GO MOBILE version!
مارس1320192:20:26 صـرجب61440
ثورة مرشحة للأوسكار
ثورة مرشحة للأوسكار
مارس1320192:20:26 صـرجب61440
منذ: 5 أيام, 20 ساعات, 19 دقائق, 27 ثانية


في عام 2014، قام المخرج الجزائري المدهش لطفي بوشوشي بتقديم العرض الأول لفيلمه المدهش "البئر"، والذي تناول قصة تمرد شعبي ضد قوات الاحتلال الفرنسي، ذلك التمرد الذي تزعمته نسوة مدينة جزائرية محاصرة، حالت كتيبة المحتل بينها وبين الماء. ورغم أن أحداث الفيلم لم تتميز بالجدة، إلا أن طبيعة المعاناة التي فرضت نفسها على ملامح الأمهات وجلود أطفالهن المتغضنة، كانت كفيلة بترشيح الفيلم للأوسكار ناهيك عن فوزه بعدد كبير من الجوائز العربية والدولية كونه يتناول بعدا إنسانيا هاما، ويتحدث عن وجع بشري مقيم.
وتتوزع البطولة على نسوة المدينة التي ذهب رجالها لقتال المحتل بالتساوي. فلا تكاد تميز ملامح امرأة، فكلهن يحملن البؤس نفسه والتحدي عينه. أما الأطفال، فقد قاوموا العطش ببسالة ليتركوا لأمهاتهن مهمة التفرغ لقتال القناصين الذين حاصروا المدينة من كافة أرجائها، واتخذوا من رؤوس الشباب هدفا لبنادقهم الحديثة. وقد استطاع ياسين محمد بن لحاج أن يستخدم لغة جزائرية سلسة لا تميز منطقة عن أخرى، وكأنه أراد أن يوزع المجد على مدن الوطن بالقسطاس المستقيم.
وهذا الفيلم يسطر مشهدا من مشاهد المقاومة التي عكف الجزائريون على نسجها جيلا بعد جيل، ويسلط الضوء على معاناة لا يشعر بها المتحلقون حول الموائد المستديرة ليحددوا مصائر البلاد والعباد. فيتعرض لمأساة امرأة تضع حملها وسط جو المشحون بالخوف والترقب. ليوثق فوق الشاشات جرائم المحتل التي لا تريد أن تعترف بها المنظمات غير المحايدة، وليمنح أملا جديدا لشعوب لا تجيد إلا الصبر والتحمل والموت، وهو ما يتجلى في بشارة تمثلها صرخة مولود تحت الحصار.
وكأن لطفي بوشوشي أراد من وراء هذا العمل أن يؤكد لأحرار تونس وثوار مصر أن للجزائر قدم سبق في تحدي الثورات، وأنها سبقت دول المنطقة إلى ربيع عربي مغاير، حين تمردت على المحتل الفرنسي عام 1954، وفقدت خيرة رجالها وصفوة نسائها. وكأنه أراد أن يؤكد للواقفين في ميادين التمرد هنا وهناك أن العملاق الجزائري قادم على الطريق، وأن تاريخ انعتاقه في لوح محفوظ.
اليوم تتحقق نبوءة بوشوشي، وتكتظ ميادين الجزائر بالواقفين على أقدام من فولاذ بعد أن درسوا سقطات الثوار في دول الجوار ليطالبوا بحقهم المشروع في ربيع عربي قادم. وليسقطوا عهدة رجل بقي فوق كرسي الحكم حتى حوله إلى كرسي متحرك. خرج شباب الجزائر من كل صوب ليعلنوا تمردهم المشروع على رجل قسم البؤس بينهم والبطالة، ووزع نفطهم وأرزاقهم على ثلة من الجنرالات ورجال الأعمال ليضمن ولاءهم وصمتهم، وليتمكن من تغيير الدستور عام 2008 رغم أنف المعترضين، ليبقى في الحكم لعهدة ثالثة ثم رابعة ثم .. ينتفض الشعب.
استطاع بوتفليقة العائد من منفاه الإماراتي في دبي أن يعود إلى بلاده مرتديا ثوب الحكيم القادر على انتشال البلاد من دوامة العنف بنزع فتيل القتل بين الإسلاميين والجيش وذلك بإصدار عفو عام عمن يلقي سلاحه من. وبالفعل استطاع الرجل بعد عقدين من الخذلان أن يصبح فارس المرحلة، وأن يتخلص من مناوئيه واحدا تلو الآخر، حتى ظن كل الظن أن المقعد قد خلا له، وأن أحدا لن يعترض على بقائه فوق صدر البلاد حتى وإن على كرسي متحرك.
ترى، هل كان بوتفليقه ينظر بعين الشفقة إلى القذافي وبن علي ومبارك وصالح وهو يراهم يتراجعون أمام جحافل الثوار التي ملأت الميادين والشوارع وهم يلوحون بقبضاتهم في الهواء؟ أم أنه كان يقضي عطلة الربيع كعادته خارج حدود العروبة؟ أعتقد أن الرئيس المقعد كان يثق جيدا بفرامل كرسيه ومن يوجهه يمينا ويسارا، وإلا لما بقي إلى يومنا هذا متمسكا بعهدة خامسة وهو يرى المشهد نفسه يتكرر لكن هذه المرة أمام عتبة قصرة.
لم يعلن بوتفليقة عن تنح فوري كما فعل مبارك، وإنما وعد أن لا يكون اسمه بين قوائم المرشحين للرئاسة، ووعد بإصلاحات جمة، وكأنه يريد أن يقول للمتجمهرين في شوارع العاصمة الثائرة أن الأمر لا يزال بيده، وأنه سيحيي من يشاء ويميت من يريد، وأنه الوحيد القادر على إخراج جني المصباح فانوسه الصدئ. والحقيقة أن الرجل لا يريد أن يتراجع إلى ما وراء الستار قبل أن يضمن قصرا منيفا وإقامة مترفة ومستقبلا مشرقا لأحفاده البوتفليقيين، وأنه سيترك البلاد في أيد موالية يتولى فيها وزير الداخلية رئاسة الوزراء وكبير الخدم رئاسة البلاد. فهل يترك الثوار كرسي الرئيس شاغرا حتى يعتليه وريث غير شرعي لحاكم فقد شرعيته منذ سنوات، أم تراهم سيتركون الميادين مطمئنين إلى وعود قائد الجيش بأنه لا طاعة لبوتفليقة في معصية قايد صالح؟ أم تراهم سيتنافسون المنصات وينزلون من فوق جبل الرماة ليجمعوا أسلاب ثورة لم تكتمل لتذهب ريحهم؟ أرجو أن يمتلك ثوار الجبل حكمة التاريخ وأن يعوا مواطئ أقدامهم التي حتما تراقبها أجهزة المخابرات في الدول كافة. حفظ الله الجزائر وبارك أهلها.

عبد الرازق أحمد الشاعر
[email protected]

أُضيفت في: 13 مارس (آذار) 2019 الموافق 6 رجب 1440
منذ: 5 أيام, 20 ساعات, 19 دقائق, 27 ثانية
0

التعليقات

145867
  • بنك مصر
أراء وكتاب
فيفي عبده نعم .. مجدي يعقوب لا !فيفي عبده نعم .. مجدي يعقوب لا !أحمد محمود سلام2019-03-17 07:22:48
مقامات الفساد الثلاثمقامات الفساد الثلاثعلي الكاش2019-03-15 14:10:46
الأيام حاسمة والشعارات مهمةالأيام حاسمة والشعارات مهمةد. فايز أبو شمالة2019-03-14 02:47:30
النفاق الوظيفىالنفاق الوظيفىجمال المتولى جمعة 2019-03-13 13:05:18
الانتخابات الاسرائيلية والتوقعات ..!الانتخابات الاسرائيلية والتوقعات ..!شاكر فريد حسن 2019-03-11 10:14:19
عصابة السبسى والغنوشى يئدون براعم الأمهعصابة السبسى والغنوشى يئدون براعم الأمهبقلم/ابراهيم العتر2019-03-10 16:27:46
كفى، ولترحل حركة حماس عن غزةكفى، ولترحل حركة حماس عن غزةد. فايز أبو شمالة2019-03-09 21:41:54
البطالةالبطالةسعيد مقدم أبو شروق2019-03-08 07:06:00
حسام المغازى نموذج مشرفحسام المغازى نموذج مشرفجمال المتولى جمعة 2019-03-07 16:53:01
إبداعات
صَلَاتُكَ قَدْ سَبَتْنِي يَا خَلِيلُصَلَاتُكَ قَدْ سَبَتْنِي يَا خَلِيلُ محسن عبد المعطي محمد عبد ربه2019-03-17 22:54:57
فارس الشعراءفارس الشعراء بشرى يوسف زارع سالم2019-03-16 09:19:38
أُغْنِيَةٌ لِثَوْرَةِ يُونْيُوأُغْنِيَةٌ لِثَوْرَةِ يُونْيُو محسن عبد المعطي محمد عبد ربه 2019-03-15 21:29:20
غاب اللهغاب اللهحيدر محمد الوائلي2019-03-15 11:55:22
الأشواك على سيقان الورودالأشواك على سيقان الورودإبراهيم يوسف2019-03-13 20:51:16
وساخات آدموساخات آدمعلي السباعي2019-03-13 08:11:48
خنتريش بعده مفيشخنتريش بعده مفيشكرم الشبطي2019-03-13 04:57:12
مائة عام علي ثورة الكفاح المرير 1919ممائة عام علي ثورة الكفاح المرير 1919مد/ حمادة جمال ناجي2019-03-13 00:27:30
محنة الشعراءمحنة الشعراءابراهيم امين مؤمن2019-03-12 06:18:42
عد لي من جديد....عد لي من جديد....آمال الشرابي2019-03-11 03:28:06
سامحني يا وطني  بدي أتزوجسامحني يا وطني بدي أتزوجكرم الشبطي2019-03-10 19:36:17
الأمير والحاخامالأمير والحاخامكرم الشبطي2019-03-09 22:47:29
مساحة حرة
إدعاء الفضيلهإدعاء الفضيلهعبد الوهاب اسماعيل2019-03-17 18:03:27
عيد الامعيد الامرفعت يونان عزيز 2019-03-17 17:10:03
فيها حاجة حلوةفيها حاجة حلوة ياسمين مجدي عبده2019-03-17 13:05:30
ضربات القدر 93ضربات القدر 93حنفى أبو السعود 2019-03-15 18:01:41
رجفة تحت نور الشمسرجفة تحت نور الشمسعبد الوهاب اسماعيل2019-03-15 15:06:59
ضربات القدر 92ضربات القدر 92حنفى أبو السعود 2019-03-11 04:52:20
جوهر الشئ وأساس الشئجوهر الشئ وأساس الشئعبد الوهاب اسماعيل2019-03-08 23:57:45
ضربات القدر 91ضربات القدر 91حنفى أبو السعود 2019-03-07 21:31:45
ضربات القدر 90ضربات القدر 90حنفى أبو السعود 2019-03-05 23:09:11
  • مصر للطيران
html slider by WOWSlider.com v8.0
بنك التعمير والإسكان
البنك الأهلى
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر