GO MOBILE version!
نوفمبر30201810:32:17 مـربيع أول211440
شهيد سفارة آخر
شهيد سفارة آخر
نوفمبر30201810:32:17 مـربيع أول211440
منذ: 3 سنوات, 5 شهور, 26 أيام, 4 ساعات, 25 دقائق, 34 ثانية


أجبرته قسوة الحياة بعد الدراسة على التفكير في السفر إلى أي مرفأ آمن، وكغيره من شباب قريته البائسين قرر أحمد محمد حلمي الصعيدي أن يلقي بأحلامه فوق أي سفينة آيلة للفرار. ونجا أحمد بفضل دعوات الحاجة عايدة من غوارب الأمواج، لتستقر قدماه أخيرا فوق مرفأ فرنسي بارد. وهناك، استطاع أن يوظف مهاراته البدائية وحاجته الملحة للمال والأمن في البقاء فوق التراب الفرنسي أحد عشر عاما ونيف. وأخيرا، قرر أحمد أن يدخل دنيا، لكنه لم يكن يعلم أنه على وشك الخروج منها إلى الأبد.
عاد أحمد ليكمل نصف دينه بالزواج من بسنت عاطف الكردواي المقيمة بمدينة سمنود بمحافظة الغربية، وليحملها إلى عش زوجية متواضع بناه في قرية مجاورة. وفي "كفر الثعبانية" زرع أحمد شجرة حلم لم يقدر له أن يراها أو يجني ثمارها. وغادر الشاب البالغ من العمر واحدا وثلاثين عاما بيته الآمن بعد أن أوصى زوجته على أمه وطفلته التي لم يكن يعلم أنه لن يشارك في تربيتها.
سافر أحمد إلى بلاد الجن التي غادرتها الملائكة على عجل، لتنقطع أخباره ورسائله التي كانت زاد زوجته الشابة في ليالي الوحشة. ولأن أحمد لم يعد العدة لاختفاء قسري مفاجئ، لم يكن مضطرا لإعطاء أرقام رفاقه في السكن لزوجته أو لأحد من أفراد أسرته. ويوما بعد يوم، تحول الصمت إلى كابوس، قبل أن يتحول في النهاية إلى يأس مطبق. طرقت الأسرة البسيطة كل الأبواب التي تعرفها، فلم تحصل على رد يشفي غليل أم لا تكاد تنام، وزوجة لا تكف عن البكاء.
وبعد تسعة أشهر من البكاء المتواصل، جاءت السفارة المصرية في فرنسا بالنبأ اليقين. "مات أحمد .. نشاطركم الأحزان. فلتشاطرونا التكاليف." وهكذا تحول اليأس إلى واقع تعس على الأسرة أن تتحمله وأن تدفع تكاليفه كلها. أسرة مصرية بائسة ألقت حلمها الأكبر في عرض البحر طامعة في مستقبل أفضل وحياة أقل صعوبة، فرده الموج إليها برقية حزن مقتضبة. ولكن أين جثة الفقيد؟ وكيف مات؟ ولماذا تأخرت السفارة في إبلاغ أسرته بنبإ وفاته خمسة أشهر عجاف قضاها الفقيد في ثلاجة الموتى حتى تعفن؟ ولماذا تحملت السفارة رائحة الشكوك التي تزكم أنوف أهله وذويه هنا ولم ترده جسدا كاملا ليدفن في مقابر أسرته؟
كيف يصلي الناس على برقية بالنبأ، فيما تختفي الجثة والحقيقة هناك؟ وكيف يدبر المأسوف على حلمهم مبلغا يتجاوز المئة ألف جنيه مصري ولا حول لهم ولا رصيد؟ وماذا لو أرادت الأم أن تزور ولدها عند قبره لتقرأ عليه الفاتحة أو تزرع عودا أخضر أمام مقبرته؟ هل لقن الفرنسيون ولدها الشهادة عن موته؟ وهل يجوز التشهد بلغة فرنسية عند الموت؟ بين أحضان من سقط الفارس المصري هناك؟ وهل كانت موتة مفزعة؟ هل طارده أحد حتى الموت؟ أم تراه مات وحيدا بائسا في مشفى لم يزره به أحد؟
من حق الأم أن تسأل كيف مات ولدها، ومن حق تالين أن تزور قبر أبيها ولو بعد حين، ومن حق زوجته أن تسأل كيف مات مريضا كما يشاع، وهو الذي لم يشك من مرض قط؟ هل تتجاوز أمراض الغربة منطق الأشياء، فتختار ضحاياها من الهاربين من مدن الكآبة، لتفتك بهم في بلاد المن والسلوي دون شفقة؟ وهل كان الموت يتربص بشاب وقف على قدميه حتى أبواب الطائرة وهو يلوح بيد ويمسح دموعه المنهمرة بالأخرى؟
لماذا دفن أحمد بعد خمسة أشهر كاملة في ثلاجة الموتى، وكان حقا على السفارة أن تعيده إلى أهله جسدا سالما حتى وإن غادرته الروح لتقطع الشك باليقين، قبل أن تطالب أهله بدية دفنه في مقابر الصدقة هناك، خاصة وأنه لم يمزق جواز سفره كما يفعل الفارون من بلاد الحزن عادة؟ ولماذا لم يعيدوه بشكل يليق به أو بإقامة سارية على جوازه الذي تركه ورحل؟ أسئلة لا زال أهل القرية الطيبين يتداولونها فيما بينهم آملين أن يتناولها الإعلام بقدر يتناسب وحرمة مصري فقد حياته وجسده في بلاد تحترم المقيمين على أرضها أحياء وأمواتا. مات مصري آخر أيها الإعلاميون الشرفاء، لكن أحدا منكم لم يصل عليه صلاة الغائب، ولم يشترك في نبش قبره لمعرفة أسرار دفنه بشكل مهين بعد أن ظل بثلاجة الموتى خمسة أشهر كاملة؟ وأخيرا، ماذا لو عجزت تالين عن تسديد دين سفارة لم تحسن التعامل مع أبيها حيا ولا ميتا؟

عبد الرازق أحمد الشاعر
[email protected]

أُضيفت في: 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 الموافق 21 ربيع أول 1440
منذ: 3 سنوات, 5 شهور, 26 أيام, 4 ساعات, 25 دقائق, 34 ثانية
0

التعليقات

144056
أراء وكتاب
9 علامات للرجل الخاطئ9 علامات للرجل الخاطئمروة عبيد2021-04-25 13:23:03
وجد عندها رزقاوجد عندها رزقامحمد محمد علي جنيدي2021-04-24 14:20:24
في القدس ثورةفي القدس ثورةكرم الشبطي2021-04-23 18:36:12
الثقافة الجماعية وشعوب رشيقة الفكرالثقافة الجماعية وشعوب رشيقة الفكرحاتم عبد الحكيم عبد الحميد 2021-04-23 16:07:27
السيدة خديجة والحصارالسيدة خديجة والحصارحيدر محمد الوائلي2021-04-22 17:21:52
لماذا تشوهون صورة مصر؟لماذا تشوهون صورة مصر؟ ياسمين مجدي عبده2021-04-21 16:16:46
** موكب الملوك **** موكب الملوك **عصام صادق حسانين2021-04-21 14:43:18
الطاعات الواجبة في أصول الفقهالطاعات الواجبة في أصول الفقهسامح عسكر2021-03-10 23:30:23
كن مسلما متوازناكن مسلما متوازنامستشار / أحمد عبده ماهر2021-03-10 23:26:01
أبو لهب المعاصرأبو لهب المعاصرحيدر حسين سويري2021-03-10 20:10:27
التحرش وطفلة المعاديالتحرش وطفلة المعاديرفعت يونان عزيز2021-03-10 16:10:44
أقلام وإبداعات
لابصم بالدم فتحاويلابصم بالدم فتحاويسامي إبراهيم فودة2021-04-23 16:47:46
عدوان واحد يستهدف هوية المكانعدوان واحد يستهدف هوية المكانشاكر فريد حسن 2021-04-21 10:19:16
جذور الفتوة في الإعلام المصريجذور الفتوة في الإعلام المصريهاجرمحمدموسى2021-04-20 15:30:00
النت المنزلى .. وخداع الشبكاتالنت المنزلى .. وخداع الشبكاتفوزى يوسف إسماعيل2021-04-20 12:53:08
يا حبيبتي اكذبييا حبيبتي اكذبيكرم الشبطي2021-04-19 18:58:27
العقرب الطائرالعقرب الطائرابراهيم امين مؤمن2021-03-08 05:40:45
لقاء بلاموعد حسن محمد قره محمدلقاء بلاموعد حسن محمد قره محمدحسن محمد قره محمد2021-03-07 13:17:20
جمال ثورة المرأةجمال ثورة المرأةكرم الشبطي2021-03-07 11:19:28
مساحة حرة
حواري مع مرشح الواحاتحواري مع مرشح الواحاتحماده خيري2021-04-20 14:04:52
9 علامات للرجل الخاطئ9 علامات للرجل الخاطئمروة عبيد2021-04-18 12:12:29
يا أمة القشوريا أمة القشوركرم الشبطي2021-03-02 22:33:06
وجاء عصر مسيلمة الكذاب .......!وجاء عصر مسيلمة الكذاب .......!د / رأفت حجازي 2021-03-02 14:26:57
لادهم ابو المجد ومحسن ممتاز ... السلاملادهم ابو المجد ومحسن ممتاز ... السلامايفان علي عثمان 2021-03-02 05:05:18
قبل الختام يجب الكلامقبل الختام يجب الكلامهاجرمحمدموسى2021-03-02 02:13:28
المطلقة في مجتمعناالمطلقة في مجتمعناالدكتوره ريهام عاطف2021-03-01 16:23:30
من أحسن إلي..كيف أجازيه؟من أحسن إلي..كيف أجازيه؟إيناس ثابت2021-02-28 17:39:16
** المحتالين المستتر منهم والمستخبى **** المحتالين المستتر منهم والمستخبى **عصام صادق حسانين2021-02-27 23:54:38
html slider by WOWSlider.com v8.0
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر