GO MOBILE version!
فبراير2020197:13:36 مـجمادى آخر141440
قراءة فى عقل إرهابى لحظة التفجير
قراءة فى عقل إرهابى لحظة التفجير
فبراير2020197:13:36 مـجمادى آخر141440
منذ: 7 شهور, 26 أيام, 1 ساعة, 33 دقائق, 28 ثانية


لحظة أن ضغط إرهابى الدرب الأحمر على زر التفجير، وجذب صمام الأمان، وفك كوابح حزامه الناسف، لحظة عبثية، قراءتها وفك شفرتها توفر علينا الكثير، وتساعدنا على إجابة سؤال عويص، وهو «كيف يستهين شخص ما بأهم غريزة إنسانية، ألا وهى غريزة الحياة؟!»، كيف لإنسان مثلنا من المفروض أن يفزع ويُغمى عليه عند مشاهدة دم ينزف من عقلة إصبعه، أن يمزق نفسه أشلاء، أكبر جزء فيها أصغر من هذا الإصبع؟!، إنها الفكرة المخدرة التى تُفرمِت العقل والإحساس والروح، تزيف وعيه وتصنع وعياً جديداً لا إنسانياً، يرى الآخر ذئباً، ويرى نفسه هو وجماعته ملائكة أطهاراً منزهين، وكلاء الله على الأرض، محتكرى الحقيقة، لحظة الضغط على الزر لمعت فى ذهنه أثداء حور العين الكواعب اللاتى ينتظرنه فى الفردوس، هو فى قمة الاستعجال والسربعة، سبعون حورية يقتله ظمأ الشبق إلى الارتماء فى حضن كل واحدة منهن سبعين سنة من النكاح المتصل الذى لا يهدأ إلا لاستعادة البكارة، هكذا قال له شيخه وأميره وبالوثائق، منتهى الثقة فى التفجير وتمزيق نفسه، نظرة احتقار يودّع بها المكان وسكانه، يرى الجميع هوام وحشرات كافرة لا تستحق الحياة، رجال الشرطة الذين يهرولون خلفه هم حماة الطاغوت من وجهة نظره، السيدة الغلبانة التى تحمل شنطة الخضار لتلحق بالعيال فى البيت تعيش عيشة جاهلية، فهى غير منتقبة، كل سكان الجمالية والغورية والدرب الأحمر، بل سكان مصر والعالم العربى، بل سكان العالم كلهم يعيشون فى جاهلية، لمعت فى ذهنه الجمل المأثورة التى حفظها من «الظلال» لسيد قطب، المجلد الثانى، حين قال:
«ارتدّت البشرية إلى عبادة العباد، وإلى جور الأديان، ونكصت عن لا إله إلا اللّه، وإن ظل فريق منها يردّد على المآذن: «لا إله إلا الله» دون أن يدرك مدلولها... إلا أن البشرية عادت إلى الجاهلية، وارتدت عن لا إله إلا الله. فأعطت لهؤلاء العباد خصائص الألوهية. ولم تعد توحد الله، وتخلص له الولاء.. البشرية بجملتها، بما فيها أولئك الذين يردّدون على المآذن فى مشارق الأرض ومغاربها كلمات: «لا إله إلا الله» بلا مدلول ولا واقع.. وهؤلاء أثقل إثماً وأشد عذاباً يوم القيامة، لأنهم ارتدوا إلى عبادة العباد».
أنا جندى من جند الله، أنفذ حكم الله الذى لا حكم إلا حكمه، والذى أمرنا بقتالهم «حيث ثقفتموهم»، هكذا فسّروها لى، وهكذا علمنى الداعية الذى تعلمت على يديه، وهكذا أبلغتنى جماعتى من أصحاب الأيدى المتوضّئة الذين أنتظرهم فى الجنة إن شاء الله، تردّدت تلك العبارات، وحملتها مساراته العصبية إلى أصابعه، التى ضغطت على زر التفجير، ما زال يذكر صفحة «معالم فى الطريق» كأنه قد قرأها بالأمس:
«يدخل فى إطار المجتمع الجاهلى تلك المجتمعات التى تزعم لنفسها أنها مسلمة.. لا لأنها تعتقد بألوهية أحد غير الله، ولا لأنها تقدّم الشعائر التعبّدية لغير الله أيضاً، لكنها تدخل فى هذا الإطار لأنها لا تدين بالعبودية لله وحده فى نظام حياتها، فهى -وإن لم تعتقد بألوهية أحد إلا الله- تعطى أخص خصوصية الألوهية لغير الله، فتدين بحاكمية غير الله، فتتلقى من هذه الحاكمية نظامها وشرائعها وقيمها وموازينها وعاداتها وتقاليدها».
وهو يجرى بالدراجة مرتدياً الكمامة والكاب، كانوا يصرخون يا مجرم، ده انت جنب الأزهر، وكانوا على ثقة من أنه لن يفجّر نفسه فى منطقة تضم بيتاً من بيوت الله، بل هو أشهر تلك البيوت، لكنه كان يعدو بكل قوته، أعمى البصيرة، فكل المساجد ضرار إلا مساجد عصابته وجماعته، استدعى ما قرأه فى «الظلال»، الجزء الثالث، الذى يقول:
«اعتزال معابد الجاهلية، واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد تحس فيها بالانعزال عن المجتمع الجاهلى، وتزاول فيها عبادتها لربها على نهج صحيح، وتزاول بالعبادة ذاتها نوعاً من التنظيم فى جو العبادة الطهور».
من ضغط على زر التفجير ليس الحسن عبدالله، إن أصابعه فقط هى التى ضغطت، لكن المخ الذى أمر، والعضلة التى حركت، والروح التى استفزت، والفكرة التى خدّرت، والنصوص التى غيّبت، تقبع هناك محمية بترسانة من السدنة، من المؤلفة جيوبهم، والمدهش أننا نُنفق على هؤلاء لقتلنا، وندعم أولئك لذبحنا، ونفتح لهم المنابر تعليماً وإعلاماً، للتحريض على تفجيرنا، هل الإرهابى هو المغيب أم نحن.
-----
بقلم/ خالد منتصر
كاتب وباحث مصري

أُضيفت في: 20 فبراير (شباط) 2019 الموافق 14 جمادى آخر 1440
منذ: 7 شهور, 26 أيام, 1 ساعة, 33 دقائق, 28 ثانية
0

التعليقات

145407
أراء وكتاب
إبداعات
البركة تِسْوَى فلوسالبركة تِسْوَى فلوسعبدالعزيز المنسوب2019-10-15 17:53:14
الأبواق الخونةالأبواق الخونةعبدالعزيز المنسوب2019-10-15 01:41:02
شَعر النهارشَعر النهارمحمد جمعة2019-10-12 18:06:55
أردو الأردوغانىأردو الأردوغانىشفيق السعيد2019-10-12 09:27:17
احتراق سوق سيدي يوسف باكاديراحتراق سوق سيدي يوسف باكاديرطيرا الحنفي2019-10-11 19:22:00
الجنازة في لباس الفرحالجنازة في لباس الفرحالشاعر / أيمن أمين2019-10-09 12:13:28
لن تتمكّنوالن تتمكّنواعبدالعزيز محمد جاب الله2019-10-08 20:30:12
حان التّعلّم والنجاةحان التّعلّم والنجاةعبدالعزيز محمد جاب الله2019-10-08 19:18:14
مساحة حرة
لماذا تعطي غرامة على الوزن الزائد في المطارات ؟لماذا تعطي غرامة على الوزن الزائد في المطارات ؟المتنبئ الجوي كرار الغزالي2019-10-13 12:35:03
تحيا مصرتحيا مصرسميرة محمود أبو رقية2019-10-08 22:16:35
النظافة قيمة انسانيةالنظافة قيمة انسانيةجمال المتولى جمعة 2019-10-06 08:29:53
العاصمة الادارية مستقبل مصرالعاصمة الادارية مستقبل مصرشادى وجدي2019-09-26 15:40:48
عبدالفتاح النجار من الرواد الاوائلعبدالفتاح النجار من الرواد الاوائلجمال المتولى جمعة 2019-09-25 21:33:09
معرض عمان الدولى للكتاب 2019معرض عمان الدولى للكتاب 2019هانم داود2019-09-24 18:30:10
من الصف (2)من الصف (2)سعيد مقدم أبو شروق2019-09-23 08:29:12
html slider by WOWSlider.com v8.0
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر