GO MOBILE version!
ديسمبر1920181:46:04 صـربيع آخر91440
الوامضون في سماء كابية
الوامضون في سماء كابية
ديسمبر1920181:46:04 صـربيع آخر91440
منذ: 5 شهور, 29 أيام, 4 ساعات, 31 دقائق, 34 ثانية

الوا مضون في سماء كابية

ذات تحد، جلس هيمنجواي مع رفاق الأدب على طاولة الود، فأسر لهم برغبته في كتابة قصة لا تتجاوز ست كلمات، فضحك جلساؤه ساخرين من شطحته المجنونة. فما كان منه إلا أن أخرج عشرة دولارات من جيبه، وطالبهم جميعا بإخراج ورقات من نفس الفئة ووضعها على الطاولة. كان رفاق الأدب يعلمون قدر الأديب، لكنهم كانوا على ثقة من أن أوراقه النقدية ستوزع عليهم بالتساوي بعض لحظات، ولهذا لم يترددوا في الاستجابة لرهانه الخاسر حتما. أخرج همنجواي من جيبه ورقة وكتب عليها ومضته المدهشة: "معروض للبيع .. حذاء طفل .. لم يلبسه." وتداول الرفاق حروفه واجمين، ليكرر أحدهم تلو الآخر: "فعلها بابا." (هكذا كانوا ينادونه).
هيمنجواي الذي جعل عجوزه "سنتياجو" يصارع سمكة في مضمار يمتد أربعة وستين صفحة من القطع المتوسط على امتداد ثمانين يوما فوق سواحل كوبا، ينجح أخيرا في اجتياز حواجز الكلمات ليسكب رواية كاملة في كلمات ست يدهش بها رفاقة. كان الرجل يدرك أن الثرثرة خلق يليق بالصحافي لا بالأديب، وأن رش الأحرف فوق صفيح الأذن الملتهب، لا ينتج إلا نوعا رديئا من الكنافة اللغوية غير المستساغة. صحيح أن قصته القصيرة جدا لم ترشحه لنوبل ولم تؤهله لنيل جائزة البوليتزر كما فعلت رائعته "العجوز والبحر"، لكنها أثبتت أنه قادر على إرسال صواعقه الأدبية في أي فضاء يشاء، وأنه سيد الإطناب وعمدة الإيجاز في الأدب الأمريكي المعاصر وعلى مر العصور.
الأديب الحق قادر على تسور حصون المعنى مهما قلت الكلمات، وعلى اقتناص فرائسه بأقل عدد من الحروف. لكن المتشبهين من الصحفيين بالأدباء، تراهم يخوضون كالذي خاضوا، لكنهم لا يبقون ظهرا ولا يقطعون واديا. وقد أدرك أرباب الكلمة من المفكرين والخطباء العرب هذا المعنى جيدا، فكان أحدهم (سعد زغلول) يكتب لصاحبه (عبد الرحمن فهمي): "معذرة على الإطالة، لأن الوقت لم يسعفني للاختصار."
في هذه الأيام النحسات، خرج علينا بعض المتشبهين بهيمنجواي، ممن أرادوا السير على نهجه، لكنهم لم يمتلكوا فرسا كفرسه ولا قلبا كقلبه، فانهالوا على مسامعنا بمطارق عجزهم الأدبي المدقع، يخلطون الكلمات بدقيق المعنى عسى أن يخرجوا من أفران أوهامهم خبز الأدب، وما هم ببالغيه. فانتشرت في أسواق الأدب الكاسدة موجة "القصة الومضة" كانتشار النار في هشيم المحتظر، ليلمع في سماواتنا الكابية نجوم من طراز ردئ يحرفون الكلم عن مواضعه ليحسبه القارئ أدبا وما هو بأدب، ولكنه تطاول فج على نوع راق من أنواع القص بأدها هيمنجواي وأنهاها برصاصة اخترقت رأسه ذات يأس.
لا أريد هنا بالطبع أن أدعي أن الومضة قد ماتت برحيل هيمنجواي، لكنني أؤكد أن الكثير من الومضات الساذجة قد أحالت ذلك الأدب الراقي إلى سوق كاسد يبيع فيه أصحاب البضائع الكاسدة حروفهم المسروقة، ثم لا يجد أحدهم غضاضة في تسويق هذا الغث على صفحات الجرائد والمجلات الأدبية على أنه نوع جديد من الأدب، وما هو كذلك، أو على أنه رائد هذا المضمار، وأني له ذلك؟

عبد الرازق أحمد الشاعر
[email protected]

أُضيفت في: 19 ديسمبر (كانون الأول) 2018 الموافق 9 ربيع آخر 1440
منذ: 5 شهور, 29 أيام, 4 ساعات, 31 دقائق, 34 ثانية
0

التعليقات

144385
  • نستلة
  • بنك الإسكان
أراء وكتاب
المشروع العملاقالمشروع العملاقجمال المتولى جمعة 2019-06-15 03:15:53
التسيير والتخيير وحيرة الحميرالتسيير والتخيير وحيرة الحميرحيدر حسين سويري2019-06-14 20:43:31
شبح الغلاءشبح الغلاءفوزى يوسف اسماعيل2019-06-13 20:33:13
رسالة غزة إلى العدو والصديقرسالة غزة إلى العدو والصديقد. فايز أبو شمالة2019-06-12 22:48:13
البحار و المحيطات.. في خطر داهمالبحار و المحيطات.. في خطر داهمحامد الله محمد2019-06-12 21:32:24
ذكرى استشهاد الشهيد / مصطفى محمد أبو عوكلذكرى استشهاد الشهيد / مصطفى محمد أبو عوكلسامي إبراهيم فودة2019-06-11 15:47:26
بين وعد فريدمان ووعد بلفوربين وعد فريدمان ووعد بلفورد. فايز أبو شمالة2019-06-10 21:48:51
إبداعات
مقارنة بين زمنينمقارنة بين زمنينكرم الشبطي2019-06-14 21:05:06
جئت لكِجئت لكِأحمد يسري عبد الرسول2019-06-12 21:06:13
مَاذَا إِذَا أَعْلَنْتُ حُبِّي لِقَلْبِكْ ؟!!!مَاذَا إِذَا أَعْلَنْتُ حُبِّي لِقَلْبِكْ ؟!!! محسن عبد المعطي محمد عبد ربه 2019-06-12 07:24:37
سامحتك مليون مرة وقلتسامحتك مليون مرة وقلتكرم الشبطي2019-06-11 19:11:50
اللقاء الأخيراللقاء الأخيرالشاعر / أيمن أمين 2019-06-10 10:03:24
عودة العزفعودة العزفكرم الشبطي2019-06-09 19:11:48
قد نختلف معكقد نختلف معككرم الشبطي2019-06-09 04:11:00
مُعَلَّقَاتِي الثَّمَانُونْ {77}مُعَلَّقَةُ..محمد صلاحمُعَلَّقَاتِي الثَّمَانُونْ {77}مُعَلَّقَةُ..محمد صلاح محسن عبد المعطي محمد عبد ربه 2019-06-08 20:31:37
امرأة كامواج البحرامرأة كامواج البحركرم الشبطي2019-06-07 19:36:15
شجون محكيةشجون محكية مصطفى محمد غريب2019-06-05 17:47:20
بنطلون سعادة المديربنطلون سعادة المديرد. عبدالله ظهري2019-06-02 12:43:23
مساحة حرة
هموم العقولهموم العقولعبد الوهاب اسماعيل2019-06-14 19:39:48
ضربات القدر 126ضربات القدر 126حنفى أبو السعود 2019-06-12 18:36:17
ضربات القدر 125ضربات القدر 125حنفى أبو السعود 2019-06-11 17:54:06
عُصفور الخوفعُصفور الخوفعبد الوهاب اسماعيل2019-06-11 14:51:05
هنتلاقى?!هنتلاقى?!ندى أحمد الكيكي2019-06-10 22:54:22
بنت حوابنت حواشيماء رميح2019-06-10 22:49:37
الغبى .. ذكى!!الغبى .. ذكى!!فادى ماهر2019-06-10 13:18:23
حالة حب - الجزء الثانيحالة حب - الجزء الثانيرانية محي2019-06-10 08:39:08
تحية عيد الفطر المباركتحية عيد الفطر المباركفوزية بن حورية2019-06-09 19:05:31
حالة حب - الجزء الثانيحالة حب - الجزء الثانيرانية محي2019-06-08 17:20:02
  • ads
  • مصر للطيران
html slider by WOWSlider.com v8.0
أزياء
بنك الإسكان
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر