا ينافسان شركة تصل إيراداتها إلى 16 مليار دولار أمريكي، ولا تنسوا أننا نتكلم عن عام 1976م، لقد استخفت شركة الحواسيب العالمية "IBM" بهذين الشابين استخفافا كلفهم بعد ذلك الخسارة في السباق مع الشركة الناشئة "آبل"..

إن التغيير والنجاح أيها الأعزاء يحتاج إلى رؤية واضحة وحماس متقد، وهذان غالبا موجودان في كل شاب، البعض منهم قرر أن يلعب دور الفريسة وينتظر من يخلصه من براثن الوحش، والبعض الآخر يقرر أن يباغت الوحش بطعنة قاتلة، المسألة ترجع إلى قرارات داخلية، الإمكانيات الحسية تأتي بعد الفكرة، وإذا توفرت لديك الفكرة العبقرية ولديك من العزم ما يكفي، ستفعل تماما مثل ما فعل "ستيف جوبز" عندما قرر أن يوظف مدير كبرى شركات العالم "جون سكولي" الذي كان حينها مديرا لشركة بيبسي، قال له مقولة اشتهرت بعدها: "هل تريد أن تستثمر باقي حياتك في إضافة السكر إلى الماء، أم تريد أن تغير العالم؟!" قال ذلك وشركة آبل في ذلك الوقت كانت تعتبر قزمة أمام العملاقة بيبسي، فماذا في رأيك أجبر سكولي على أن يقبل عرض جوبز وينتقل إلى آبل؟!

أيها الأعزاء افعلوا شيئا قبل أن تجدوا أنفسكم تعانون من العجز، العجز لا يصيب الجوارح فقط، إنه يصيب الدماغ أيضا، إن الإنسان يفقد قدرته على الإبداع مع تقدم سنه، هذه المعلومة لا تحتاج إلى أبحاث، الأمر واضح، انظروا من حولكم، متى هي آخر مرة رأيتم فيها كهلا يقوم بعمل إبداعي، إنهم يجيدون أشياء كثيرا ليست من ضمنها الإبداع، ويجدر بكم أن تفعلوا شيئا قبل أن تسلب الكهولة منكم الإبداع.

في النهاية.. لقد خلقنا الله وأعطانا الحرية المطلقة، حرية كافية لدرجة الكفر به وبنعمه، لذلك فالحرية سوف تشمل طريقة كل واحد منا في قضاء وقته ورؤيته لنفسه وللحياة، نحن أحرار في وضع أهدافنا وأحرار في تشكيل الصورة التي نود أن يرانا بها الآخرون، لنا الحرية في أن نكون هوامشًا أو متنًا.. أن نتلاشى أو أن نكون خالدين.


الدكتور / رمضان حسين الشيخ
باحث وكاتب في العلوم الإنسانية وفلسفة الإدارة
الخبير الدولي في التطوير المؤسسي والتخطيط الاستراتيجي
مصمم منهج فرسان التميز لتغيير فكر قادة المؤسسات
 

0
مقالات اليوم
154752
جميع الحقوق محفوظة © 2022 - جريدة شباب مصر