GO MOBILE version!
مايو17201712:54:38 صـشعبان191438
الفكر الديني وضبابية المفاهيم
الفكر الديني وضبابية المفاهيم
مايو17201712:54:38 صـشعبان191438
منذ: 2 شهور, 4 أيام, 19 ساعات, 54 دقائق, 31 ثانية


يبدو أن السبيل الوحيد للوصول إلى الحقيقة هو البحث العلمي الحر بمناهجه ومكوناته المتعددة والمتنوعة، في إطار التحرر من الانطواء على الذات والتمرد على المنهج الكهنوتي التسليمي، والانفتاح على الغير بحوار عقلاني منفتح، لآن الحقيقة لا يملكها الفرد المنعزل ولا الحضارة المنطوية على ذاتها. ويبدو أن النظريات والافكار والعلوم والحضارات لم تنشأ ولم تزدهر إلا بالانفتاح والحوار والاستفادة من الغير، ولعل علم الأصول وتطوره في الفكر الاسلامي في عصوره الأولى نموذجا لهذا الانفتاح والحوار والاستفادة.
ولن يستقيم انفتاح وحوار واستفادة دون تميز لما هو خاضع للبحث العلمي من غيره، ودون تحديد للمفاهيم الاساسية التي يقوم عليها الفكر الديني ومصادر تكوينها؛ من إللهي وبشري، وقطعي الدلالة وظني الدلالة وذلك في إطار تحليلي لا تلقيني حشوي، لأن المنهج الاسلامي الكلاسيكي الحشوي يعاني من فقر معرفي في أساليب وأدوات البحث العلمي الحر. علما بأن تحديد ماهية المفاهيم الفكرية بصورة علمية تساعد على الاستفادة من المناهج العلمية وأدواتها للوصول إلى حقيقة الاشياء وتحرير معانيها. وبدون ذلك يصبح التعاطي مع البحث العلمي والحوار العقلاني مع منتاجات الغير بالمنهج الكلاسيكي مضيعة للوقت والجهد وضياع في غير سبيل الحقيقة.
ولا نذهب بعيدا فإن الفكر الاسلامي اليوم بألوانه المتعددة يعيش الماضي بمشاكله ويفتح جبهات في أرض الحاضر بقضايا الماضي والاسلاف ومرد ذلك إلى عدم تحرير المفاهيم والضبابية القاتمة في سماء تكوينها في إطار (التدافعية=الفرق، والمذاهب)، و(التحالفية= السيف، والقلم)، كمفهوم النصوص المؤسسة؛ النص الناجز والنص المنفتح، وكمفهوم عدالة الصحابي، وآئمة آل البيت، ودقة مدونات الرواية، وحجية الاجماع، وسلطة السلف، بل وسلطة النص ذاته. كل ذلك يتطلب تطبيق المنهج العلمي بصرامة تكشف عن كيفية انبثاق هذه المفاهيم من السياقات اللغوية والتاريخية المرافقة وربطها بظروف الزمان والمكان واستنطاقها وفهمها في سياقها ومساقها لتكون معاصرة لزمانها ومن ثمة قراءتها وإعادة تركيبها كنص تاريخي يخضع لتأثيرات عوامل شتى، ومراعاة حجم تلك التأثيرات في الدال والمدلول من مفردات تلك المفاهيم.
ويبدو أن خطورة عدم الاهتمام بدقة وتحرير ونقد المفاهيم المؤسسة للفكر الديني بالمنهج العلمي الحر، لا تنعكس على خطأ في الفهم والادراك فحسب، ولا ينعكس على صعوبة التجاوب بين الحاضر والماضي فحسب، ولكن خطورتها تمتد أيضا إلى السلوك، وإلى التصرف الذي يتبعه كل حسب المفهوم الذي ينتهي إليه. ومن ثمة استحالة ممارسة التجديد، والحوار العلمي، والاستفادة مما عند الغير، ولذا فقد تاه الفكر الديني في متاهات خطيرة انعكست على حياة اتباعه الفكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.وخطر هذا الاضطراب وعدم نقد المفاهيم يتعدى ذلك إلى العلاقات البينية والعلاقات الكونية مما يعني عدم تحقيق الاستخلاف واستعمار الارض والمشاركة في الحضارة، بل يعني إعاقة عجلة الحضارة القائمة والمتحركة.
أننا أمام حزمة من المفاهيم قدمت في غلاف مقدس في إطار المثالية والنموذجية التاريخية بحاجة إلى فك وتركيب، وفرز وتميز، وتهذيب وحذف، بأدوات ومناهج البحث العلمي الحر. وهذا ما لا يمكن القيام به من خلال أدوات ومنهج البحث الكلاسيكي الكهنوتي، لأنه مطالب إيمانيا بالتقيد الصارم بتلك المفاهيم الاستراتيجية وعدم الخروج عن تأويلية الاسلاف، إذ يظن أن تأويليتهم وتقعيدهم وتفسيرتهم لتلك المفاهيم تتمتع باستمرارية تواصلية عبر الجغرافية والتاريخ والاجيال وبالتالي فلها سطوتها عند محاولة إعادة قراءتها بمنهج البحث العلمي الحر في سياقها ومساقها. وهكذا يتم خلع القدسية على تلك المفاهيم والتأويلات البشرية والظرفية، وتوظيفها في تأبيد وهم التواصلية على الرغم من تباينها مع الحاضر والمستقبل باعتبار اختلاف الظرفية السياق والمساق والاجيال. وهنا تكمن أزمة البحث العلمي في الفكر الديني التقليدي الذي ظل مضطرب في مراحل تشكله ومتشبعا بالعمق العقائدي والتدافعي بين المذاهب والفرق.
قد يكون هذا التخلف في التفكير والبحث العلمي راسبة من رواسب التخلف الفكري، أو نتيجة لغياب الفكر العلمي مدة طويلة من الزمان لحساب الفكر الديني الكلاسيكي. وقد يكون ناتجا من عدم خلع ثوب القداسة عن تلك المفاهيم، أو عدم إيمان الفكر الديني بمبدأ النقد والحوار لخضوعه لسلطة الاسلاف التواصلية، وبالتالي يمتنع ويتمنع من إعادة النظر في تلك المفاهيم بالفك والتركيب والحذف، وتنقيتها مما ألصق بها في عهود الركود الفقهي، وتخلف الاجتماع السياسي. وبعبارة مؤجزة أن الفكر الاسلامي لم ينجح إلى اليوم في تحقيق القطيعة المعرفية ولذا فهو يعاني من تداخل الأزمنة المعرفية.
وهذا يطرح سؤال عميق معقد بقدر ما هو بسيط بدائي، وهو كيف نفكر في القضايا الاساسية التي يطرحها الحاضر ويرهن بها المستقبل؛ وذلك على مستوى المفاهيم، والفهم، والسلوك، والمشاركة في الحضارة الانسانية؟!!
بعبارة أخرى كيف نؤسس لمصالحة جادة مع الاسلام نفسه، وبالتالي مع خصومه، ومع منتاجات الحداثة المعرفية والعلمية، لإعلان انهاء حالة الاغتراب المعرفي والنفسي التي تعانيها المفاهيم الاسلامية مع حالات الحاضر الذي لا يقر له قرار ولا يستقر لها حال ولا يقنع بالجاهز من المقولات والمفاهيم ؟!!
------------
د. عبد الحكين الفيتوري
كاتب ومفكر وباحث اسلامي ليبي

أُضيفت في: 17 مايو (أيار) 2017 الموافق 19 شعبان 1438
منذ: 2 شهور, 4 أيام, 19 ساعات, 54 دقائق, 31 ثانية
0

التعليقات

131932
شباب مصر على تويتر
  • أعداد نشرة الحركة الوطنية للصحفيين المصريين
أراء وكتاب
حنين الذكرياتحنين الذكرياتدجي سالم 2017-07-19 04:55:07
وبعدين يا سوادوبعدين يا سوادبقلم /حماد حلمي مسلم 2017-07-19 01:42:50
عادة تستحق الإبادة... !عادة تستحق الإبادة... !Nour hossam eldin2017-07-18 14:24:38
الإصلاح الثقافي.. ركيزة التغيير والتنمية في مصرالإصلاح الثقافي.. ركيزة التغيير والتنمية في مصرالدكتور / رمضان حسين الشيخ2017-07-18 13:04:05
المسجد الاقصي يصرخ مجدداالمسجد الاقصي يصرخ مجدداهاله أبو السعود 2017-07-18 06:01:10
عم حسين والاخ الامام ......ومن على شاكلتهمعم حسين والاخ الامام ......ومن على شاكلتهمعادل حسان سليمان2017-07-17 22:03:16
صعقة .. كهرباء !صعقة .. كهرباء !محمد حلمى مصطفى2017-07-17 00:33:02
حكومة الفشله تقود مصر الى الهاويهحكومة الفشله تقود مصر الى الهاويهبقلم/ابراهيم العتر2017-07-16 04:35:06
أبجد هوزأبجد هوزإبراهيم يوسف2017-07-13 22:10:22
حكايات من بلدي..حكايات من بلدي..وليد كريم الناصري2017-07-12 22:40:24
من المستشفى (5)من المستشفى (5)سعيد مقدم أبو شروق2017-07-12 21:59:39
إبداعات
يا قاتلتييا قاتلتيحنان معطلاوي 2017-07-19 05:24:16
سيف المعتصمسيف المعتصمالشاعر أحمد زكريا2017-07-19 05:19:39
حديث الروححديث الروحوجدان شومر2017-07-19 05:14:25
ما لون الحب؟ما لون الحب؟عبير هلال2017-07-19 04:58:36
لو قالولي اختاريلو قالولي اختاريفوقية سليم2017-07-19 04:49:59
ٱذان ...ٱذان ...نصر بن مراد2017-07-19 04:46:03
مقطع من قصيدة " قصة الشتات"مقطع من قصيدة " قصة الشتات"اياد شماسنة 2017-07-19 04:42:46
شرفة الاجوبة ..شرفة الاجوبة ..الشاعرة المغربية نعيمة زايد2017-07-19 04:40:35
راقصات على أنشودة المطر..راقصات على أنشودة المطر..لامية بودشيش2017-07-19 04:37:28
أَحدهم يُحَلّقُ هوَ الآخرأَحدهم يُحَلّقُ هوَ الآخرعادل قاسم2017-07-19 04:33:58
بيحسدونا علي حبنا ليكبيحسدونا علي حبنا ليكراضي النوارجي2017-07-19 04:30:25
مساحة حرة
الدكتور سيف الإسلام بوفلاقة من كلية الآداب جامعة عنابة يُقدم كتاب: الـــثـــــورة الـجــزائريـــــة والإعلامالدكتور سيف الإسلام بوفلاقة من كلية الآداب جامعة عنابة يُقدم...الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة-قسم الأدب العربي-جامعة عنابة2017-07-19 02:52:33
امنيات عاشقامنيات عاشقهشام محمد ابراهيم 2017-07-19 01:00:19
ورانى العذابورانى العذابهانم داود2017-07-18 19:40:12
رحلتىرحلتىهشام محمد ابراهيم 2017-07-17 23:29:04
جنون الحبجنون الحبهشام محمد ابراهيم 2017-07-17 23:22:08
شمس بغدادشمس بغدادهانم داود2017-07-17 09:23:45
مخاطباً إياك !!مخاطباً إياك !!أحلام محمد 2017-07-17 06:11:17
الدكتور سيف الإسلام بوفلاقة   يُقدم كتاب: الـمعلقات وعيون العصورالدكتور سيف الإسلام بوفلاقة يُقدم كتاب: الـمعلقات وعيون...الدكتور محمد سيف الإسلام بـــوفـــلاقـــة قسم اللغة العربية،جامعة عنابة-الجزائر2017-07-16 02:59:59
احلام الشباب فى غزل البناتاحلام الشباب فى غزل البناتعصام صادق حسانين2017-07-15 01:31:04
  • الدكتور أحمد عبد الهادى على الفيس بوك
  • الدكتور أحمد عبد الهادى على تويتر
html slider by WOWSlider.com v8.0
حكومة شباب مصر
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر