الجمعة 04 ديسمبر 2020 م 9:37 صـ 18 ربيع آخر 1442 هـ
الرئيسية | أراء وكتاب

تعلم كيف تقول كلمة لا. ما هي المكاسب أو الخسائر من قول كلمة لا؟

2020-10-20 18:21:27
ريم تيسير غنام

يقول المثقب العبدي:
حَسَنٌ قَوْلُ نَعَمْ مِنْ بَعْدِ لاَ *** وقَبيحٌ قوْلُ لاَ بَعدَ نَعَمْ
إِنَّ لاَ بَعْدَ نَعَمْ فاحِشَةٌ *** فَبِلا فابْدَأ إِذَا خِفْتَ النَّدَمْ
قرأت هذه الأبيات منذ سنوات طويلة. حفظتها وعرفت معناها، لكنني لم أعِ كم هي عظيمة! ولم أكن أدري أن القدرة على قول كلمة "لا" تُحدث فارقاُ في شخصية الإنسان إلا بعد سنواتٍ من الخبرة في التعامل مع البشر. يومَ استطعتُ بالفعل قول تلك الكلمة. والتي يسهل على القليل منا قولها.
يظن الكثيرون أنه من الصعب قول كلمة لا. يأثرون أن تكون كلمة نعم هي البديل لتكون الجدار الذي يحمي هشاشة قلوبهم من الانكسار حتى وإن كان ذلك على حساب أرواحهم. فهي التي تُكسبهم رضا الناس من حولهم وتزيد من رصيد محبتهم لهم. كانوا بداية يخافون خسارة مَن شعروا بقيمتهم معهم، مَن منحوهم الحبَ. لكنهم أدركوا بعد انقضاء سنوات العمر أنهم استنفذوا كل طاقاتهم في إرضاء من لم يقدروا أعمالهم.
هنا يأتي كلام علم النفس عن تقدير الذات، وكيف يرى البعض صورتهم في مرآة الآخرين. يستمدون تقديرهم لذواتهم من نظرة الآخرين لهم ومدى رضاهم عنهم والذي يرتبط غالباً بتنفيذهم لرغباتهم. فنرى موظفاً يُحمل نفسه ما لا طاقة له عليه من مهامِ زملائه لينال رضاهم عنهم، وآخراً يضع الوعود ليعمل من لا يمكنه عمله ويبذل مجهوداً كبيراً دون جدوى فيعود أدراجه يأكل الخجل ملامحه لعجزه الوفاء بالوعد. وهذا بحد ذاته يُدعم قُبح كلمة لا بعد نعم.
والسؤال هنا.
لماذا يجب علينا قول كلمة لا؟
كما أن مبررات قول نعم كثيرة وتقي الإنسان من خطر الرفض وتمنحه الرضا المؤقت من الآخرين، فإن مبررات التخلي عنها شيئاً فشيئاً واستبدالها بكلمة لا لهي الأقوى ويُمكن حصرها بالتالي:
1. لأن كلمة نعم شكل دائم تزيد من توتر الفرد وقلقه بشأن إتمام المهام التي طُلبتْ منه والتي من شأنها تمنحه الراحة النفسية المؤقتة برضا الآخرين عنه حتى وإن كان فيه استنزاف لطاقته العاطفية.
2. تُعيق كلمة نعم العقل رؤية مزايا الفرد. حيث ينشغل الفرد بإرضاء الآخر دون أن يجد وقتاً لرؤية نفسه في مرآته هو. فتكون نظرته لنفسه منقوصة. كما أنه يهمل حاجاته الخاصة به.
3. تجعل من الفرد أداة سهلة للاستغلال من قِبل الآخر. ففي الوقت الذي يبذل الكثير من الجهد لإرضائه يتكبد العناء الجسدي والنفسي بينما يتنعم الآخر براحة تامة.
4. ولأن مكسب العلاقات ورضا الآخرين بقول كلمة نعم دوماً
ولكن!
كيف يمكن تعلم كلمة لا؟
أولاً: عليك أن تدرك أنه ليس من السهل قولها خاصة لمن نعتبرهم ذوي أهمية في حياتنا الاجتماعية أو العاطفية والذين نستمد منهم القوة والنظرة الإيجابية لذواتنا.
ثانياً: اعلم أن قدرتك على قول كلمة لا تكمن من تقديرك الإيجابي لذاتك وحبك لها، لذا عليك إعادة تقييم نظرتك لنفسك من خلال البحث عن جوانبها الإيجابية والسلبية وتقبل السلبية منها قبل افتخارها بالإيجابية. واحذر أن تترك تقبلك للسلبي منها وتتعايش معه دون العمل على تحسينه قدر المستطاع ما يُمكنك من محبة نفسك.
ثالثاُ: اعلم أنه لا يتطلب منك الأمر أن تقولها دوماً فهناك الكثير من الأمور التي يمكنك تقديم العون للآخرين دون أن يؤثر ذلك عليك بالسلب. لذا حاول أن تميز بين كلمتي ((نعم – لا)) لتقول كلا منهما في الوقت المناسب وتذكر أن كلمة نعم بعد لا حميدةٌ طالما لديك المقدرة على تقديم خدمة الآخر.
رابعاً: درب نفسك شيئاً فشيئاً على قولها. خذ نفساً عميقاً قبل قولها بأسلوب لبقٍ. مع الانتباه أنه يمكنك البدء بجملة بسيطة قبل قولها (إن أمكنني ذلك سأفعل). والتدرب قد يكون بالوقوف أمام المرآة وتخيل أنك تقولها لشخص لا يمكنك خسارته لأهميته العاطفية والاجتماعية في حياتك. صدقاً هنا ستتمكن من التخلص من التوتر المصاحب لها في بداية الأمر.
واعلم عزيزي أن النجاة بنفسك مكسبٌ كبيرٌ وأن خسارة شخصٍ لرفض فعلك لما يريد خيرٌ لك لأنه سيفهم مع الوقت أن رفضك لم يأتِ إلا لعدم قدرتك على فعل ذلك.


 

0
أراء وكتاب
155098
جميع الحقوق محفوظة © 2020 - جريدة شباب مصر