GO MOBILE version!
يناير26201810:58:16 مـجمادى أول91439
الطريق إلى فرساي
الطريق إلى فرساي
يناير26201810:58:16 مـجمادى أول91439
منذ: 4 سنوات, 6 شهور, 12 أيام, 11 ساعات, 47 دقائق, 50 ثانية


كان الملك لويس السادس عشر يظن أن الأقدام التي تدب في الميادين بعيدا عن فرساي لن تستطيع التقدم نحو بلاطه المقدس، وحين همس أحدهم في أذنه بما يدور حوله، سأل مستنكرا: "هو التمرد إذن؟" فرد حواريه: "بل هي الثورة سيدي." ولم يدرك الحاكم بأمر السماء خطورة الموقف إلا عندما وقفت ستة آلاف امرأة بين يديه ليطالبنه بحق أبنائهن في الطعام. يومها خرج خليفة الرب من قصر فرساي ليعود صاغرا إلى باريس تمهيدا لمحاكمة شعبية وشيكة.
حكم لويس الفرنسيين باسم الرب، وزين له حفنة من الكهنة المنتفعين سوء عمله، ففرض على البائسين مزيدا من البؤس، وحاول أن يملأ خزانته الخاوية بضرائب أثقلت كاهل المستضعفين. وحين استبد الرجل وكهنته وثلة من النبلاء الفاسدين بخيرات فرنسا، مادت الأرض التي ظن أنه ظل الرب فوقها من تحت قدميه وتحولت بين عشية وضحاها إلى لعنة تطارده حتى المقصلة.
يوما تقدم أحد وزراء الرجل باستقالة مسببة إليه، ولما انصرف من قصره، نظر لويس في عيني زوجته متحسرا، وقال: "ليتني أستطيع أن أفعل مثل ما فعل." لكن البطانة الفاسدة حتما كانت تصور للرجل أنه سر بقاء فرنسا على الخارطة، وأن الله يبارك الوطن لأجل ذاته المقدسة. لم يكن الرجل يظلم الناس باسمه، لكنه كان يمهر كل مظلمة وكل مفسدة باسم الرب، وبمباركة واسعة وتأييد مطلق من كهنة المعبد الذين نسوا الله وعبدوا الطاغوت فأنساهم أنفسهم.
ولما هم الفرعون السادس عشر بالتجرد من زينته، خرج من التاريخ وحده، وبقيت فرنسا أقوى وأعظم وأمجد. وتحولت بعده المملكة الفقيرة إلى امبراطورية عظمى حكمت الشرق والغرب، وحاكمت زمرة الشر والفساد وأسست لدولة مدنية لا يستطيل فيها حاكم برأسه، ولا كاهن بزيه، ولا يتميز فيها نبيل عن فقير إلا بالدستور والعمل الصالح.
كان ثوار فرنسا يعرفون وجهتهم، ويحملون في أيمانهم دستورا يحفظ آدميتهم ويضمن حقوقهم، ويحملون في قلوبهم عزيمة لا يغيرها كرسي ولا زي ولا وعد مكذوب. ولهذا نجح الفرنسيون حيث فشلنا، وعادوا إلى بيوتهم مطمئنين إلى عيش كريم، وحرية مقيمة، وعدالة دائمة، بينما عاد المصريون من ميادينهم بخفي وعد لن يتحقق حتى يلج الجمل في سم الخياط.
ظل الفرنسيون يتابعون مسار ثورتهم أكثر من عشر سنوات، وحين رأوها تنحرف عن مسارها، خرجوا عن مسارهم السلمي ليعيدوها سيرتها الأولى. ونجح الفرنسيون في التخلص من حكم ملكي جائر ظل يظلم الناس باسم الرب ويتحكم في رقاب العباد وأرزاقهم دون وازع من دين أو خلق. ومع رحيل الملك، رحل الطبالون والكهنة المزيفون من معابد التاريخ، وعادت فرنسا للكادحين من أبنائها ليقطفوا ثمار الثورة اليانعة.
لا أريد هنا بالطبع أن أقلل من شأن ثورتنا التي حركت كل ذي كبد رطب من أطراف الأرض إلى أطرافها. فقط أردت أن أذكر أن التاريخ لا يجامل، وأن سنن الله في الكون باقية ما بقي الليل والنهار، وأن التكتل وراء الأشخاص يضل ويعمي، وأن التكتل خلف الأهداف العليا والغايات السامية هو الضمانة الأكيدة لنجاح أي ثورة وكل ثورة.
عبد الرازق أحمد الشاعر
[email protected]

أُضيفت في: 26 يناير (كانون الثاني) 2018 الموافق 9 جمادى أول 1439
منذ: 4 سنوات, 6 شهور, 12 أيام, 11 ساعات, 47 دقائق, 50 ثانية
0

التعليقات

137637
أراء وكتاب
9 علامات للرجل الخاطئ9 علامات للرجل الخاطئمروة عبيد2021-04-25 13:23:03
وجد عندها رزقاوجد عندها رزقامحمد محمد علي جنيدي2021-04-24 14:20:24
في القدس ثورةفي القدس ثورةكرم الشبطي2021-04-23 18:36:12
الثقافة الجماعية وشعوب رشيقة الفكرالثقافة الجماعية وشعوب رشيقة الفكرحاتم عبد الحكيم عبد الحميد 2021-04-23 16:07:27
السيدة خديجة والحصارالسيدة خديجة والحصارحيدر محمد الوائلي2021-04-22 17:21:52
لماذا تشوهون صورة مصر؟لماذا تشوهون صورة مصر؟ ياسمين مجدي عبده2021-04-21 16:16:46
** موكب الملوك **** موكب الملوك **عصام صادق حسانين2021-04-21 14:43:18
الطاعات الواجبة في أصول الفقهالطاعات الواجبة في أصول الفقهسامح عسكر2021-03-10 23:30:23
كن مسلما متوازناكن مسلما متوازنامستشار / أحمد عبده ماهر2021-03-10 23:26:01
أبو لهب المعاصرأبو لهب المعاصرحيدر حسين سويري2021-03-10 20:10:27
التحرش وطفلة المعاديالتحرش وطفلة المعاديرفعت يونان عزيز2021-03-10 16:10:44
أقلام وإبداعات
لابصم بالدم فتحاويلابصم بالدم فتحاويسامي إبراهيم فودة2021-04-23 16:47:46
عدوان واحد يستهدف هوية المكانعدوان واحد يستهدف هوية المكانشاكر فريد حسن 2021-04-21 10:19:16
جذور الفتوة في الإعلام المصريجذور الفتوة في الإعلام المصريهاجرمحمدموسى2021-04-20 15:30:00
النت المنزلى .. وخداع الشبكاتالنت المنزلى .. وخداع الشبكاتفوزى يوسف إسماعيل2021-04-20 12:53:08
يا حبيبتي اكذبييا حبيبتي اكذبيكرم الشبطي2021-04-19 18:58:27
العقرب الطائرالعقرب الطائرابراهيم امين مؤمن2021-03-08 05:40:45
لقاء بلاموعد حسن محمد قره محمدلقاء بلاموعد حسن محمد قره محمدحسن محمد قره محمد2021-03-07 13:17:20
جمال ثورة المرأةجمال ثورة المرأةكرم الشبطي2021-03-07 11:19:28
مساحة حرة
حواري مع مرشح الواحاتحواري مع مرشح الواحاتحماده خيري2021-04-20 14:04:52
9 علامات للرجل الخاطئ9 علامات للرجل الخاطئمروة عبيد2021-04-18 12:12:29
يا أمة القشوريا أمة القشوركرم الشبطي2021-03-02 22:33:06
وجاء عصر مسيلمة الكذاب .......!وجاء عصر مسيلمة الكذاب .......!د / رأفت حجازي 2021-03-02 14:26:57
لادهم ابو المجد ومحسن ممتاز ... السلاملادهم ابو المجد ومحسن ممتاز ... السلامايفان علي عثمان 2021-03-02 05:05:18
قبل الختام يجب الكلامقبل الختام يجب الكلامهاجرمحمدموسى2021-03-02 02:13:28
المطلقة في مجتمعناالمطلقة في مجتمعناالدكتوره ريهام عاطف2021-03-01 16:23:30
من أحسن إلي..كيف أجازيه؟من أحسن إلي..كيف أجازيه؟إيناس ثابت2021-02-28 17:39:16
** المحتالين المستتر منهم والمستخبى **** المحتالين المستتر منهم والمستخبى **عصام صادق حسانين2021-02-27 23:54:38
html slider by WOWSlider.com v8.0
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر