GO MOBILE version!
أبريل21201910:46:27 صـشعبان151440
شرح المنتقى من ديوان عنترة (حسناتي عند الزمان)
شرح المنتقى من ديوان عنترة (حسناتي عند الزمان)
أبريل21201910:46:27 صـشعبان151440
منذ: 2 شهور, 26 أيام, 23 ساعات, 8 دقائق, 24 ثانية

حَسَنَاتِي عِندَ الزَّمَانِ ذُنُوبُ * وَفِعَالِــــي مَذَمَّـــةٌ وَعُيُــــوبُ
وَنَصِيبِي مِنَ الحَبِيـبِ بِعَــادٌ * وَلِغَيـرِي الدُّنُــوِ مِنـهُ نَصِيـبُ
كَلَّ يَومٍ يَبرِي السَقَامَ مُحِـبٌّ * مِن حَبِيبٍ وَمَا لُسُقمِي طَبِيبُ
فَكَأَنَّ الزَّمَانَ يَهـوَى حَبِيبَــاً * وَكَأَنِّــي عَلَـى الزَّمَـانِ رَقِيـبُ
يشكوا عنترة حاله ويعبر عن حُزنِهِ, بأبياتٍ تفيض بالأسى, فيقول : حسناتي أي كل ما فعلته وحققته وكل مجد نلته, كان من المفترض أن يكون حسناتٍ لي عند الزمان, فتنصلح أحوالي وتُحمَدُ خِصَالِي وأفعالي, ولكن العكس هو الواقع, فكل ما ينسب لي من عزٍ ومجدٍ, هو بمثابة الذنوب عند الزمان, فكان منه كل هذه البلايا والأحزان .
ومن بلايا هذا الزمان, أن كان لعنترة نصيبٌ وفير وقدرٌ كبير, من البعد والفراق عن حبيبته عبلة, ومن ظلم الزمان لعنترة, أن جعل لكل شخص وكل شئ سواه, نصيب من الدنو أي القرب من عبلة .
ويُشَبِّهُ عنترة بُعدَ الحبيب عن حبيبه بالمرض, فكما أن التداوي فيه الشفاء من السقم أي المرض, كذلك اللقاء بالحبيب فيه الدواء من داء البعد والفراق, إلا أن داء عنترة من شدته وتعذر علاجه, صار كأنه لا دواء له ولا خلاص منه, وذلك معنى (وَمَا لِسُقمِي طَبِيبُ) .
ثُمَّ يُشَبِّهُ أيضاً حال الزمان معه وموقفه منه, بأن الزمان محب, وأن عنترة يحول بينه وبين محبوبه, فصار الزمان يكن له كل بغض وكل غضب, وصارت جميع فعال عنترة الحميدة والكريمة ومحامده, مثالب يستحق عليها العقاب والعناء, ولله دره عنترة, كيف أتى بمثل هذه الصورة العبقرية, لحاله وحال الزمان .


إِنَّ طَيفَ الخَيَالِ يَا عَبلُ يَشفِـي * وَيُـدَاوَى مِنـهُ فُـؤَادِي الكَئِيـبُ
وَهَلَاكِي فِي الحُبِ أَهوَنُ عِندِي * مِن حَيَاتِي إِذَا جَفَانِي الحَبِيبُ
طيف الخيال: هو الصورة الذهنية التي تتكون وقت ذكر الشئ, وهو عند عنترة ذكر الحبيب ومثول صورته في الذهن, ذلك الحبيب الذي أصاب عنترة الإعياء والهوان بسبب ابتعاده عنه, فيقول: إن مجرد ذكر الحبيب وتصوره ماثلاً ظاهراً أمام عينيه, يخفف عنه ما به شوق, ويرتاح قلبه الذي أصابه الإكتئاب جرَّاء هذا الابتعاد والفراق .
وكما أن كل داءٍ شديدٍ قد يموت منه صاحبه, فإن داء عنترة وهو الحب, قد يكون سبب موته, وبما أن موته بسبب محبته فهو غير ساخط وغير حزين, بل هو راضٍ سعيدٌ بذلك الموت, فهو على الأقل أهون بكثيير من جفوة الحبيب: أي ابتعاده وانطفاء نار المحبة بداخله, فإنه إن كان الأمر كذلك ستكون حياته أشبه بعذاب لا خلاص منه .
يَا نَسِيمَ الحِجَازِ لَولَاكَ تَطفِى * نَارَ قَلبِي أَذَابَ جِسمِي اللَهِيبُ
لَــكَ مِـنِّي إِذَا تَـنَـفَّســتُ حَــرٌ * وَلِـرَيَّـاكَ مِــن عُبَيـلَــةَ طِـيــبُ
ينتقل عنترة ليخاطب نسيم الحجاز, حيث منزل عبلة ومكان إقامتها, ويوضح كيف أن هذا النسيم عزيز القدر عنده, لأنه قادم من عند عبلة, وليس هذا فقط, فهذا النسيم لولا تواجده, لذاب جسم عنترة من نار ولهيب عشقه ومحبته, فهذا النسيم يطفئ هذه النار قليلا لأنه من عند عبلة, وبلغ من عنترة الشوق, أن صار نَفَسُهُ الذي يخرجه حاراً ولا يطفئه غير هذا النسيم, الذي صار طيب الرائحة بعد أن اختلط بأنفاس عبلة, وهذا معنى قوله (وَلِرَّيَاكَ) أي ريحك .

وَلَقَد نَـاحَ فِـي الغُصُـونِ حَمَـامٌ * فَشَجَانِــي حَنِينُـــهُ وَالنَحِيـــبُ
بَاتَ يَشكُــو فِـرَاقَ إِلــفٍ بَعِيــدٍ * وَيُنَـادِي أَنَــا الوَحِيـدُ الغَرِيـبُ
يَا حَمَامَ الغُصُونِ لَو كُنتَ مِثلِي * عَاشِقَاً لَم يَرُقكَ غُصنٌ رَطِيبُ
فَاتـرُكِ الوَجـدَ وَالهَـوَى لِمُحِـبٍّ * قَـلبُــهُ قَـــد أَذَابَـــهُ الـتَعذِيــبُ
كُـلَّ يَـومٍ لَـهُ عِتَـابٌ مَـعَ الـدَهــ * ـرِ وَأَمــرٌ يَحَــارُ فِيــهِ اللَبِيــبُ
وَبَلَايَـــا مَــا تَنقَضِــي وَرَزَايـَـا * مَا لَهَــا مِــن نِهَايـَـةٍ وَخُطُـوبُ
وما أن ينتهي عنترة من مخاطبة نسيم الحجاز حتى ينتقل بنا لمشهد آخر حيث رأي الحمام ينوح فوق الأغصان ليثير نواحه في نفس عنترة لوعته وغرامه ويشعل في قلبه نار الاشتياق وكان دأب شعراء العرب وعادتهم أن يستعيروا في تصويرالشجو والأحزان بصورة الحمام الذي ينوح فوق الأغصان مثلما فعل عنترة ويكمل حديثه معللا وموضحا سبب نوح ذلك الحمام وهو أنه يشكوا ما به من ألم الفراق الناتج عن ابتعاد إلفه والإلف : هو الحبيب الذي تألفه النفس وتميل إليه ومع هذه الشكوى ينطق لسان حاله وحال عنترة ويقول : أنا الوحيد الغريب.
ونرى عنترة يعيب على الحمام موقفه وتخاذله وأنه اكتفى بالنواح على الأغصان دون السعي للقيا إلفه الذي يشكوا ابتعاده ونراه يصفه بعدم الصدق في عشقه لتخاذله وضعفه ولو كان صادقا في حبه لسعى للقيا محبوبه وذلك معنى قوله (لم يرقك غصن رطيب) ثم يقول له دع أمور العشق لمن هو أهل له دعه لشخص مثل عنترة قد ذاب قلبه من عذاب الفراق والابتعاد شخص له في كل يوم وليله عتاب على الدهر ذلك الدهر الذي يتفنن في التفريق بينه وبين من يعشقها قلبه وتسكن إليها روحه ولا يزال كل يوم يبليه بمصائب وصعاب يبدو أن لا نهاية لها وذلك معنى قوله (ما لها من نهاية وخطوب).


سَائِلـي يَـا عُبَيلَـةَ عَنِـي خَبِيـرَاً * وَشُجَاعَـاً قَـد شَيبَتـهُ الحُـرُوبُ
فَسَيُنبِيــكِ أَنَ فِــي حَــدِ سَيفِـي * مَلَــكُ المَـوتِ حَاضِـرٌ لَا يَغِيـبُ
وَسَنَانِـــي بِـالدَّارِعِيــنَ خَبِيـــرٌ * فَاسأَلِيـهِ عَمَّــا تَكُـونُ القُلُـوبُ
كَـــم شُجَـاعٍ دَنَــا إِلــيَّ وَنَـادَي * يَا لِقَومِي أَنَا الشُّجَاعُ المَهِيبُ
مَا دَعَانِي إِلا مَضَى يَقضِمُ الَأر * ضَ وَقَد شُقَّت عَلِيـهِ الجُيُـوبُ
عود للإفتخار والتعزز يخاطب عنترة محبوبته عبلة ويقول لها إن شئتي أن تعرفي مدى قوتي وشجاعتي في الحروب فدونك الأبطال والشجعان اسأليهم واستخبريهم عني فسيخبرك بالخبر الصادق الذي لا شك فيه وذلك معنى قوله (فسينبيك) من النبأ : وهو الخبر الصادق اليقين سيخبرك أن من يلقاني في الحروب لا محالة هالك وماذلك إلا لأن ملك الموت حاضر عند حد سيفي الذي أقاتل به أعدائي وأهلكهم .
ويجد هنا سؤال : وهو أن عنترة كان من الجاهليين الذين لا يدينون بدين التوحيد فكيف علم عنترة بمسألة ملك الموت ؟ وهذا الأمر له احتمالين الإحتمال الأول : هو أن عنترة في حياته الطويلة ربما التقى ببعض أهل الكتاب وسمع منهم وربما التقى ببعض العرب الذين يتعبدون بحنيفية سيدنا إبراهيم عليه السلام وهذا الاحتمال هو الراجح في رأيي أما الاحتمال الثاني : فهو أن هذه القصيدة قد نالها شئ من التحريف وهو ضعيف في رأيي حيث أنه لا مبرر لذلك ولا داعي له.
وعندما نعود للقصيدة نجد عنترة يخبرنا ويقول لنا أن سنانه أي رمحه خبير بالدارعين أي المحاربين الذين يرتدون الدروع صار رمحه خبير بالدارعين من كثرة ما لقيهم وقاتلهم فلتسألي يا عبلة أحدهم وليخبرك كيف تكون قلوبهم عندما يقفون أمامي ويتلقون سيفي وسناني من شدة ما يعتريهم خوف وقلق فكم شجاع دنا إلي أي اقترب مني ليقاتلني وينادي قومه متافخراً بقوته وشجاعته حتى يجعلته جثة هامدة يقضم الأرض أي يعضها بفمه كناية عن الهيئة التي يكون عليها حال هزيمته أمام عنترة وبعد أن كان قومه فرحين به متهللين بقوته وشجاعته صاروا الآن ينوحون عليه وتشق النساء الجيوب.

وَلِـسُمـرِ الـقَنَــا إِلَـــيَّ انـتِسَــابُ * وَجَـوَادِي إِذَا دَعَـانِـي أُجِيـبُ
يَضحَكُ السَيفُ فِي يَدي وَيَنَادِي * وَلَهُ فِـي بَنَـانِ غَيـرِي نَحِيـبُ
وَهُوَ يَحمِي مَعِي عَلَى كُـلِّ قِـرنٍ * مِثلَمَا لِلنَّسِيبِ يَحمِي النّسَيبُ
فَدَعُونِي مِن شُـربِ كَـأسِ المُدَامِ * مِـن جَوَارٍ لَهُنَّ ظَـرفٌ وَطِيبُ
وَدَعُــونِــي أَجُـــرُّ ذَيـــلَ فَـخَــارٍ * عِندَمَا تُخجِلُ الجَبَانَ العُيُوبُ
في ختام القصيدة يعدد عنترة مظاهر شجاعته ويظهر فضائل أخلاقه فنراه يقول الأشياء تعرف بنسبها وأصلها فكما أن بعض الخيول لها نسب وأصل تمتاز به عن البعض الآخر السيوف كذلك تعرف جودتها وأصالتها إذا ما كانت منسوبة لعنترة وليس معنى ذلك أنه يصنع السيوف ولكن السيف الذي يمسكه بيده ويقاتل به يكون له فخر وفضل على باقي السيوف وذلك معنى قوله (ولسمر القنا إلي انتساب) .
وعندما يكون السيف في يدي عنترة فإنه يضحك فرحا ومسرورا بقوة حامله وشجاعته وينادي الأعداء متحدياً لهم متفاخراً باليد التي تمسكه وإذا ما كان في يد غيره يكون له بكاء وانتحاب حزنا وألما لأنه ليس في يدي عنترة وعندما يكون في يدي عنترة تأخذه الحمية ويدفعه الحماس للقتال والهجوم على كل قرن أي محارب قوي وكما أن النسيب يتعصب لنسيبه ويغضب له يكون سيف عنترة.
ويخاطب عنترة أعداءه ويقول لهم فدعوني مما أنتم غارقون فيه من شرب كأس المدام أي الخمر التي تقدمها لكم الجواري الحسان في مجالس لهوكم وفسادكم فلست كذلك ودعوني أجر ذيل الفخار علي كل جبان ينتقص قدري ويقلل من شأني وهو يملؤه الخجل مما ينسب إليه من عيوب ورذائل.

أُضيفت في: 21 أبريل (نيسان) 2019 الموافق 15 شعبان 1440
منذ: 2 شهور, 26 أيام, 23 ساعات, 8 دقائق, 24 ثانية
0

التعليقات

146830
أراء وكتاب
معركة فخر العرب !معركة فخر العرب !أحمد محمود سلام2019-07-17 07:09:22
وزير التعليم يصنع أزمة مدمرة في بيلاوزير التعليم يصنع أزمة مدمرة في بيلاد. حامد الأطير2019-07-15 22:30:07
عنصرية العفولة ..!!عنصرية العفولة ..!!شاكر فريد حسن 2019-07-15 05:46:33
قطر النظام الملعونقطر النظام الملعونأحمد نظيم2019-07-14 09:52:19
استراتيجية نتانياهو: ضفة غربية دون غزةاستراتيجية نتانياهو: ضفة غربية دون غزةد. فايز أبو شمالة2019-07-14 05:23:31
اعيدوا هذا التراثاعيدوا هذا التراث ياسمين مجدي عبده2019-07-13 21:25:16
سي السيدسي السيدأحمد محمود القاضي2019-07-13 05:39:24
إبداعات
أنا وبيروت ... مقاطع شعريةأنا وبيروت ... مقاطع شعريةايفان علي عثمان 2019-07-17 02:13:59
أنا أكره غزةأنا أكره غزةكرم الشبطي2019-07-15 17:59:04
حديقة الطيور ,سندبادة اكاديرحديقة الطيور ,سندبادة اكاديرطيرا الحنفي2019-07-14 18:42:36
مُعَلَّقَاتِي التِّسْعُونْ {88}مُعَلَّقَةُ الْحَبِيبَاتْمُعَلَّقَاتِي التِّسْعُونْ {88}مُعَلَّقَةُ الْحَبِيبَاتْ محسن عبد المعطي محمد عبد ربه 2019-07-14 10:21:42
قراءة في ديوان " أصداف في بحر الهوي" للشاعر خيري السيدالنجارقراءة في ديوان " أصداف في بحر الهوي" للشاعر خيري... بقلم الاديب المصري صابرحجازي 2019-07-13 22:28:34
كلماتكلماتإيمان مصطفي محمود2019-07-12 23:35:27
مساحة حرة
الأسكندرية وعشق لا ينتهي!الأسكندرية وعشق لا ينتهي!رانية محي2019-07-17 09:11:51
فاصل شحنفاصل شحنعبدالرحمن عليوة2019-07-17 03:01:31
ضربات القدر 136ضربات القدر 136حنفى أبو السعود 2019-07-16 17:37:37
شكراً لجريدة الأهرام .. ولكن !شكراً لجريدة الأهرام .. ولكن !محمود قاسم أبو جعفر2019-07-15 12:59:36
نتائج مشروع شراكة التنقّل بين الاتحاد الأوروبي والأردننتائج مشروع شراكة التنقّل بين الاتحاد الأوروبي والأردندوسلدورف/أحمد سليمان العمري2019-07-14 21:17:05
البطالةالبطالةعامر بلغالم2019-07-14 13:53:41
صغيرة على الحبصغيرة على الحببسملة محمود2019-07-14 00:41:47
لا شفاعة لمن لا يصدق نفسهلا شفاعة لمن لا يصدق نفسهبانسيه البنا2019-07-14 00:30:48
شعور سيئ_القسم الأولشعور سيئ_القسم الأولعبد الوهاب اسماعيل2019-07-13 21:16:33
ضربات القدر 135ضربات القدر 135حنفى أبو السعود 2019-07-13 15:07:10
html slider by WOWSlider.com v8.0
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر