الأربعاء 18 مايو 2022 م 10:49 صـ 16 شوال 1443 هـ

قصص وحكايات مصرية من زمن جميل فات (10)

2014-04-15 16:54:40
محمد زكريا توفيق

مازال الحديث موصول حول موضوع قصص وحكايات مصرية من زمن جميل فات ونقول بعون الله تعالي الأتي :
لازلت في مدينة القاهرة مع رحلة المدرسة في بداية عام 1952م، بعد حريق القاهرة مباشرة. كان أحد المدرسين المرافق للرحة يشير بيده من نافذة الأوتوبيس إلى بعض المحلات والأماكن التي لا تزال آثار الحريق بادية على واجهاتها. أذكر منها سينما مترو بشارع سليمان (طلعت حرب حاليا).
لم نكن نعرف وقتها سبب حريق القاهرة. الحريق كان يوم 26 يناير 1952م. خلال ساعات معدودة، التهم الحريق 700 مكان في شوارع وميادين وسط المدينة. محلات تجارية مثل شيكوريل وعمر أفندي وصالون فيردي، فنادق مثل شبرد ومتروبوليتان وفيكتوريا، دور عرض مثل مترو وراديو وريفولي وديانا وميامي، معارض للسيارت ومقاهي ومطاعم مثل جروبي والأمريكين، نواد اجتماعية،... إلخ. 26 قتيل و 552 جريح. جريمة بشعة، وخسارة فادحة لمدينة رائعة مثل القاهرة.
أصابع الإتهام كانت موجهة إلى الملك فاروق، ربما بسبب رغبته في إسقاط وزارة النحاس. كان الإتهام أيضا موجها إلى الإنجليز بهدف إعادة إحتلال القاهرة بعد أن ألغت وزارة الوفد معاهدة 1936م، قبل الحريق بعامين.
أيضا لم يسلم الإخوان المسلمون أو الشيوعيون من الإتهام بحرق القاهرة. حريق القاهرة كان هو أحد الأسباب التي عجلت بثورة يوليو 1952م.
ذهبنا بالأوتوبيس إلى حلوان لقضاء يوم كامل هناك. حلوان في ذلك الوقت، كانت ضاحية من ضواحي القاهرة الراقية على ضفاف النيل.
كان بمدرستنا في مدينة فاقوس مدرس تربية رياضية تم نقله حديثا إلى حلوان. لذلك ظل سائق الأوتوبيس الذي يقلنا يسير في شوارع حلوان باحثنا عن المدرسة التي يوجد بها المدرس. هذا أعطانا فرصة لمشاهدة حي حلوان كله تقريبا.
لفت انتباهي جمال الفيلات والقصور التي تطل من أسوارها الحديدية زهور "الجهنميات" والفل والياسمين وأوراق الشجر. كان حي حلوان يبهر الألباب بنظافة شوارعه المزينة بالأشجار ذات السيقان البيضاء والزهور المعلقة بأعمدة الإنارة.
قمنا بزيارة متحف الشمع والعين الكبريتية والحديقة اليابانية. قضينا وقتا ممتعا لم يعكر صفوه سوى إكتشاف مدرسي الرحلة إختفاء تلميذين وقت العودة. أصيب القاضي أفندي وزميله بالهلع والرعب. ظلا يجريان هنا وهناك للبحث عن الطالبين المفقودين دون جدوى. عندما أعيتهم الحيل، ذهبا وهم في حالة يرثى لها للبلاغ في قسم الشرطة.
عند العودة إلى اللوكاندة، كانت المفاجة وجود التلميذين في انتظارنا. ماذا حدث، هو أنهما مرا بحالة خرمان مفاجئة، فإنتحيا مكانا قصيا لشرب سيجارتين هوليود خلسة. عندما عادا لم يجدا أوتوبيس الرحلة، الذي تحرك قبل أن يتنبه أحد لغيابهما.
قررا العودة وحدهما إلى اللوكاندة في القاهرة. النتيجة طبعا علقة ساخنة يتخللها الضرب بالشلاليل ولعن الجدود. مسؤولية ضياع تلميذين مسؤولية كبيرة بدون شك، تذكرنا بفيلم نور الشريف "آخر الرجال المحترمين".
حلوان كانت في الأصل مدينة فرعونية، بها سد مائي بمنطقة وادي حوف يرجع تاريخه إلى ما قبل عصر الأسرات. أعاد بناءها عبد العزيز بن مروان والي مصر في العصر الأموي.
يقول المقريزي أن الطاعون وقع بمصر، فخرج منها عبد العزيز ونزل بحلوان. أعجبته فسكنها وعمرها أحسن عمارة وغرس نخيلها وكرومها. ولم تزل العمارات تزداد مدة إقامته بها التي دامت خمسة عشر عاما.
في عام 1849م، أرسلت الحكومة في عهد عباس الأول بعض الجنود للإستشفاء بالمياة الكبريتية بحلوان. كان لنجاح التجربة، أثر عظيم في لفت الأنظار إلى عيون حلوان الكبريتية. من ثم بدأ الأوربيون والمصريون يتوافدون على المياة الكبريتية.
وفي عام 1868م، أمر الخديو إسماعيل ببناء حمام في موقع العيون الكبريتية. أثناء وضع الأساس، تم اكتشاف آثار حوض قديم يجمع أربعة عيون، يعتقد أنه الحمام الذي ذكره المقريزي في خططه.
في عام 1871م، تم افتتاح الحمام الجديد للإستفادة من المياة الكبريتية. سرعان ما تدفق الزوار المصريون والأجانب على العين بأعداد فاقت كل التوقعات. زاد في شهرة حلوان، تحسن صحة زوجة الخديو إسماعيل عند علاجها بالمياة الكبريتية. مما دعا الخديو إلى تحويل المنطقة إلى منتجع صحي سياحي.
في عهد الخديو توفيق، اهتم بصفة خاصة بحلوان. بني قصرا هناك، وبنيت معظم عمائر حلوان في عصره. من الشخصيات العالمية التي كانت تتردد على حلوان: الأمير ليوبولد الوصي على عرش بافاريا، وملكة النمسا والمجر، وملكة السويد، وأمير ويلز، واللورد كرومر حاكم مصر الفعلي أيام الإستعمار البريطاني.
في عام 1917م، أنشأ ذو الفقار باشا في حلوان الحديقة اليابانية. في عام 1934م، تم نقل متحف الشمع من القاهرة إليها. في عام 1939م، إنفجرت بها عين أخري طبيعية.
الحديقة اليابانية كانت تمتاز عن باقي الحدائق المصرية باحتوائها على مجموعة من تماثيل بوذا الشهيرة. من الأساطير المضحكة التي يطلقها أطفال حلوان على هذه التماثيل، هو أنها تمثل "على بابا والأربعين حرامي". جاءوا لسرقة مستشفي حلوان واختبأوا في الجنينة اليابانية. فسخطهم الله في صورة تماثيل. حتي يكونوا عبرة لأمثالهم من الحرامية.
الحديقة اليابانية كانت لها شهرة عالمية بسبب إقامتها على الطراز الياباني. لكن الحديقة عانت، كباقي حدائق مصر التاريخية، من التجاهل والإهمال، حتي وصلت إلى حالة يرثى لها. مما دعا حكومة اليابان إلى التدخل وعرض تجديد الحديقة على نفقتها في بداية التسعينات.
بعد الثورة، تحولت حلوان إلى مدينة صناعية. تم هدم الكثير من شواهدها وقصورها الخالدة. بعد أن كانت مدينة الرقي والجمال، ابتذلت وأصبحت مدينة التلوث والعشوائية والتيبس الصدري، بسبب مصانع الأسمنت والحديد والصلب والمصانع الحربية ومصنع النصر للسيارات.
بذلك أصبحت حلوان أكبر مناطق التلوث في العالم بدون منافس. ما الضرر في بناء المصانع بعيدا عن المنتجعات السياحية والكنوز التي ليس لها مثيل في العالم؟ لماذا لا تكون المصانع بعيدا عن المدن الآهلة بالسكان وفي عكس اتجاه هبوب الريح؟ عاوزين فهامة صلاح جاهين تفهمنا السبب.
في اليوم التالي، ذهبنا إلى ميدان الجيزة لكي نركب الترام الذي يسير بطول شارع الهرم حتى الأهرامات. ما أتذكره من شارع الهرم في ذلك الوقت، هو خلوه من السيارات والمارة. أشجار على الجانبين وأراضي زراعية. لا كباريهات ولا عربات ولا ازدحام مروري أو اختناق.
كل ما رأيته في هذه الرحلة جديد ومبهر. لا تستطيع أن تستوعبه عقولنا المتواضعة. نحن تلاميذ الأرياف والمدن الصغيرة، قد أصابتنا القاهرة بجمالها وجلالها بالصدمة الحضارية. منظر الأهرامات من بعيد، والأصابع تشير إليها لا يمكن أن ينسى.
لحسن الحظ كان معنا مدرس تاريخ. لشرح ما يستغلق علينا من فهم. الهرم الأكبر طوله كذا وارتفاعه كذا وبه كم حجر وتم بناؤه في كام سنة. القاضي أفندي شغال وأنا عمال أبحلق في هذا البناء الجبار الذي لا يشبه شيئا رأيته من قبل.
قاطع أحد التلاميذ المدرس قائلا: "قدماء المصريين دول راحوا فين يا أفندي؟ انسخطوا؟". أجاب القاضي أفندي بعصبية: "إلهي ربنا يسخطك ويسخط الحمير اللي زيك. دول يا غبي جدودنا العظام". فأجاب التلميذ ببراءة: "أمال هم راحوا فين؟"
ليس هذا سؤال ساذج من صبي صغير. لكنه سؤال أسأله لنفسي مرارا وتكرارا. هم راحوا فين؟ هل نحن حقا أحفاد هؤلاء الناس؟ وهل العمال والمهندسون الذين قاموا ببناء الأهرامات، يمتون إلينا بصلة القرابة ولو من بعيد؟ وهل المرأة المصرية بحليها وزينتها وعطرها وملابسها وآلاتها الموسيقية، تمت إلى المرأة المصرية الحالية بصلة قرابة من أي نوع؟
بني الشعب المصرى فى عصر المملكة القديمة الهرم الأكبر – هرم خوفو. لا يهمنا هنا الأسباب التى بني من أجلها, سواء لتخليد الملك أو لتشغيل العمالة الزائدة وقت الفيضان, كما يعتقد بعض العلماء. لكن الذى يهمنا هنا هو الدقة الشديدة والعناية الفائقة التى أستخدمت فى بنائه.
بنى الهرم الأكبر على قاعدة مسطحة أفقية ملساء, درجة الخطأ فى تسطيحها لا يتعدى أربعة أجزاء من الألف فى المائة. أو بالقياس العملي, ليس هناك خطأ على الإطلاق.
قاعدة الهرم على شكل مربع. يواجه كل ضلع من أضلاعه إحدى الجهات الأصلية, شرق وغرب وشمال وجنوب. الخطأ فى إتجاه ضلعي الشمال والجنوب يبلغ ثلاثة أجزاء من مائة جزء في المائة. الخطأ فى إتجاه ضلعي الشرق والغرب لا يتعدى تسعة أجزاء من مائة جزء فى المائة.
هل هناك دقة أشد من هذه؟ أحجار الهرم يبلغ وزنها ستة مليون وربع طن. هي كافية لعمل سور يحيط بفرنسا كلها. هذه الأحجار وضعت مع بعضها بدقة, بحيث لا يزيد سمك الفراغ الموجود بين حجرين عن خمس البوصة.
داخل الهرم توجد غرفة الملك. تحتها غرفة الملكة. غرفة الملك بها نافذتان أو ممران هوائيان. الأول يسمح بمرور الضوء الساقط من النجم القطبي مباشرة، حتى يضئ جثمان الملك فى رقاده الطويل على الدوام. لأن النجم القطبي ثابت فى مكانه فى السماء دون باقي النجوم التى تدور حوله.
من ثم، يظل جثمان الملك مضاء فى الليل أو النهار بصفة دائمة. أما النافذة الأخرى, فتقع جهة الجنوب. تسمح بمرور الضوء الساقط من نجم الشعرى اليماني, "سيرس"، الذى كان يمثل عند قدماء المصرين الإلهة إيزيس. لكي يضئ تابوت الملك مرة واحدة فقط كل عام. بذلك تستطيع روح الملك فى رقادها الأبدي، معرفة عدد السنين التى تمر.
كذلك وضعت الأهرامات الثلاثة فى أماكنها, ليس على خط مستقيم كما هو المتوقع, إنما فى شبه خط مستقيم لكي تمثل وضع النجوم الثلاثة التى تتوسط برج الجبار "أوريون" والذى يمثل الإله أوزوريس.
لماذا يهتم المصري القديم بالدقة المتناهية فى الصنع. ألا يكفي وضع الأحجار مع بعضها على شكل كومة ضخمة ترتفع قمتها نحو السماء. لماذا يهتم المصري القديم بالشكل الهرمي الذى تطابق أضلاعه الجهات الأصلية بدون خطأ يذكر, وأى سر فى ذلك؟
لماذا يهتم بأن تكون نسبة نصف محيط قاعدة الهرم إلى إرتفاعه قريبة من نسبة طول محيط الدائرة إلى قطرها والمعروفة لدينا بالقيمة "ط".
هل صحيح تم إختيار موقع الهرم لكي يكون مركز الكرة الأرضية, بمعنى أن خط الطول الذى يمر بالهرم يمر فى نفس الوقت بأكبر مساحة أرضية يمكن أن يمر بها خط طول آخر, وكذلك خط العرض الذى يمر بالهرم هو الآخر يمر بأكبر مساحة أرضية.
هل كان المصري القديم يعلم أن الأحجار الجيرية المستخدمة فى بناء الهرم, هى تراكمات بيولوجية من الأحياء الدقيقة التى كانت تعيش فى الماء منذ ملايين السنيين. أى أن كل ذرة في جسم الهرم كانت تنبض بالحياة فى يوم من الأيام, مثل رفاة الملك والملكة اللذان يرقدان داخله. أم كل هذا من قبيل المصادفة؟
ما هى علاقة الهرم بالشمس؟ عندما تشرق الشمس فى الأفق, تبدأ أشعتها الذهبية فى تسلق وجه الهرم الشرقي، كأنها تصعد إلى السماء. عندما تبدأ فى الغروب, ترى شعاعها القرمزي يهبط الوجه الغربي للهرم إلى أن يختفي رع فى الأفق البعيد.
كيف وضعت هذه الأحجار مع بعضها بحيث لا يضغط ثقلها الرهيب على الغرف والنوافذ والممرات الموجودة داخل الهرم؟ كيف تتخيل ستة وربع مليون طن من الحجارة صنعت بمهارة الجواهرجي؟
هذه الدقة المتناهية لن نجدها فى أعمال البنائين والفنانين فى الزمن اللاحق, الذين إتهموا بالعجلة والتفاخر فى أعمالهم الفنية. نظرة سريعة إلى أعمدة الكرنك الضخمة أو إلى معبد أبوسنبل، تبين لنا كيف فقد المصري القديم فى الزمن اللاحق الدقة والعناية والصبر فى أعمالهم الفنية, وإكتفوا بالضخامة والحجم.
نظرة أخرى إلى تمثال خفرع الموجود فى دار الآثار المصرية بالقاهرة والذي لا يضاهيه شئ, أو إلى تمثال منقرع وزوجته الموجود بمتحف بوسطن بالولايات المتحدة, توضح كيف كان الفنان والصانع فى المملكة القديمة.
إذا كانت دقة بناء الهرم تعتبر معجزة, فما بالك بعظمة الإدارة التى أستخدمت لتشغيل هذا الجيش الغفير من العاملين فى مشروع واحد, لكي تجعلهم يعملون فى توافق وتجانس تامين دون تخبط أو تعارض في القرارات والأوامر.
القدرة على العمل الجماعي كانت من سمات أجدادنا قدماء المصريين. وهي سمة تظهر لحسن الحظ من حين لآخر. ظهرت عندما حفرنا قناة السويس، وعندما بنينا السد العالي، وعندما عبرنا إلى سيناء في حرب 1973م. وستظهر عندما نبني بلادنا من جديد على أسس صحيحة في القريب العاجل إن شاء الله.
إننا نخطئ عندما نظن , كما ظن هيرودوت من قبل, أن الهرم ماهو إلا قبر ضخم لملك ظالم سخر شعبه لبنائه. لأن الهرم فى الحقيقة هو معبد ديني, بني لأسباب دينية. مثل المساجد والكنائس العظيمة التى بنيت لنفس الغرض. إنه صرح رائع استخدم فى بنائه العلم والفن والإيمان والإخلاص والصبر والدقة، وفوق كل هذا الحب. لأن عربة الحضارة لا تجر بالعبيد, إنما تقاد دائما وأبدا بالأحرار.
فاروق الهندي كان أحد الأطفال التي تلعب معنا في الشارع. كانت له هواية غريبة لم أسمع عنها من قبل أو من بعد. كان يتسلل بالقرب من أي كلب أو قطة يجدها في طريقة، ثم يقبض على ذيلها بسرعة. يرفعها في الهواء ويظل يدور بها فاردا ذراعه الذي يحملها به. عندما يتركها، تسقط بعيدا عنه وتلوذ بالفرار وهي لا تدري ماذا حدث لها.
طفل آخر كان يربط في أحد رجليه حبل قصير ينتهي ببصلة كبيرة. يحرك الحبل لكي تدور البصلة حول رجله. عندما يمر الحبل برجله الأخرى، يقفذ من فوقه. الشطارة ألا تلمس رجله الحبل.
لعبة أخرى كنا نلعبها وكنت أحبها جدا، اسمها السبع طوبات. كنا نحفر سبع حفرات متجاورة بجوار الحائط وحفرة كبيرة مليئة بالحصى. كل منا له حفرة خاصة به بناء على قرعة معينة.
نقف على خط مستقيم على بعد معقول من الحفر. يدحرج كل منا عندما يأتي عليه الدور، كرة شراب لكي تسقط في أحد الحفر. من تسقط الكرة في حفرته، عليه أن يجري بسرعة نحو الحفر، ويلتقط الكرة ويقذفها في أحد اللاعبين. طبعا من لم تأت الكرة في حفرته، عليه أن يهرب بسرعة.
توضع حصاة في حفرة اللاعب الذي تصيبه الكرة. فإذا لم ينجح اللاعب في إصابة أحد، توضع حصاة في حفرته هو. اللاعب الذي يحصل على 7 طوبات هو اللاعب المهزوم. العقاب يكون بأن يقف المهزوم وظهره للحائط، فاردا ذراعه وكفة إلى الحائط أيضا. ليتلقى ضربات الكرة سبع مرات، يصوبها اللاعبون إلى كفه كعقاب.
الجميل في هذه اللعبة، أنها تعلم الطفل اليقظة والترقب والحذر وأخذ القرار المناسب في الوقت المناسب. أنت لا تستطيع أن تقترب من الحفر، لأنك في هذه الحالة ستكون هدفا سهلا تصوب إليه الكرة. ولا تستطيع أيضا أن تبتعد عن الحفر، إذ ربما تقع الكرة في حفرتك.
تقترب أو تبتعد، هذا قرارك ومسؤوليتك. لعبة تمتزج فيها الرياضة البدنية بالنشاط الذهني. يتدرب فيها الطفل منذ نعومة أظافره على تقدير المسافات وأخذ القرارات. بالإضافة إلى التريض في ضوء الشمس والهواء الطلق. العاب الكمبيوتر قد تكون مفيدة للعقل والذهن، لكنها مضرة لجسد والروح.
كانت توجد في شارعنا كلبة ليس لها صاحب. لكنها كانت صديقة لكل أطفال الشارع. مجرد أن تناديها باسمها "لَكي"، فتأتي مسرعة إليك. من نوع "المالينوس" الذكي جدا والوفي جدا والتي تستتخدم في رعي الماشية وخدمة الشرطة واقتفاء الأثر والمساعدة في البحث والإنقاذ.
نجري فتجري وراءنا. نلعب فتلعب معنا. نقف فتأتي لتحك جسمها بأجسامنا. توجد علامة في رقبتها تبدو بسبب خناقة مع كلب آخر. كل منا كان يعتبرها كلبته الوفية. نحضر لها الأكل من منازلنا فتحمله وتقف بجوار الحائط لتأكله وعيناها لا تفارقنا.
في يوم أسود حزين، وجدت أطفال الشارع تبكي. ماذا حدث؟ أجاب طفل ودموعه تسيل على خده: "والله لأموته العسكري ابن الكلب". لقد جاء العسكري المكلف بقتل الكلاب الضالة، ورمى كبابة سامة إلى الكلبة "لَكي". وظلت الكلبة تعاني من ألم السم وهي تسقط على الأرض، والأطفال حولها تبكي وتلطم وجوهها إلى أن فارقت الحياة.
لم تكن هذه أول مرة حزت فيها على فراق كلب أو حيوان أليف. كان لدينا كلبة أخرى جاءت هدية لوالدي عندما كنا نسكن في بيت له جنينة صغيرة. نشأت معنا منذ أن كانت جرو صغير، وكبرت وهي لا تعرف غيرنا.
عندما انتقل والدي من مدينة فاقوس للعمل في قرية من قري الشرقية، لم يكن هناك مكانا للكلبة في سكننا الجديد. عندما لم يجد بين أصدقائه من يقبل أن يأخذ كلبتنا، اضطر إلى تركها في الشارع. لم يستمع والدي إلى توسلاتي وبكائي. وكان يجيبني: "يا ابني مافيش مكان ليها معانا".
المشهد الذي لا أستطيع أن أنساه، كان عند زيارة والدي لمدينة فاقوس لشراء بعض الحاجات وكنت معه. بينما كنا في طريقنا لكي نركب الأوتوبيس للعودة. إذا بنا نفاجأ بكلبتنا تأتي لتلمس بجسدها ساق والدي كأنها تستسمحه لكي يعفو عنها ويأخذها ثنانية إلى أسرتها التي لا تعرف غيرها.
حاول والدي طردها وابعادها عنا دون جدوى. وأنا أبكي وأتوسل له أن يأخذها معه. لكنه كان يردد مقولته بأن لا مكان لها في بيتنا الصغير الجديد.
ذهبنا إلى موقف الأوتوبيس وهي خلفنا لا تريد مفارقتنا. جاء الأوتوبيس وركبنا. نظرت من نافذة الأوتوبيس فوجدتها تنظر لي كأنها تسترحمني لكي آخذها معنا. تحرك الأوتوبيس، فوجدتها تجري خلفه. ظللت أراقبها وهي تجري خلف الأوتوبيس إلى أن اختفت في الأفق البعيد وأنا لا أكف عن البكاء.
الكلب يتفوق عن الإنسان بميزتين. حاسة الشم وطبع الوفاء. القصة التالية تأتينا من اليابان. الأستاذ "اوينو" بجامعة طوكيو كان له كلب يسمى "هاجيكو". يرافق الكلب البروفيسور إلى محطة القطار في الصباح الباكر، وينتظر عودته وقت العصر كل يوم.
أثناء وجود البروفيسور بالجامعة، تعرض لأزمة قلبية أودت بحياته. لكن الكلب "هاجيتو" ظل ينتظر صاحبه الذي لن يعود بالمحطة، لا يريد مغادرتها.
لاحظ الناس استمرار وجود الكلب بالمحطة وعرفوا قصته. راح الكثير منهم يطعمونه. سمح مدير المحطة ببقائه وخصص له مكانا للمبيت، عندما تيقن أنه لا يؤذي الناس. بادر أحد طلاب البروفيسور المتوفي بأخذ الكلب والإعتناء به. لكن الكلب ظل على وفائه لصاحبه البروفيسور، بالذهاب إلى المحطة لإنتظار عودته وقت العصر من كل يوم.
ظل الكلب على هذا الحال مدة عشر سنوات متواصلة. في عام 1935م، وجد الكلب "هاجيكو" ميتا عند المحطة في المكان الذي تعود انتظار صاحبه فيه. لذلك، أمرت الحكومة اليابانية بتحنيط جثة الكلب وحفظها في المتحف الوطني للعلوم في طوكيو.
نحن الآن في عام 1952م، وأنا في الشهادة الإبتدائية. حتى يطمئن والدي على درجة تحصيلي ومستواي التعليمي، طلب من "قطب أفندي" المدرس بالمدرسة الإلزامية إختباري في الحساب واللغة العربية.
أخذني قطب أفندي وانتحى جانبا في الشونة. جلسنا فوق كرسيين متقابلين وقت الظهيرة. فرد قطب أفندي شمسيته فوق رأسه وبادرني بالسؤال: "هات ياء مخاطبة تعرب نائب فاعل".
نظرت إلى رباطة عنقه القصيرة وعقدتها الكبيرة جدا وطربوشه الأحمر الزاهي، ثم تبسمت بدون إجابة. بادرني بسؤال آخر لا أذكره، فأجبته بإبتسامة وصمت أيضا. هو يسأل وأنا أبتسم وعيناي مثبتتان على عقدة رباطة عنقه الكبيرة. فجأة، جاءت صفعة مدوية على وجهي، دارت لها عيناي فاغرورقا بالدموع. وجاء صوت قطب أفندي: "انت بتضحك على إيه، على خيبتك؟"
ذهب قطب أفندي إلى والدي لكي يزف إلىه الأخبار الغير سارة. "ابنك يا توفيق أفندي لن ينجح في إمتحان الإبتدائية". طيب والعمل يا قطب أفندي؟ الولد لعبي جدا ولا يذاكر دروسه أبدا. كان الحل هو الدرس الخصوصي.
لحسن الحظ كان باقي على الإمتحان مدة كافية للإستعداد له. وكان ابن ناظر المدرسة الإلزامية التي يدرس بها قطب أفندي معي في الفصل ويستعد هو أيضا لإمتحان الإبتدائية. لقد كان قطب أفندي نجدة من السماء لإنقاذ مستقبلنا، أنا وابن الناظر.
قطب أفندي، بالرغم من طربوشه فاقع اللون ورباطة عنقة الغريبة وحلته الغير مكوية، إلا أنه كان عبقريا في تدريس قواعد اللغة العربية والحساب. فهو من خريجي المدارس الأزهرية. يحفظ القرآن وألفية ابن مالك.
كانت طريقته في التدريس هو أن نذهب أنا وابن الناظر إلى المدرسة الإلزامية كل يوم بعد الدراسة حتى أيام الجمع والأجازات الرسمية. يقوم قطب أفندي بالشرح. ثم نقوم نحن بحل كل التمارين الموجودة في كتاب الوزارة من الجلدة للجلدة. ما في مسألة واحدة أو سؤال واحد يمر علينا دون حل أو إجابة. كانت أجرته جنيها واحدا في الشهر.
طبعا أهملت المواد الأخرى واللغة الإنجليزية. مدرس اللغة الإنجليزية في الفصل كان يشرح لتلميذين أو ثلاثة ولا يهتم بباقي التلاميذ. الفصل كان مزدحما فوق العادة.
أخبرني صديقي ابن الناظر، الذي كنت أذاكر معه، أن والده قد حصل على نتيجة الإبتدائية من الكنترول قبل أن تذاع رسميا. أخبرني أنه قد نجح وحصل على شهادة الإبتدائية. فطلبت منه أن يكشف على اسمي أيضا.
ذهبت أنا وهو للبحث عن والده. جلست على الرصيف وانتظرته لكي يأتي بنتيجتي من والده، الذي كان يزور أحد الجيران. دخل منزل الجار. بعد فترة قصيرة بدت لي كأنها دهر طويل، خرج زميلي يجر رجليه ويخطو خطوتين إلى الأمام وخطوة إلى الخلف.
نظرت إليه وأنا أخط في الرمال بعصا وجتها بجواري. وقلت لنفسي، هذه المشية ليس ورءها خير أبدا. اقترب مني وزف لي البشري الغير سارة: "اسمك غير موجود بالكشف". فقلت له يعني إيه، ساقط؟ فقال: للأسف آه".
هذه أول مرة في حياتي أشعر بمرارة الرسوب في الإمتحان. أو بمرارة الفشل بصفة عامة. عندما ذهبت مع والدي للمدرسة لمعرفة لماذا رسبت. تعجب مدرسي المدرسة الذين كانوا موجودين وقتها من حصولي على النمرة النهائية في الحساب ونمرة عالية جدا في العربي.
سبب رسوبي كان اللغة الإنجليزية. هدأ والدي عندما علم أن فرصة نجاحي في الملحق كبيرة. وقد كان. فبعد فترة قصيرة نجحت في الملحق بمساعدة مدرس خصوصي. لكن مرارة الرسوب لا تزال في حلقي حتى الآن.
ظللت طول عمري أكره شيئا اسمه الإمتحان. عندما يكون لدي امتحان، لا استطيع النوم أو الأكل أو الحياة الطبيعية. كم تمنيت لو تكتشف البشرية شيئا أفضل من نظام الإمتحانات المعمول به في كل مكان.
كان يدرس لي في معهد كورانت بمدينة نيويورك البروفيسور "بيتر" مادة الأوتوماتا. معهد كورانت انشأه العلماء الألمان بعد هروبهم من ألمانيا النازية، والعلماء الإيطاليون بعد هروبهم من حكم موسوليني. تم فيه مشروع مانهاتن لبناء القنبلة الذرية، ويعتبر من أعظم المعاهد التي تدرس فيها الرياضيات التطبيقية في العالم.
كان البروفيسور بيتر يعطينا بحثا في نهاية كل محاضرة. في نهاية "التيرم"، لا يوجد امتحان نهائي. درجت الطالب هي مجموع درجات أبحاثه مدة "التيرم".
بروفيسور آخر، لا أذكر اسمه، كان يدرس لنا مادة الإحتمالات في الإحصاء الرياضي. وكان يعطينا الإمتحان النهائي ويطلب منا أن نذهب إلى بيوتنا ونختار الوقت المناسب. ثم نبدأ في إجابة الإمتحان في وقت لا يزيد عن ساعتين.
بعد ذلك، نأخذ ورقة الإجابة ونرسلها له بالبريد للحصول على الدرجة النهائية. وكان من رأيه، إذا كان هدفك الحصول على الدرجة والنجاح فمكانك ليس هنا. الدراسات العليا في معهد مثل معهد كورانت، يجب أن تكون لمن يطلب العلم، لا لمن يطلب الشهادات.
أنا من رأيي أن فشل التعليم، سببه هو أننا ربطناه بالنجاح والدرجة العلمية والشهادة. لنتخيل أننا انشأنا مدارس وجامعات ليست بها إمتحانات ولا تعطي شهادات.
الطالب الذي يبغي شهادة فقط، لن يلتحق بهذه المؤسسات التعليمية. بذلك يكون قد أراح واستراح. أما الطالب الذي يبغي العلم حقيقة، فهو الذي سوف يحرص على الحضور والفهم. وهذا ما نريده.
من تجاربي الشخصية، إذا كانت الدراسة في ظل الإمتحانات والنجاح والرسوب، فهي تسبب ضغوطا نفسية شديدة الوطأة وشللا مريعا لقدرات العقل الجبارة. هل سمعت عن طالب ابتكر أثناء دراسته الثانوية أو الجامعية شيئا ذا قيمة؟ الإكتشافات والإبتكارات تأتي دائما من أناس خارج نظام التعليم الكلاسيكي الذي يستخدم الإمتحانات والشهادات.
يذهب التلميذ إلى المدرسة وهو في براءة الحمل الوديع. يتخرج منها وهو خبير تذوير وأستاذ في الكذب والنفاق. كان لي صديق يذهب للإمتحان وهو ملغم بالبرشام في كل جيوبه وداخل قميصه وحذائه وكل مكان في جسمه يستطيع أن يضع فيه برشامة.
ثم يقوم بعمل خريطة تبين موقع كل برشامة حسب الموضوع. هل مثل هذا الطالب ينشد العلم؟ وهل نأسف عليه إذا لم يحصل على شهادة؟
الولايات المتحدة لا تعترف بالشهادات ضمنيا. إذا خلت وظيفة في شركة كمبيوتر مثلا، وتقدم للوظيفة شخص يحمل شهادة الدكتوراة في الكمبيوتر وشخص آخر لا يحمل من الشهادات سوى الثانوية العامة، لكن لديه خبرة عملية لازمة للوظيفة، فمن منهما تقوم الشركة بتعيينه؟ صاحب الخبرة الحاصل على الثانوية العامة. لماذا؟ لأننا نبحث هنا عن العلم لا عن الشهادة.
في بلادنا، كيف نفطم الطالب عن طلب الشهادة ونجعله يطلب العلم لذات العلم؟ هذا هو التحدي الكبير الذي، لو نجحنا فيه، يجعلنا نسود باقى الأمم.
لا أعتقد أن قدماء المصريين كان لديهم نظام الشهادات. وبالرغم من ذلك برعوا في كل شئ واخترعوا تقريبا أهم الإختراعات التي عرفتها البشرية.
إذا لم يكن من السهل إلغاء الشهادات بالمرة، فعلى الأقل يجب ربطها بطلب العلم. ويجب تحبيب الطالب منذ نعومة أظافره في العلم لا في الشهادة فقط. التلميذ يأتي إلى الفصل لكي يتعلم. هذه رغبة صادقة.
لقد عشت معظم عمري داخل الفصول سواء كتلميذ أو مدرس. وأعرف جيدا ما أقول. التلميذ يريد أن يتعلم. ولكن، هل نساعده على تحقيق هذه الرغبة؟
أعرف بعض التلاميذ، بسبب طريقة التدريس الخاطئة والمناهج الغبية والكتب الرديئة، يتمنى أن يترك المدرسة اليوم قبل الغد، ويذهب لكي يشتغل سواق بيجو أو عامل في طابونة.
التعليم فى بلادنا يعتمد على الحفظ والتسميع بدون فهم. اجهاد للذاكرة, وشلل للقدرة التفكيرية, وقتل لملكات العقل التحليلية. لقد كنت اتساءل فى صباي عن جدوى تدريس نظرية تطابق المثلثات وما شابهها من نظريات فى الهندسة المستوية(الإقليدية) فى سن مبكرة.
يأتى الجواب لأن تدريب التلاميذ فى سن مبكرة على نظريات الهندسة المستوية وعلى حل تمارينها, هو خير وسيلة لتدريب العقول على التفكير المنطقي. إذا لم يكن تفكيرك فى تسلسل منطقي ومنظم, فلن تستطيع برهان شئ, أو حل أي تمرين هندسي, أو كسب أي قضية, أو الوصول إلى أي حقيقة.
تدريب العقول منذ نعومة أظافرها على التفكير المنطقي, هو الذى ينهض بشعوبنا ويحل مشاكلنا الإجتماعية والسياسية والإقتصادية.
الهدف بناء عقول قادرة, وليس عقول حافظة لمعلومات مكدسة لا يربطها رابط. عقول فاهمة, وليس عقول تحمل شهادات وأجازات بدون فهم. مثل الحمار الذى يحمل أسفارا, ولكنه لايعلم ما بها من معرفة.
معظم المدرسين غير أكفاء لهذه المهنة الجليلة. منهم من يقوم بصب المواد فى عقول الطلبة صبا. وكأنك تصب سائل فى قمع دون روية, ودون مراعات درجة إستيعاب كل طالب على حدة. ومنهم من يقف حجر عثرة فى طريق الفهم والتحصيل. ومن يسبب بأسلوبه وغبائه كره الطلبة لمادته ولعملية التعليم برمتها.
هل نعلم أولادنا القدرة على النقد؟ والقدرة على التمييز بين الحقائق والخرافات؟ ومعرفة أى ريح تدفع شراع المركب إلى الأمام أو الخلف؟ هل نعلمهم أن التجربة المعملية يمكن أن تثبت عدم صحة نظرية ما، لكنها لا تستطيع إثبات صحتها بصفة مطلقة.
هل نضع أمامهم المواضيع والقضايا بأوجهها المختلفلة كما هى, حتى يختاروا بأنفسهم إذا إستطاعوا؟ وإن لم يستطيعوا, هل نعلمهم القدرة على الشك؟ لأن الأغبياء فقط هم الواثقون والمتأكدون والمدافعون حتى الموت عن أول فكرة أو قضية تواجههم فى حياتهم. كما قال دانتى:" الشك يسرني كما تسرني المعرفة".
التعليم هو أهم قضية تواجه أي شعب، فأرجوا أن يقتنع بذلك من بيدهم الأمر قبل فوات الأوان.
وللحديث بقية إن شاء الله ، فإلى اللقاء.
محمد زكريا توفيق
ماجستير فى الرياضة البحتة من كلية الهندسة جامعة نيويورك.
ماجستير فى علوم الكمبيوتر من كلية العلوم جامعة نيويورك
دراسات فى الرياضيات التطبيقية تعادل الدكتوراه من معهد كورانت بجامعة نيويورك
 

61193
جميع الحقوق محفوظة © 2022 - جريدة شباب مصر