GO MOBILE version!
أبريل6201712:27:57 مـرجب91438
عندما غنى الكروان
عندما غنى الكروان
أبريل6201712:27:57 مـرجب91438
منذ: 2 سنوات, 7 شهور, 15 أيام, 23 ساعات, 7 دقائق, 46 ثانية




كان غناؤه حزينا يملأ بشجوه الآفاق؛ وأنغامه ترددت في فضاء دنيا الله الواسعة، وعلى جذع شجرة أخرى حطَّ غراب بلون النفوس المظلمة، نظر نحوه على غصن تلك الشجرة وتساءل: مذ عرفتك أيها الكروان وصوتك يصدح بغناء لا يتوقف، ويصيب قلوب سامعيه باللوعة والعذوبة والعزاء، فما خطبك أيها الكروان وما الذي يحملك على البكاء؟

قال الكروان: غنائي يفسِّرُ قصتي. يزخرف روحا هي كالخرقة البالية، ويرسم دمعة وابتسامة كجبران النبي. من رأى الزخارف وسمع ظاهر الغناء.. يبتهج ويبتسم؛ ويبكي من كُشفت لقلبه الأسرار، وغرقت نفسه في الشجيِّ من الألحان.

قال الغراب: العشق كالغناء فيه السعادة والأحزان، وله في القلوب أحوالٌ كثيرة وعليه أحكام شِداد، لكنه لا يخلو من التناقض والشواذ، يطبع في حنايا القلب علامة من الجنة أو علامة من النار ، ويكتب في لوحه لذة مؤقتة، أو يفتح في صدره نافذة تطل على حديقة غنَّاء، تهب منها نسائم النعيم المنعشة وبابا يشرف على تنور يفور بالحمم ويزفر الجمر والدخان، أو يكسوه ربيعا نضرا لا يموت ولا يهرم، وإذا أماته..؟ فلا يتركه حيا إلا في أعماق محبوبه، وهو يلقي في خلايا عقله بعضا من معاني الجنون، ولا يدري غير العاشق نفسه إن كان حلوه أكثر وعذابه لن يدوم؟

ثم قال له: أراك ياصديقي موغلٌ في دروب العشق، ولك فيها من الحكايا كان يا ما كان في قديم الوقت وسالف العصر والأوان كذا وكذا.. من اللوعة والقسوة والأحزان.. وأحوال لا تشرح الصدر ولا تسر الخاطر والبال، فهلا أشركتني يا صديقي في خفيِّ أسرارك فأنا لا أهتك أسرار القلوب..؟
قال الكروان: أرى إنك في فلسفة الحب وأحوال أهل الهوى خبير وعليم، فلا تكن لي عاذلا ولحالي مستنكرا أيها الغراب، ولا تعاتبني على شجو الغناء فإن لي في العشق قصةٌ وهمومٌ وعذاب. أوَتْ قمرية إلى غصنٍ يقابل غصني، لم ترَ عيناي أرق منها ولا أجمل، ويلٌ للقمرية مني وويلٌ لها من الزمان. كانت أجمل أناث الطَّيرِ في الغاب؛ مذ رأيتها أصابتني بالعشق سهام عينيها، ولم يكن لي حيلة في انتزاعها ولا ردها، فارتعدت جوانبي كنبيٍّ تنزَّل عليه أولى آيات الوحي من الله. ثم هبت معها نسائم السعادة، ورفرف الأمل وسَكِرتُ بنظرتها وعربدتني عيناها الفاتنتان، كأنهما زجاجة خمر معتّق ومنقارها حانة للسكارى أواخر الليل، لم يغمض لي جفن على الإطلاق، ولم أجرؤ على الإفصاح لها بما يعتمل في قلبي من المكنونات والأسرار.

أحببتها لا لطلَّتها الفاتنة التي تسلب الألباب، بل لشيء مجهول فيها ينير جوانب نفسي، ويضعضع قوتي كلما لاح فجرها فأشرقت شمس الصباح وعمَّ الضياء..كنت أخبئ وجهي عنها ولا يسمع مني إلا صوتي، أجود به بأجمل ألحان استوحيتها من سنى الطبيعة، التي تبعثُ الأرواح في الأجساد، وتحيي الأمل في النفوس؛ وتسكبُ الروح والراح ألوانا فوق صفحات المياه، وتعرج أقمارا في السماء وتنبت أكاليل ورد فوق غدائر الصبايا الفاتنات، وتملأ الدنيا بالبهجة والأفراح. وكانت تطرب وتنتشي بشدو صوتي وغنائي الآسر الأخاذ، وتطيل النظر إلى صورة وجهها الفاتن في باكورة ندى الصباح؛ وفي مياه الجدول الرقراق فالماء مرآتها وعروقها مرآة ماء، فأتيه عجبا بنفسي وأشعر بالرضا ، حتى ظنتْ أن هذا الصوت والغناء، لا يصدر إلا عن طائر عظيم الشأن له هيبة وسلطان، كالهدهد صفّي الملك سليمان، أو من كان مريدوه كأحلى أنواع الحمام، أو جمال يبهر العين كطاووس متعدد الألوان. أخذت تتقرب من كل واحد منهم، لتعرف من يكون صاحب الصوت الرخيم؟ ، فكانت تطير صباحا مع هذا ومساء مع ذاك وترافق أحدهم في حفلة أو إلى العشاء، وأنا محبوبها المجهول الذي يكتوي ويحترق على جمر من النار. ساورني الخوف من فقدانها حينا، والشك في الخوف بلا مبرر حينا آخر، فلمَ الخوف وقد ظفرتُ بقمريتي ووقعتْ في غرامي وعذب ألحاني؟
ولمّا عيل صبري انتظرتُ وقت عودتها، وإذ رأيتها تحط على الغصن خرجتُ من وراء أوراق الشجرة، وعزفتُ من أجل عينيها أجمل الألحان، التي لم يعزف أحد مثلها مذ خلق الله الأرض والسماوات وبث فيهما من كل دابة تطير أو تمشي. لكأني رأيتُ الملائكة تترنم مع ألحاني والرب يبارك غنائي، ويزيد صوتي إشراقا وبهاء .

بكتِ القمرية بكاء مُرا إثر غنائي، وسرني أنها تأثرت بصوتي ، فها قد عرفت حقيقة من تيمها هواه وعذَّبَها غناؤه وأنَّتْ لصبابته .سكت الكروان ثم زفر زفرة حرّى وقال: دخلت عالمها المسحور، وما أحسبني إلا واقفا أمام آلهة من الأساطير..؟ وبحتُ لها بمكنون قلبي وأطلتُ في قول: أحبك.. أحبك.

ضحكتْ القمرية بدلال.. وكل ضحكة عزفت نغما على وتر قلبي، كضربة السيف التي تقتل وتدمي، فتزيد من غرامي وتهيج فؤادي وتهزه من أعمق الأعماق، قالت: وأنا لا..سكتت ثم نطقت: أحبك. علتْ وجهي الأسارير وكررتُ وراءها كالمسحور: أحبك. ضحكت مرة أخرى وقالت: لا.. أحبك. قلت: في منطق العشق "لا" تنفي كل مشاعر أخرى غير الحب، ثم تنهدتُ تنهيدة اختلج لها قلبي من خلف أضلعي وكررتُ: أحبك..أحبك.

قالت بجدية لا تخلو من تِيهٍ ودلال: "لا" التي أكررها تنفي منطق العشق هذا. سألتها: وعلامَ كان بكاؤك بعد غنائي إذاً ؟ قالت ساخرة: ومن تكون أيها الكروان؟ مثلك لا يستحق الحب.. حتى يستحق البكاء.
وطارت بعيدا دون وداع فعوَّضتُ نفسي وافتديتها بالغناء، وخصصتُ صوتي عزاء لكل حزين أضناه وجده وبكاه.




 

أُضيفت في: 6 أبريل (نيسان) 2017 الموافق 9 رجب 1438
منذ: 2 سنوات, 7 شهور, 15 أيام, 23 ساعات, 7 دقائق, 46 ثانية
0

التعليقات

130990
أراء وكتاب
نجم فوق العادةنجم فوق العادة ياسمين مجدي عبده2019-11-18 14:38:08
مسألة وقتمسألة وقتد/ رشاد حسن العطار2019-11-18 10:39:11
القدوة فى حياتناالقدوة فى حياتناجمال المتولى جمعة 2019-11-17 10:10:25
إعدام الفاسد  اهم سر نجاحات الصينإعدام الفاسد اهم سر نجاحات الصينخالد احمد واكد 2019-11-16 20:16:15
بناء المجتمعاتبناء المجتمعاتأحمد محمود القاضي2019-11-15 11:34:16
التاريخ كما يجب أن يكونالتاريخ كما يجب أن يكونياسمين مجدي عبده2019-11-13 14:44:57
عبدالسميع عبدالعظيم من الرواد الاوائلعبدالسميع عبدالعظيم من الرواد الاوائلجمال المتولى جمعة 2019-11-12 18:07:27
جحيم المعرفةجحيم المعرفةأحمد محمود القاضي2019-11-08 14:52:44
ذكرى ميلاد سيد الخلق اجمعينذكرى ميلاد سيد الخلق اجمعينإسماعيل أبوعقاده2019-11-06 00:15:02
إبداعات
حبة الرمانحبة الرمانإيناس ثابت2019-11-20 19:07:37
أبقيتَ القلوب دوامياأبقيتَ القلوب دوامياشاكر فريد حسن 2019-11-19 08:43:40
جُودِي عَلَيّجُودِي عَلَيّعبدالعزيز المنسوب2019-11-18 21:36:10
غصة في القلبغصة في القلبنداء عز الدين عويضة2019-11-17 01:52:11
صيحة الفجر ... الثأر حمحمصيحة الفجر ... الثأر حمحمايفان علي عثمان 2019-11-15 00:50:45
الرافعيُّ أميرهاالرافعيُّ أميرهاعبدالعزيز المنسوب2019-11-13 11:44:13
بقلم رصارصبقلم رصارصالشيماء الصلاحي2019-11-12 11:09:04
حتماً سيمضي..حتماً سيمضي..هداية صفوح دركلت2019-11-11 19:06:01
مساحة حرة
بدون زعلبدون زعلاسماعيل عوض 2019-11-16 19:22:29
الرياضة اساس الدبلوماسية الشعبيةالرياضة اساس الدبلوماسية الشعبيةخالد احمد واكد2019-11-16 06:08:36
مصر لها خط ساخن مع المهدي المنتظرمصر لها خط ساخن مع المهدي المنتظرابراهيم يوسف ابو جعفر2019-11-15 20:25:42
النبيّ الموعود..بـ "المقام المحمود"النبيّ الموعود..بـ "المقام المحمود"ابراهيم يوسف ابو جعفر2019-11-08 20:34:06
سمو الشيخ فهد حمد العذاب الهاشميسمو الشيخ فهد حمد العذاب الهاشميعبدالسلام الشقيري 2019-11-07 17:40:26
مواقع النواصلمواقع النواصلأحمد محمود القاضي2019-11-05 00:45:19
ولنا كل الفخرولنا كل الفخر ياسمين مجدي عبده2019-11-04 13:03:56
html slider by WOWSlider.com v8.0
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر