GO MOBILE version!
يونيو29201712:25:57 صـشوال31438
راحلون لا محالة
راحلون لا محالة
يونيو29201712:25:57 صـشوال31438
منذ: 2 سنوات, 10 شهور, 26 أيام, 1 ساعة, 51 دقائق, 43 ثانية

لا شيء هنا..
لا جديد يطرأ على هذا الروتين المقيت، هذه الأزقة الموغلة في الِقدم تبقى دائما وفية لعادتها الأزلية بالبقاء على هيأتها الجامدة التي تشبه ساحة مهملة تغص بالجثث وفضلات الحضارة .
لقد بلغت من العمر مايقرب من رُبع قرن، واقتربت من الموتِ خطوة أخرى.
في عديد السنوات الماضية، كنتُ أخاف بشكل جنوني تقدّم السنون، إقترابي من النهاية، وأقوم في كل ذكرى ولادتي عند منتصف اللّيل بكتابة صفحات بيضاء، أعلن بها بداية جديدة لي لا أخطأ بعدها. كأنني قديسة تحبِّرُ صكَّ غفران لنفسها، أو باكية على حائط المبكي تُريد الصفح وأن تبدأ من جديد.
ذات مساء ,توقفت عن هذه العادة ربما بسبب إكتشاف بسيط وهو : " أن الزمن يمكن أن يأخذ أي شكل أو إتجاه إلا أن يكون مستقيما , نحنُ لا نتقدّم في العمر، نحن أقربُ إلى الدوران من السير بخطى واثقة "
تتلاطم الأفكار والمفاهيم وتتصارعُ برأسي التساؤلات ، من أين أتيت حين ولدت بصحراء العرب؟ وإلى أين أمضي؟ أين تكمُن الحقيقة؟ أصبحت تتبيّنُ لي الذكرى هي الحقيقة .
وفي هذه الساعة تحديدا ، وفي موجة الحرّ الحالية، أفكر أن هناك من يقضي يومه في الصحاري يعمل تحت درجة حرارة تفوق الخمسون بكثير، وهناك جنود يحرسون الحدود بزي ثقيل وسلاحٌ ثقيل وهناك آخرون يقاتلون قوات الشر في بلدان تنام على إنفجار لتصحو على قصف، هناك أمهات تلدن تحت الأشجار، وأمهات ترتدين السواد حُزنا على أبنائهُن الراحلين وآخرون يقطعون عشرات الكيلومترات لجلب مياه لعائلاتهم، وهناك من يكون الإستحمام بالنسبة إليهم حلما شبه مستحيل، وهناك من يتمنون أن يمتلكوا ثلاجة، وأقصى النعيم بالنسبة إليهم أن يمتلكوا حنفية في بيوتهم وفي أوطان أخرى، هناك أيضا من يقضي يومه تحت مكيف الهواء البارد وهو يشتكي من الحر وهناك من يقصف صفحات الفايسبوك بالسخرية من اللواتي تذوب مساحيق تجميلهن تحت الشمس وهناك من يشتكي من رائحة العرق وهناك من يقضي يومه في تجربة أرقام هواتف عشوائية لقتل الوقت وقتل القلق، وإزعاج الآخرين
وهناك من يشتكي أنه لا يستطيع ممارسة عادته السرية في ظل هذا الحر ويشتكي من ذلك علنا على صفحته الشخصية لنيل الإعجاب على" جرأته "و" تحرره "من كل القيود ,وهناك من يشتكي من إجتياح الناس للشواطئ ( هم نفسهم من يجتاحون العاصمة للدراسة(هناك كثيرون منهم يجتاحون الحياة ويقطعون أنفاس الآخرين، أنانيتهم هي التي تحرق العاصمة بالقرف والعفن، وجهلهم من يجعل الشمس تشتعل غضبا، وعقولهم الميكروسكوبية تُنافس البكتيريا في الضآلة ، وأرواحهم الشقية تنافس الهمجية على عرشها العريض ، وشتان بين هنا وهناك .
الٱن فهمتُ كلّ شيء , نحن لانمتلكُ حقائق، بل مناطق إرتياح , أهوي باحثة عن الحب، عن الحقيقة والجمال، بحثا عن العدالة، أحاول أن أكتب أو أتكلّم وأن أصرخ وأن أقول : لاَ، أحاول أن أفعل شيئًا في هذا العالم ، أن أجد الله ، أن ألملِم حقيقة بائسة غير موجودة يظن الجميع أنه يملكها. وعندما ينهكني بؤس هذا العالم ،أعود للإحتماء بعزلتي في منازلي القديمة بين ملائكية فيروز , و وحي درويش وكوابيس كافكا وخيال غارسيا ماركيز وعبقرية دوستويفسكي وثورية نيرودا وأحاسيس لوركا وعبثية صمويل بيكيت وإنتظار غودو, وذاكرة واسيني الأعرج ويأس ميلان كونديرا , وجبة الحلاج وجدلية سيف الدولة ,وطفولة مكسيم غوركي وعشق جلال الدين الرومي وفلسفة زوربا , وكل تلك الأشياء الغريبة فقط عندما يُحاصرني الواقع الذي لا أجيد تفكيك مفرداته، ألجأ لهم هناك ,هم من ينيرون لي الطريق , ربما تعلمتُ الكثير في فترة قصيرة، وربما لم أتعلّم شيئًا، إلاَّ أنني صرتُ أحمل بعض الثوابت الواهنة ، كأن لا أٌناقش كثيرًا، وأن أتأكد أننا بعيدون جدًّا عن أن نُمارس نشاطا فكريا حقيقيًّا في هذا الوجود ، نحن نتخبط ، ونسعى، ثم نموت.
الثابت الأكبر في النهاية هو : "أننا راحلون لا محالة وأن الموت بدأ بالتفطن لوجودنا أحياء "

بقلم / إيمان مصطفي محمود
جريدة شباب مصر
28/6/2017
 

أُضيفت في: 29 يونيو (حزيران) 2017 الموافق 3 شوال 1438
منذ: 2 سنوات, 10 شهور, 26 أيام, 1 ساعة, 51 دقائق, 43 ثانية
0

التعليقات

132768
أراء وكتاب
مواقف مخزيةمواقف مخزيةالدكتوره ريهام عاطف2020-05-16 21:28:36
أجراس  التظاهرات تقرع من جديدأجراس التظاهرات تقرع من جديدعلي الكاش2020-05-08 20:43:16
فضيحة فصيحةفضيحة فصيحةحيدر محمد الوائلي2020-05-08 16:36:43
الأخلاق  .. حجر الأساس لبناء مصنا الغاليةالأخلاق .. حجر الأساس لبناء مصنا الغاليةنبيل المنجى محمد شبكة2020-05-08 14:51:32
الغذاء ومرض الزهايمر (الخرف)الغذاء ومرض الزهايمر (الخرف)د مازن سلمان حمود2020-05-07 23:31:28
الأنظمة التربوية قلقة بشأن تقييم الطلبةالأنظمة التربوية قلقة بشأن تقييم الطلبةالدكتور: رشيد عبّاس2020-05-07 10:55:57
هل نحن صائمون أم عن الطعام ممتنعونهل نحن صائمون أم عن الطعام ممتنعوندكتور / محمد زهران زايد2020-05-05 17:39:30
الكورونا.. ماذا لو كانت.. حربا نفسية !!!الكورونا.. ماذا لو كانت.. حربا نفسية !!!الدكتور ميثاق بيات الضيفي2020-05-04 19:51:18
لماذا كان الله وحده القيوم ؟لماذا كان الله وحده القيوم ؟أحمد الديب 2020-05-04 19:23:54
أقلام وإبداعات
لست بإلهلست بإلهالدكتوره ريهام عاطف2020-05-10 05:34:31
كل الطُّرق تؤدي إلى الصفر!كل الطُّرق تؤدي إلى الصفر!مروة عبيد2020-05-09 18:18:42
ليالينا 80 ... في صالون النوستالجياليالينا 80 ... في صالون النوستالجياايفان علي عثمان 2020-05-08 00:03:05
هالة الملح والألوان ... قصيدةهالة الملح والألوان ... قصيدةايفان علي عثمان 2020-05-06 12:43:42
النحات ... إقنعة الضوءالنحات ... إقنعة الضوءايفان علي عثمان 2020-05-05 22:11:49
نسياننسيانالشاعر / أيمن أمين2020-05-04 19:09:51
فتاة غير تقليديةفتاة غير تقليديةالدكتوره ريهام عاطف2020-05-04 05:48:44
مساحة حرة
أحمد المنياوي ، صديق بدرجة أخأحمد المنياوي ، صديق بدرجة أخعمرو أبوالعطا 2020-05-08 23:43:46
في وقت الشدائدفي وقت الشدائدد. عبدالله ظهري2020-05-08 12:20:56
سر الجاذبيةسر الجاذبيةكرم الشبطي2020-05-06 18:26:43
هي فرصة خير .. فعسى أن نكره ما هو خير لناهي فرصة خير .. فعسى أن نكره ما هو خير...حاتم عبد الحكيم عبد الحميد 2020-05-06 16:44:23
خواطر أكتبها للمستقبل (فيروس كورونا) 7 -12خواطر أكتبها للمستقبل (فيروس كورونا) 7 -12سعيد مقدم أبو شروق2020-05-06 08:13:08
ذكريات الاصدقاءذكريات الاصدقاءكرم الشبطي2020-05-04 18:22:10
عربيعربيكرم الشبطي2020-05-02 19:48:12
html slider by WOWSlider.com v8.0
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر