GO MOBILE version!
فبراير8201911:17:30 مـجمادى آخر21440
أرملة من فلسطين
أرملة من فلسطين
فبراير8201911:17:30 مـجمادى آخر21440
منذ: 5 شهور, 14 أيام, 15 ساعات, 14 دقائق, 28 ثانية

منذ أيامٍ قليلة مرت علينا ذكرى وفاة الأديب الكبير عبدالحميد جودة السحّار في 22 يناير 1974م، الذي لم يكن واحدًا من أمهر أدباء عصره فقط، بل تميز أيضًا بغزارة إنتاجه الأدبي، الذي بدأه في سنٍ صغيرة هو وواحدٍ من أشقاؤه، فقد كان له تجارب عِدة قبل أن يبدأ وبشكلٍ فعلي في عمر الواحد والثلاثين بكتابة أولى رواياته الأدبية "أحمس بطل الاستقلال" عام 1943م، وبعدها توالت الأعمال التي كان من أشهرها، "سلسلة محمد رسول الله والذين معه وتقع في عشرين جزء"، "قصص الأنبياء"، "السيرة النبوية"، ورواية "أبو العروسة"، وغيرها من الأعمال الأدبية الرصينة.
لكننا اليوم بصددِ الحديث عن مجموعة قصصية، طُبعت في أواخر عام 1959م، عن سلسلة شهرية تَصدر عن نادي القصة الذي رأس تحريره فارس الرواية العربية يوسف السباعي، وصدرت في العدد الخامس والعشرين، وقد حَمِلت عنوان "أرملة من فلسطين"، تضمنت 4 قصص مختلفة" (أرملة من فلسطين، العودة، فاجرة، حدث ذات ليلة)، وهذه المجموعة تقع في كتاب من الحجم المتوسط، يَبلغ عدد صفحاته 152.
كان لرواية امرأة من فلسطين السمة الأبرز في هذه المجموعة – التي تصلح كل رواية فيها أنْ تُقدم في عملٍ فني راقٍ – وقد وُفق، عندما اختار هذه القصة لتكون عنوانًا لمجموعته الكاملة، فهذه الرواية تحديدًا نموذجًا متكاملاً للعمل الأدبي الذي تتوافر فيه كل عناصر القصة المُبهرة، من الحَبكة الدرامية، وعنصر التشويق، وتقديم المعلومة الجديدة، وربط التاريخ بالحاضر في صورة ولا أروع، وأخيرًا القصة الرومانسية المستحيلة التي ربطت بين بطل القصة وبطلتها الأرملة الفلسطينية.
قدّم لنا الأديب الكبير عبدالحميد جودة السحّار، واحدة من أفضل القصص العربية على الإطلاق، بدأها بعنصر التشويق عندما تحدث عن تلك المرأة ذات البشرة السمراء التي ترتسم على وجهها علامات الحزن والأسى، المُسافرة على متن طائرة إلى ليبيا وبجوارها يجلس على كرسي غير بعيد بطل القصة، علي طه هذا المحاسب القانوني الذي يعيش في ليبيا ويتنقل بين طرابلس وبني غازي ليُباشر أعماله، وقد لفتت انتباهه هذه السيدة الحزينة الشاحبة، وأراد أن يتعرف عليها أكثر، ويقترب منها.
ثمّ يُقدم لنا المعلومة الجديدة والتي تتمثل في بعض المصطلحات الليبية، على لسان "علي" لصديقه الجديد – وكانت أولى زياراته لليبيا - الذي تَعرّف عليه في استراحة المطار "الترانزيت" قبل مواصلة سفره إلى طرابلس، وقد أفرد لهذه المصطلحات بعض السطور مثل "قهوة جدجد، بمبه، كاروسة، باهي، المهاري" وكلها كلمات ليبية لا أحد يعرف عنها شيئًا، ومقابلها بالمصري "قهوة على الريحة فـ جدجد أو قدقد تعني بالليبية سكر والبن بها مجروش، بمبه تعني سوبيا أو يقترب مذاقها منها، كاروسة وتعني العربة، باهي أي حسنًا، أما المهاري فهي لفظة إيطالية وتعني الهجين".
أما عن المعلومة التاريخية والتي ربطها بكل اقتدار السحّار بالحاضر – وقت كتابة الرواية – فقد تمثلت في بطلة الرواية تلك السيدة سمراء البشرة والتي ظن علي في بداية الأمر أنها سورية، رغم بشرتها الداكنة إلا أنها فاجأته بقولها أنها مصرية الأب، فلسطينية الأم، وكانت هذه بداية المعلومة التاريخية التي سردت بها هذه السيدة لـ "علي" مأساتها التي عاشتها في القدس، وتحديدًا في شارع "الملك داوود" الذي كانت به مدرستها، حين بدأ كل شئ مع وعد بَلفور الذي قطعه البريطانيون لليهود، وكيف تحولت معه فلسطين لساحة معركة دامية وحشية، قضت على الأرض والبشر على حد سواء، وعن مأساتها الشخصية وهي بعمر التاسعة عشر عند اجتيازها لشارعها الملك داوود، وإذا باثنين من اليهود حاولا إطلاق الرصاص عليها ثأرًا لشابة يهودية قُتلت على يد فلسطينين، ولكن عناية الله أنقذتها، وتركت بداخلها جُرح غائر ظل ألمه يُطاردها، حتى بعد نزوح أسرتها إلى مصر، إلى الإسماعيلية وزواجها من شاب مصري يعمل معها في نفس المدرسة التي قامت بتدريس الحساب فيها، فقد كانت تقوم من عز نومها في ظلمات الليل فَزعة كلما هاجمها كابوس هؤلاء الاثنين اللذين حاولا قتلها، واستمر كابوس اليهود اللعين بعد العدوان الثلاثي 1956م، والذي راح ضحيته زوجها الذي كان آخر سند لها بعد وفاة والدها وأمها، واختيارها الهرب من مصر تاركة وراءها كل هذه الذكريات، التي ربطتها باستقرارها في طرابلس في شارعٍ يُدعي "القاهرة"، فهي لا تُريد أنْ تنسى حتى وإنْ هَرُبت.
وبعد ذلك، لا يفوت السحّار أن يضع لمسته الرومانسية الرقيقة على الرواية فقام بنسج قصة حب – من أول نظرة – بين علي وتلك السيدة التي لم يعرف اسمها إلا عندما وصلا لطرابلس وعرفته على عنوانها وذهب إليها، فإذا بها تُخبره أنها "چاكلين توفيق"، وأنّ هذه العلاقة الرومانسية التي أراد علي أنْ يوطدها بالزواج أصبحت مستحيلة، ليست لاختلاف الديانة فقط – والتي لم تمنعه عن إصراره في طلب الزواج منها – ولكن؛ لأنها تصورت أنّ مشاعره هذه كانت من باب العطف عليها لا أكثر، خاصةَ وأنها أرادت العيش مع ذكرياتها، وقد صوّر عبدالحميد جودة السحّار علاقة الحب – التي توهم بطل القصة أنها ليست من طرفه فقط، وأنّ نظراتها قد بادلته إحساسه طوال الرحلة إلى طرابلس – في كلماتٍ صاغها بمنتهى البراعة، من ذلك الحوار الذي أتى على لسان علي حين قال لـ چاكلين " قد تستريح النفس إلى حديث فياض بالأسى، وتنفر من حديث زاخر بالمرح ، العبرة في أن يتفتح القلب للقلب ، وقلبي منفتح لكل ما يخرج من بين شفتيكِ".
وأخيرًا، لقد تفوق السحّار على نفسه في هذه الرواية تحديدًا فانسابت الكلمات في سلاسةٍ غير عادية، دون مللٍ، وقد جعل نهايتها مفتوحة للقارئ؛ كي يختار كل واحدٍ النهاية التي تصلح من وجهة نظره لتلك القصة الجميلة، وهي براعة أدبية جاءت من كاتبٍ أقل وصف له أنه مُبدع، رحم الله الأديب الكبير وجزاه خيرًا عن كل ما قدّمه من أعمالٍ يشهد لها القاصي والداني بأنها ستظل صامدة يتوارثها أجيال عدة.

أُضيفت في: 8 فبراير (شباط) 2019 الموافق 2 جمادى آخر 1440
منذ: 5 شهور, 14 أيام, 15 ساعات, 14 دقائق, 28 ثانية
0

التعليقات

145232
أراء وكتاب
مصر لها خط ساخن مع المهدي المنتظرمصر لها خط ساخن مع المهدي المنتظرابراهيم يوسف ابو جعفر2019-07-21 04:08:39
أيها الشريفُ نسباًأيها الشريفُ نسباًد. علي زين العابدين الحسيني الأزهري2019-07-21 03:36:20
الجزائر بعيون فلسطينيةالجزائر بعيون فلسطينيةسري القدوة2019-07-20 23:31:33
همسات نفسية .. حوار مع زوج (2-3) الزوج ذو الشخصية الابويةهمسات نفسية .. حوار مع زوج (2-3) الزوج ذو الشخصية...عادل عبدالستار العيلة2019-07-20 15:04:49
روائع اللغة العربيةروائع اللغة العربيةأحمد نظيم2019-07-20 08:01:28
جوزى بيخونى أعمل أيه ؟؟جوزى بيخونى أعمل أيه ؟؟عادل عبدالستار العيلة2019-07-19 21:55:32
عندما أنزل الأسرى الفلسطينيون سراويهم!عندما أنزل الأسرى الفلسطينيون سراويهم!د. فايز أبو شمالة2019-07-18 07:22:40
صاحب الزمان .. بين الحوار المتمدن .. والأهرام !صاحب الزمان .. بين الحوار المتمدن .. والأهرام !محمود قاسم أبو جعفر2019-07-18 00:31:01
معركة فخر العرب !معركة فخر العرب !أحمد محمود سلام2019-07-17 07:09:22
وزير التعليم يصنع أزمة مدمرة في بيلاوزير التعليم يصنع أزمة مدمرة في بيلاد. حامد الأطير2019-07-15 22:30:07
إبداعات
وصي يا أمه حفيدتكوصي يا أمه حفيدتكشفيق السعيد2019-07-19 21:58:29
بحثت عن الاصدقاءبحثت عن الاصدقاءكرم الشبطي2019-07-19 19:19:40
أنا وبيروت ... مقاطع شعريةأنا وبيروت ... مقاطع شعريةايفان علي عثمان 2019-07-17 02:13:59
أنا أكره غزةأنا أكره غزةكرم الشبطي2019-07-15 17:59:04
حديقة الطيور ,سندبادة اكاديرحديقة الطيور ,سندبادة اكاديرطيرا الحنفي2019-07-14 18:42:36
مُعَلَّقَاتِي التِّسْعُونْ {88}مُعَلَّقَةُ الْحَبِيبَاتْمُعَلَّقَاتِي التِّسْعُونْ {88}مُعَلَّقَةُ الْحَبِيبَاتْ محسن عبد المعطي محمد عبد ربه 2019-07-14 10:21:42
مساحة حرة
الجنود المصريون هم المرابطونالجنود المصريون هم المرابطونأحمد نظيم2019-07-21 10:09:05
وفعلها جمال بالماضي وحقق اللقب الثانيوفعلها جمال بالماضي وحقق اللقب الثانيخالد احمد واكد 2019-07-21 09:30:25
ضربات القدر 137ضربات القدر 137حنفى أبو السعود 2019-07-21 02:02:01
التقليعات الشبابيةالتقليعات الشبابيةجمال المتولى جمعة 2019-07-20 23:55:14
مفارقات بين التناول الإسلامي والمسيحيمفارقات بين التناول الإسلامي والمسيحيحاتم عبد الحكيم عبد الحميد2019-07-18 14:46:15
العروبة أم الإسلام أيهما أشملالعروبة أم الإسلام أيهما أشملابراهيم يوسف ابو جعفر 2019-07-18 01:58:51
شعور سيئ_القسم الثانيشعور سيئ_القسم الثانيعبد الوهاب اسماعيل2019-07-17 23:34:23
الأسكندرية وعشق لا ينتهي!الأسكندرية وعشق لا ينتهي!رانية محي2019-07-17 09:11:51
فاصل شحنفاصل شحنعبدالرحمن عليوة2019-07-17 03:01:31
ضربات القدر 136ضربات القدر 136حنفى أبو السعود 2019-07-16 17:37:37
html slider by WOWSlider.com v8.0
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر