السبت 27 فبراير 2021 م 10:13 صـ 15 رجب 1442 هـ
الرئيسية | مقالات اليوم

شهادات بلا قيمة !

2020-12-04 06:14:25
الدكتور / رمضان حسين الشيخ


منذ أن رفع شعار التعليم حق للجميع، خاب التعليم، وخابت بالتبعية أمور كثيرة فى حياتنا. وقد أصبحنا بحاجة ماسة إلى مراجعة هذا المبدأ، بعدما أصاب التعليم الجامعى والعام من تدهور غير مسبوق، فالتعليم لابد أن يكون حقاً للمجتهدين فقط، هكذا كان عبر تاريخ الإنسان، وهكذا، شأنه فى الدول المتقدمة. والمجتهد هنا ليس الشخص الذى يملك المال، أو الذى يملك الصوت الانتخابى الذى يعطيه لمن لا يستحق مقابل رشوته بالشهادة، تماماً مثلما يرتشى بكيلو لحمة أو دجاجة.

المجتهد هو الإنسان الذى يمتلك الرغبة، والقدرة العقلية، والإيمان الحقيقى بالعلم والمعرفة، هكذا كان الأوائل ممن قادوا مسيرة التعليم الجامعى فى مصر، حيث لم يمنعهم الفقر، وكذلك لم تحـل آراؤهم السياسية المعارضة للسلطة فى بعض الأحيان من أن يتعلموا.

والتاريخ يذكر أن طه حسين نفسه صاحب شعار "التعليم كالماء والهواء" الذى طبقته ثورة يوليو كان فقيراً معدماً، ومع ذلك فقد استطاع أن يصل إلى أعلى مراتب العلم باجتهاده، وبعقله المحب للمعرفة، وبإيمانه الذى لا يتزعزع بالعلم. وأتصور أن الرجل عندما ردد هذا الشعار لم يكن يدرى أنه سوف يؤدى إلى هذه الكارثة التى أنتجت لنا حاملى شهادات يفتقرون إلى العلم والمعرفة والرؤية، ومع ذلك يصلون إلى أعلى المناصب!

أنا أعلم أن هذا الكلام بالنسبة لمتخذى القرار مجرد دخان فى الهواء، لأنهم لن يتنازلوا بسهولة عن تلك الدجاجة التى سوف تبيض ذهباً يدخل جيوب السماسرة الكبار الذين سوف يتاجرون بمبانى الجامعة ومعاملها ومكتباتها وأساتذتها، بل باسمها وتاريخها.

وإذا كان البعض ما زال رافضاً لفكرة "التعليم" القائم على "الاجتهاد"، وما زال متمسكاً بفكرة "الشهادة" القائمة على "الجهل"، فما عليه إلا أن يصبر قليلاً، فقد تنشئ جامعة القاهرة وغيرها من الجامعات المصرية "أكشاكاً" لبيع الشهادات، دون حاجة إلى حضور برامج تعليم (مفتوح) أو (مقفول) أو (متوارب)!.

إن مرحلة التحول في المجتمع المصري مع رؤية 2030 تضعنا كل يوم أمام حقائق ومتغيرات ومنعطفات مهمة في مسيرة العمل النوعي، والمبتكر، والبحث عن الفرص الواعدة للمشاركة، والتفاعل، والخروج إلى فضاء أوسع من الركون إلى الوظيفة إلى البحث عن العمل الذي يستجيب لاحتياجات السوق، ويقلل من نسب البطالة المتنامية بين الشباب.

أحد أهم تلك التحولات هو النظر إلى الشهادة الجامعية على أنها متطلب للوظيفة وليست مطلباً؛ فالمعيار أصبح مرتبطاً بالمهارة التي يملكها الخريج، وليس الشهادة التي لا تصنع فارقاً بلا تأهيل، أو تدريب، أو حتى اختيار للتخصص الذي يمكن أن يكون شافعاً لأولويات المعروض في السوق الوظيفي.

ولا شك أن أكثر من يحصلون على الوظائف في أغلب بلداننا العربية، لديهم إلى جانب الشهادة العلمية الكثير من المؤهلات، ولكن لا شك أيضا أن من أبرز هذه المؤهلات هي الواسطة. وهذا الأمر في حد ذاته غير مستغرب، ففي أي مكان من العالم تمثل المحسوبية جزءا من ثقافة التشغيل، فما بالك ببلداننا العربية التي تحولت فيها الإدارات والمؤسسات لدى العديد من المسؤولين إلى ممتلكات خاصة يعينون فيها من يشاؤون!!

وقد أشارت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو" في تقرير سابق لها أن طفلا من بين كل أربعة أطفال بالمدارس في الدول العربية، لا يستطيع قراءة جملة واحدة.. ولكن حتى القدرة على القراءة والكتابة، ليست مقياسا على جودة التعليم، لأن التعليم الجيد يخرج كفاءات قادرة على إيجاد موقعها في مناخ سوق الشغل المتغير والمتجدد على الدوام.

ويؤسفني القول بأن معظم الطلاب الجامعيين يبحثون عن الشهادة بأقل جهد، ويطالبون بالوظيفة بأعلى صوت، وما بينهما استحقاق لم يتم تحصيله بعد، وهي المهارة التي تمكّنه من العمل، سواء مهارة اللغة الانجليزية، أو التقنية، أو مهارة التخصص الذي ينتمي له، مثل الكتابة في تخصص الإعلام، أو التجربة الحقلية في التخصصات العلمية.

من يقرأ السيرة الذاتية للخريجين من الجامعات لا يجد سوى شهادة متبوعة بدورة أو دورتين، وبعدها فراغ لا يمكن أن يملأه غير الواسطة في التوظيف، ومن ليس له حظ في تلك الواسطة ينتظر الفرج على قوائم البطالة، ثم يدرك الخريج متأخراً أن الشهادة لم يعد لها قيمة بلا مهارة وممارسة للمهنة.

الجامعات تقدّم المعرفة ولا تمنح الوظيفة هذا صحيح، وتقدم فصلاً تطبيقياً على الأقل لتواجد الطالب في سوق العمل قبل الحصول على الشهادة، وتسارع إلى تغيير كثير من مناهجها لتتواءم مع متطلبات السوق، ورغم كل ذلك لا يزال الخريج الجامعي بلا تأهيل حقيقي، وبدون استعداد لمرحلة ما بعد الجامعة.

نعم لدينا تخصصات لم تعد مطلوبة في السوق أو على الأقل بعدد الخريجين منها، ولدينا مشاكل أخرى في تهيئة الطالب معرفياً ومهارياً في اختيار ما يناسب إمكاناته، ومشاكل ليس لها حل في قناعة الطالب أن ما يتمناه شيء وما هو موجود في الحد الممكن شيء آخر، وبالتالي لم تعد الخيارات متاحة للتوفيق بين الطموح والواقع، وهنا تحدٍ يتحمله الطالب نفسه، ولكن علينا مساعدته، وتمكينه من أدواته، وتشجيعه، وتجديد الثقة مع نفسه.

مزعجة كثيراً أرقام البطالة بين الجامعيين، وتحديداً في التخصصات العلمية التي أمضى فيها الطالب وقتاً وجهداً في التحصيل، ولا يزال يبحث عن فرصته في العمل حتى لو اضطر أن يعمل في غير تخصصه، ويبقى السؤال: هل المهارة التي يفتقدها الخريج هي سبب بطالته؟، والجواب حتماً نعم.

وأريد هنا أن أشير تحديدا إلى المستويات التعليمية الضحلة التي أصبح عليها خريجو الجامعات، جراء انعدام الرغبة في تطوير الذات وتوسيع نطاق التجارب التي باتت سمة عامة لدى التلاميذ والطلبة، إذ يكتفي أغلبهم بما يلقنه المدرس ويدونه بالكراس في الفصل، ولا يبذل أي جهد إضافي لتطوير معارفه وخبراته من أجل ضمان فرص أفضل في الحياة.

وما نلاحظه اليوم في بلداننا العربية أنه على الرغم من سهولة الوصول إلى مصادر التعليم، وارتفاع نسبة المتعلمين والشباب الذين يلتحقون بالجامعات بالمقارنة بالماضي، إلا أن خلف هذه الصورة الجميلة يوجد واقع مرير، فالكثيرون من أصحاب الشهادات يضطرون للعمل في وظيفة لا تمت إلى مجال تخصصهم بصلة، أو يواجهون البطالة إلى أجل غير مسمى.

وهذا يدفعني إلى التساؤل عن السبب الذي يجعل الحكومات العربية توفر التعليم للشباب ويفشلون في منحهم العمل؟!
الخلل الكبير يكمن في السياسات التعليمية التي أصبحت خارجة عن إطار الزمن الحالي الذي تسارعت فيه وتيرة التطور التكنولوجي، والنمو الاقتصادي، وكذلك تطورت أماكن العمل على مستوى العالم، وتلاشت قواعد العمل القديمة وحلت محلها معايير جديدة، فأصبحت مقولة ألبرت اينشتين "التقدم التكنولوجي كالفأس في يد مجرم مريض" تنطبق على حال شبابنا.

للأسف، مؤسساتنا التعليمية لم تعد تهيئ الطلاب للحياة العملية بعد التخرج، بسبب انعدام المبادئ الأساسية للتعليم الجيد من ناحية، وغياب الخطط التعليمية والرؤى والدراسات الاستشرافية لمستقبل سوق الشغل، بالإضافة إلى تردي قدرات المدرسين وافتقارهم إلى التدريب الذي يتيح تكوين أجيال قادرة على التكيف مع بيئات العمل الديناميكية واقتناص فرص العمل المتاحة محليا وعالمياً.

الدكتور / رمضان حسين الشيخ
باحث وكاتب في العلوم الإنسانية وفلسفة الإدارة
الخبير الدولي في التطوير المؤسسي والتخطيط الاستراتيجي
استشاري ريادة الاعمال، وتحفيز الشباب للعمل الحر

0
مقالات اليوم
156075
جميع الحقوق محفوظة © 2021 - جريدة شباب مصر