الجمعة 20 مايو 2022 م 5:40 مـ 18 شوال 1443 هـ
الرئيسية | أراء وكتاب

الثانوية العامة ... فيلم هندي

2014-06-16 21:18:16
محمد محمود عمارة

دموع و صراخ و شكاوٍ و لعنات ..... نفس المشهد الذي اعتدته عن الثانوية منذ وعيت إلى لحظة كتابة هذا المقال.
كنت و أنا صغير أسمع ممن حولي عن صعوبة الشهادة الابتدائية و الجهود الجبارة اللازمة لاجتيازها ، فلما بلغت تلك المرحلة ، تعجبت من الأساطير التي نسجها الكبار حولها ، و اكتشفت أنها ضجة لا تستحق و لم أجد أي فرق بينها و بين أي عام دراسي آخر طالما كنت أستذكر دروسي . نفس الكلام تكرر مع الشهادة الإعدادية و الثانوية ، و في كل مرة أكتشف أن الرعب الذي هُيئت له نفسياً مجرد وهم مع سبق الإصرار و الترصد.
أذكر و نحن نؤدي اختبارات الثانوية العامة ، و بعد توزيع الأسئلة بدقائق ، كنا نسمع وصلة من الصراخ الهستيري قادمة من الفصل المجاور لنا، تقوم به إحدى الطالبات في نفس التوقيت كل يوم ، حتى أنه بإمكانك ضبط ساعتك عليها ، البنت تصرخ و الكل يهرع إليها لتهدأتها و طمأنتها ، و لا مانع من تغشيشها حتى تسكن و تهدأ.
أما في لجنتي ، فكان ( ن ) زميلي ، الهارب دائماً من الحصص و المدرسة ، يتبع تكنيكاً ذكياً يؤديه بكل مهارة و احتراف مع كل المراقبين ، و في كل المواد ، يتسلم ورقته ثم يفتحها ثم يضع قلمه على الطاولة ثم يظل جالساً في صمت رهيب ، مطأطأ رأسه ، مربعاً ذراعية بشكل ملفت يوحي بقصة مأساوية خلف هذا الطالب ، بالطبع يقترب منه المراقبون الواحد تلو الآخر لحثه على كتابة أي شئ في ورقته البيضاء من غير سوء، لكنه كان يرد بنظرات صامتة تشي بحزن و مسكنة يدفعانك دفعاً للتعاطف معه. أما ذروة الأحداث في هذا المشهد فتأتي في الثلث الأخير من اللجنة ، حينما يحاولون معه مرة أخرى لكتابة أي شئ ، عندها ينفجر باكياً بشكل مبرمج و ممنهج ، صارخاً ، ناعياً مستقبله الذي ضاع و بيت أبيه المتوفى الذي خُرب ، و أشياء لا أذكرها لكنها تذيب الحجر و تفتته ..... فكان هذا المشهد التراجيدي يؤتي ثماره ، فترى المراقبين يتسابقون في كل اتجاه ، يجمعون له الإجابات المختلفة من ورقات الطلاب الفائقين و يقدمونها له ، و لا يتركونه إلا بعد أن يطمئنوا أن ورقته قد بلت ظمأها و ذهب جوعها و عانت من تخمة الإجابة ... في النهاية نبيل حصل على مجموع دخل به أحسن الكليات مثله مثل فائقي المدرسة !!
( ن ) صديقي و البنت ، التي لا أعرف أسمها و لا حتى شكلها ، نموذجان لطلاب الثانوية الذين نراهم على شاشات التلفزة و هم يصرخون و يبكون من صعوبة الأسئلة ، بل هناك من تجاوز هذا النموذج و تخطاه ، سواء كانوا طلاباً أو أولياء أمورهم ، فأصبحوا يقفون أمام كاميرات الفضائيات لا ليشتكي صعوبة المواد بل ليذم و يسب المراقبين و يحسبن عليهم لأنهم لم يفعلوا ماذا ؟! لم يسمحوا بالغش !!!
هكذا مرة واحدة دون مواربة أو خجل!!
نعم دون مواربة أو خجل ، و كأنه كُتب علينا أن نعيش عصر الوقاحة و الفجاجة بكل أشكاله ، بدءاً من ظاهرة الغش التي أصبح يراها الطلاب و أوالياء أمورهم حق أصيل ، و أصبحت تُنتزع بالاستعانة بالوسائل الالكترونية المختلفة ، أو تُنتزع بإرهاب المراقبين بوظيفة الباشا ولي الأمر ، أو بمحاصرة مقار اللجان أو سيارات المراقبين ، و تهديدهم بالسلاح و إلحاق الأذى أو التنازل و تكبير الدماغ مقابل إسباغ بعض النعم على طريقة سيف المعز أو ذهبه ، و غالباً ما يخضع المراقبون مجبرين لأنهم يعلمون أن أحداً لن يحميهم أو يهتم بسلامتهم ، بل سينكر المسئولون أن ذلك حدث و ستشترك الوزارات المعنية في النفي ، الكل ساعتها " هيعمل نفسه من بنها " ، و سيخرج من يقول الجمل المشهورة: كل شئ تمام !! كله تحت السيطرة !! لم نتلق شكاوٍ بذلك الخصوص !!
اسألوا المعلمين عن لجان الثانوية العامة و ستسمعون طرائف و غرائب و عجائب ، منها ما يصلح كعمل كوميدي ، و منها ما يصلح لأفلام الرعب و الأكشن ، و لكن أغلب القصص يعكس واقعاً مأساوياً.
ظاهرة الغش ليست ظاهرة آنية لا تستحق الذكر أو الوقوف عندها ، بل هي ظاهرة خطيرة تعكس ما سيدور في المستقبل ، إذ ماذا تتوقع من طالب عاش حياته بالغش و تخرج بالغش ؟!! هل يُؤتمن على صحة الناس إذا تخرج طبيباً بالغش ؟! هل يٌؤتمن على بنيانهم و طرقهم و جسورهم إذا تخرج مهندساً ؟!! هل يُؤتمن على أخلاق أجيال إذا تخرج معلماً ؟!! هل يُؤتمن على هذا البلد في أي موقع أو أي مكان ؟!!
لا و الله ، و لا حتى أبيه سيستأمنه.
إن حالة هيستيريا الثانوية العامة يمكن تلخيصها في عدة جمل:
- طالب فاشل قصر في دروسه و دراسته و يبحث عن شماعة يعلق عليها تقصيره و فشلة ( أستثني قلة من الفائقين ممن يبحثون عن الكمال و الدرجة النهائية في المادة) .
- ولي أمر شرب المر طوال العام على هيئة مصاريف مدرسية و دروس خصوصية و هو يندب ما دفعه ، و يتمنى المقابل حتى و لو كان بالغش ، و يشترك كل أولياء أمور كل طلاب الثانوية في حلم واحد : طب أو هندسة.
- إعلام فاشل يبحث عن الإثارة في أي شئ ، و الثانوية العامة تحقق له ذلك الهدف كل عام بلا مجهود . و إلا أطفأوا أضواء إثارتكم ، و ارفعوا عدسات التضخيم ، و كفوا عن متابعة أخبار هذه السنة الدراسية ، حالها حال ما سبقها و ما سيليها ، و لننظر هل ستبقى هذه الظاهرة الخرافية أم ستنتهى ؟ ارحمونا من هذا الفيلم الهندي المقرر علينا و المكرر في كل عام ...ارحمونا يرحمكم الله.
• ملحوظة: لي ابن مقبل على هذه المرحلة ، و جملتي التي أكررها عليه : هذا مستقبلك أنت وحدك ، أنت وحدك ستحصد ما ستزرع ، فانظر أي الثمار تحب أن تجني في أخلاقك و دراستك.

0
أراء وكتاب
72310
جميع الحقوق محفوظة © 2022 - جريدة شباب مصر