GO MOBILE version!
أكتوبر1020171:09:08 صـمحرّم181439
أنا أحب الفول النابت
أنا أحب الفول النابت
أكتوبر1020171:09:08 صـمحرّم181439
منذ: 9 شهور, 6 أيام, 6 ساعات, 14 دقائق, 58 ثانية

أهوى الوردة البيضاء ، وقطرات المطر التي تهطل في رقة من سماء خجولة ، والبنات الجميلات قبل زواجهن ، والفول النابت .
عن الفول النابت أكتب وأتهيء لأن أرفع قدره ، وأعلي من شأنه بعد أن أصابته لعنة الفقر وعنجهية من حاولوا المساس بدوره التاريخي العظيم .
عندما كنت أسير مرة في إحدى شوارع مدينة (الدمام ) ، بالتحديد في مخطط 8 حيث بيت ( فهد المصبح ) القديم ـ وقبل ان ينتقل لبيته الجديد ذي السلم الداخلي حيث سافرت قبل ان ينقل عزاله إليه ـ صاح ولد شقي ببشرة سمراء ،و هو يشير نحوي : فول .. فول !
فرّ هاربا بفعلته الشنعاء ، ولقد تحسست عنقي ، ورأيت أن الكلمة التي تكررت مرتين دون أن يتلوها وصف أو حتى خبر بدت مقنعة جدا، حالة كوني غريبا ، وأداهم شوارع حارة جدا ورطبة .
فمما لا شك فيه أن الفول هو هويتنا ، ولو كنت من المسئولين المتنفذين لغيرت صورة النسر الكالح إلى قدرة فول معتبرة فهي أوقع وذي دلالة لا تخيب !
أنا بالفعل أحب الفول المدمس ، ولا أشعر أنني أفطرت فعلا إلا إذا جلست على منضدة كبيرة بالمكتبة مع عدد من الزملاء والزميلات في حصة خالية والتهمنا منه ما لذ وطاب .
الفول عصامي ولا يعرف الطبقية ولكنه يعرف الطبق وهناك فرق كبير بين المصطلحين . لا طبقية في الفول لأن أغنى واحد من شعب مصر المحروسة يأكل منه بشراهة ، وأقل فقير برتبة إسكافي أو حوذي لا يجد غضاضة في أن يتناوله كل صباح بأريحية بالغة ، وهو يحمد الله على خيره : (ديمها علينا نعمة يارب ! ).
الفول وحـّـد الشعب المصري أكثر مما فعل الأغريق والفرس والروم والعرب والأنجليز وأصحاب الكابات الزرقاء في الحملة الفرنسية التي دخلت " الشعراء " فجعلت أعين النساء خضراء .
وهي معلومة يسوقها أهل مدينتي ليغيظوا بها سكان قرية " الشعراء " الذين سرقوا منهم صنعة الموبيليا وطوروها وباعوها برخص التراب ..
لكن لاشأن لذلك بالفول ، الذي هو لاطبقي بتاتا ، لكن تقاليد الإفطار تستوجب نزول رب البيت بالطبق ليطلبه بزيت حار أو زيت زيتون أو بطحينة ، أو خالص ، لتقوم الست ـ إن قامت ولم تكن نؤوم الضحى ـ بتجهيزه وتسبيكه ، وهندسته بقطع الليمون وقرون الشطة وأعواد البقدونس .
لكن أنا أتحدث عن الفول النابت وهو نوع من الفول الخام كل ما نفعله معه أن ننقعه في النسيان ، ونغـّـير عليه الماء ، ليوم أو أكثر قبل أن " نشوحه " في الزيت ونقلبه في ملح قليل ، قبل أن ننتشله ـ بعون الله ـ لنضع عليه الماء وأعواد النعناع وقليل من الشطة ( شطة أهل أم درمان وساكني فرع السوباط ) ، ونصف حبة ليمون .
ما ألذ هذه الوجبة الرخيصة الخفيفة الشهية التي لها أكثر من عشر فوائد أوجزها في أنها أكلة العشاق والمحبين وكتاب شعر الحداثة مما تشن عليهم ـ من قبل عسس الأنظمة الأصولية وشيوخها المبجلين ـ دوريا حملات تطهيرية ( للترهيب والترغيب ) تشبه حملات شرطة المرافق على الباعة الجائلين أمام جامع البحر في مدينتي، فيفرون لحظات حتى تذهب الشرطة فيعودون .
الفول النابت طيع وشهي ولذيذ ولكن هذا بالطبع لا يكفي كي أقع في غرامه ، لكن ما حببني إليه وحببه فيّ أن الست (أم احمد ) كانت تجلس بطست نحاسي كبير في ميدان سوق الحسبة ـ ونحن في مرحلة الصبا ـ لتبيع منه بالمليم والمليمين ، وكنت أذهب لأشتري منها وأتملى وجه كوثر ابنتها التي كان لها شعر أصفر وعيون واسعة يسكنها غيط برسيم .
كنت أشتري فتغمز لي البنت أن أنتظر حتى تأتي معي لأزاحم لها في طابور العيش وحين يأتي دوري تندفع هي للشراء ،وتمنحني ابتسامة و..... ـ هنا تحذف كلمة أساسية لضرورات رقابية ـ وكانت عشر أرغفة تباع يومها بقرش واحد .
هذا السبب التاريخي لا يمنع من إخفاء سبب فرعي وهو أن أمي حينما قررت ختان ثلاثتنا من الذكور ونفرنا من المسألة وعدتنا بأن تشتري لنا عنبا ملوكيا ، ولما تمت الجراحة على يد (عم طاهر) لم تقدم لنا العنب وجاءت بأطباق الفول النابت فربطت ـ أنا ـ هذا بذاك وكنت أعرف أن الألم سيذهب ولكن " عذابي فات " قبل أن يمر (عام الفيل ) ، وهو العام الثالث من عمري على وجه التقريب الذي يأتي فيه السيرك الهندي ويمر تحت شرفتنا فيل ضخم جدا ، أتسلل من النافذة لألمس جلده المغضن فيمضي دون أن يشعر بي أو ينظر نحوي ، لكنه يترك داخلي إحساسا بالسعادة أنني لمست الفيل المزركش غطاؤه دون أن أضطر للذهاب إلى الغابة ، والاصطدام بالأسد وحرمه ( اللبؤة المصون ) !
الفول النابت موصوف للمحبين ، نعم ، ممن اكتووا بنار العشق ، فباتوا وهم يتقلبون على جنوبهم من الحسرة والتعاسة أن الحبيب بعيد ، والليل بهيم لا ينجلي .
هنا يلعب الفول النابت دوره في تخفيف اللوعة ، فطبق مليء بالفول النابت سيخفف من القلق ، ونزعات التوتر حيث يقوم ( المحب ) بخلع القشرة الهينة اللينة من جسد الفولة المنقسمة نصفين ، دون ان يضطر لفك الاشتباك بين الريشة والجذير ، وقبل أن يلقمها حلقه سيعرف أن الله ـ مصرف أمور الكون ـ له حكمة في أن يخلق الفولة من شطرين أو فلقتين ، يغلفهما قشرة بنية أو وردية ، وهو ما يردنا لخلقه الرجل والمرأة في نصفين لا تكتمل الحياة إلا بهما ، ولا يعمر الكون إلا باتحادهما ، وهي حكمة ، وفلسفة كونية عليا يدركها من شغف قلبه حب الفول النابت .
ثم لنتوقف أمام الكلمة لغويا ( فول نابت ) أفتح معي المعجم اللغوي لتجد أن ( نبت ) الزرع نبتا ، ونباتا ، نشأ وظهر من الأرض . ويقال : نبتت لهم نابتة : نشأ لهم نشء صغار . ( أنبتت ) الأرض : أخرجت النبات ، ويقال : أنبت الله البقل : أخرجه من الأرض . وأنبت الله الصبي نباتا حسنا . ( نبت ) الزرع : بدا لأول ما يظهر من الأرض .
فوق سطح بيت جدي الحاج توفيق الفيل الذي زار مقام النبي وبكى على شباكه وصلى في الروضة الخضراء اكتشفت أن سقف المسقط العالي جدا " الشخشيخة " تطع منه زهور بيضاء بعد هطول المطر باسابيع فكبشت حفنة فول وأودعتها هناك ، وصدق حدسي أن رأيت قدرة الله في (الفولة ) حين تنشق ، فتصعد الريشة للفضاء ويشق الجذير الغلاف السميك ليشبط في أي سطح كأنه يتمسك بالحياة .
فكرة الخلق عرفتها فوق السطح قبل أن أعرف سوسن ، وقبل أن أكتشف العلاقات المريبة بين ديكنا الذي يصيح كل فجر بانتظام وبين عدد من الدجاجات التي كنت أراها في غاية الطهر والنقاء قبل أن أرى ما رأيت ، لأكتشف أن بقاء العالم مرهون بذلك الفعل الطقسي المجنون الذي يتحول مع الزمن إلى عبء ثقيل .
لكننا مع الفول النابت ، وما سقناه هنا من خروج وانزياحات هي مسألة ترجع إلى تيار ما بعد الحداثة ، حيث يقوم الكتاب الموتورون بدس السم في العسل ، وتحريك شهية البشر لأكلة فول نابت عبر اللغة ، وهي لعبة يتقنها هؤلاء الفاسقون المارقون الذين هم ـ إن شاء الله مع أدونيس والبياتي ومحمود درويش ـ حشو النار وبأس المصير .
لا غضاضة أن أنتهي هنا ـ واقسم بالله تعالى أنني فعلا كنت أسخن حلة الفول النابت وجاء صوت هيثم ليخبرني أن الفول قد غلى ـ وعلي أن أمتع نفسي بمذاقه اللذيذ بعد أن فضحته أمام البشرية ، وجعلته فرجة للناس كافة ، وهو الذي علمنا في شمم وإباء أن يقوم بدوره التاريخي في صمت يليق بالزهاد والمتصوفة والموعودين !!

أُضيفت في: 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2017 الموافق 18 محرّم 1439
منذ: 9 شهور, 6 أيام, 6 ساعات, 14 دقائق, 58 ثانية
0

التعليقات

135184
  • نيو كوست
  • eagle
أراء وكتاب
معركة بدر فى خرافات السيرةمعركة بدر فى خرافات السيرةد.أحمد صبحي منصور2018-07-12 02:03:15
حلويات الحاكم أكاذيبهحلويات الحاكم أكاذيبهد. فايز أبو شمالة2018-07-10 04:05:03
لا اريده معى فى الجنةلا اريده معى فى الجنةعادل عبدالستار العيلة 2018-07-09 12:38:16
أيها المصلحون ضاق بنا العيش !أيها المصلحون ضاق بنا العيش !أحمد محمود سلام2018-07-07 13:33:51
فاقد الشئفاقد الشئحسن غريب أحمد2018-07-05 23:19:31
الثورة والشباب...!الثورة والشباب...!جمال غريس2018-07-04 15:30:29
النشاط الصيفى وأثره على الطلابالنشاط الصيفى وأثره على الطلابمصطفى التونى2018-07-04 08:45:12
إبداعات
القادم أخطر مما مرالقادم أخطر مما مركرم الشبطي2018-07-14 00:45:34
أنا مُــــتأنا مُــــتشفيق السعيد2018-07-13 05:47:38
نصوص مرئيةنصوص مرئيةمصطفى محمد غريب 2018-07-12 18:19:52
رياح الندم ...رياح الندم ...جمال غريس2018-07-12 15:42:22
مُعَلَّقَةُ كِتَابِ الْحُبْمُعَلَّقَةُ كِتَابِ الْحُبْمحسن عبد المعطي محمد عبد ربه2018-07-11 16:38:23
طفرة سريعة من الكرمطفرة سريعة من الكرمكرم الشبطي2018-07-09 22:54:12
حالة من الغروبحالة من الغروب سامح فكري رتيب2018-07-09 17:39:02
حِضْنِ الْإِبْدَاعْحِضْنِ الْإِبْدَاعْ محسن عبد المعطي محمد عبد ربه 2018-07-08 13:52:39
.إِلَى حَبِيبَةِ الْقَلْبْ.إِلَى حَبِيبَةِ الْقَلْبْ محسن عبد المعطي محمد عبد ربه2018-07-07 07:55:13
حبيبتي الغاليةحبيبتي الغاليةسامح فكري رتيب2018-07-06 10:40:33
حياة النبض قلب قلمحياة النبض قلب قلمكرم الشبطي2018-07-06 10:27:48
رائعة القصِّ الرمزى : ملائكةُ وشياطينرائعة القصِّ الرمزى : ملائكةُ وشياطين ابراهيم امين مؤمن2018-07-06 02:54:22
مساحة حرة
شعب قرية منبال .. لا للفتنةشعب قرية منبال .. لا للفتنةرفعت يونان عزيز 2018-07-11 13:45:41
دعوه لكي نتصالح مع انفسنادعوه لكي نتصالح مع انفسنانزار النادي الاقطع2018-07-11 10:34:25
الحمامة واليمامة (6)الحمامة واليمامة (6)سعيد مقدم أبو شروق2018-07-10 14:37:33
ضربات القدر 30ضربات القدر 30حنفى ابو السعود2018-07-10 12:59:35
الحمامة واليمامة (5)الحمامة واليمامة (5)سعيد مقدم أبو شروق2018-07-09 07:23:06
عايش فى غلبعايش فى غلبهانم داود2018-07-09 07:16:40
ضربات القدر 29ضربات القدر 29حنفى ابو السعود2018-07-08 22:46:20
منى المذبوح ... ؟؟؟منى المذبوح ... ؟؟؟ناديه شكري 2018-07-07 22:35:14
ضربات القدر 28ضربات القدر 28حنفى ابو السعود2018-07-07 03:36:47
الحمامة واليمامة (4)الحمامة واليمامة (4)سعيد مقدم أبو شروق2018-07-05 09:52:11
اسكندرية مارية ولكناسكندرية مارية ولكنياسمين مجدي2018-07-04 20:31:52
  • أسعار التذاكر الدولية
  • مصر للطيران
html slider by WOWSlider.com v8.0
we
شيفرولية
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر