GO MOBILE version!
مايو720197:01:38 صـرمضان21440
القانون لا يصنع الاسوياء ...
القانون لا يصنع الاسوياء ...
مايو720197:01:38 صـرمضان21440
منذ: 2 شهور, 11 أيام, 46 دقائق, 39 ثانية

نعيش الآن في عالم كثرت فيه القوانين التي تحكم البشرية إلا أن مجتمعاتنا يسودها اضطراب مفاهيمي خطير جداً إلى جانب ذلك تعرف القيم الإنسانية النبيلة انحداراً كبيراً مما أسهم بشكل كبير في تشكل السلوك غير السوي عند الكثيرين، وللقانون مساهمة في هذا التخبط والانحطاط القيمي، ومع ذلك لا ينكر أحد أهمية وجود القانون في حياة الإنسان لأن تواجده جوهري لتنظيم سيرورة حياة البشر بطريقة محكة ووفق وتيرة جيدة تزيح كل ما يمكنه أن يشعل فتيل الفوضى، لكون القانون لبنة أساسية في قيام دولة الحق، ويبقى الهدف المنشود من صناعته هو خلق نوع من التفاعل معه لحفظ ورعاية البشرية وما يحيط بها، فبتطبيق القانون تتحقق العدالة وتحفظ الحقوق وتضمن الحريات وتؤدى الواجبات، ومع هذا لم يفلح القانون على محو مظاهر السلوك غير السوي لاقتصاره على الأمور ذات العلاقة بالمجتمع والتي تمنع أي عرقلة للاستقرار والتقدم الاجتماعي كما تعمل على فرض نوع من الحماية للحريات.

ويبقى التساؤل مشروعاً عن سبب عدم قدرة القانون على صناعة الإنسان السوي في ظل الإصرار المتعمد على تغيب القيم الأخلاقية في كثير من الممارسات القانونية، إن القانون باعتباره حزمة من القواعد الجبرية العامة التي تبرز لنا كيفية التصرف والتعامل مع الحقوق والواجبات والحريات بالإضافة إلى العقوبات لغير الملتزمين بالسلوك الذي يفرضه القانون، وهذه القواعد قد تنجح في صناعة إنسان منظم مُعمر لوطنه، لكن لا يمكن لها أن تضمن لنا زراعة الفضائل في الإنسان لتزهر لنا فرداً متزناً ومخلصاً للقيم الإنسانية؛ وذلك من خلال تكوين شخصية إنسان سوي يستطيع أن يسيطر على ذاته ويذهب بها نحو الكمال القيمي المنشود بتميزه بالفضائل النبيلة في علانيته وسره على حد سواء، وهذا كله يحتاج إلى عناية شديدة بالجانب القيمي للإنسان.

وفي الحقيقة فالإنسان هو من يُحوّل القانون لغطاء يختبئ به من ممارساته المنحرفة وإن ادعى الاحتكام المطلق للقانون، فتجده أول من يخالف العرف القانوني السائد الذي يدعوه إلى احترام الآخر والالتزام بالواجبات وأداء الحقوق واحترام الحريات، وتظهر مخالفته في انتهاكه لسيادة القانون وتجاوزه لكل الحدود المبدئية والقيمية التي ينبغي أن تحكم الممارسة القانونية مستغلاً كل الوسائل التضليلية غير المشروعة فيتوارى وراء رداء ثغرات القانون لكي لا يتعرض للمتابعة والمحاسبة على عبثيته اللاأخلاقية، وما كان لهذا أن يحدث لولا أن من يمتلكون سلطة القانون قد فتحوا الباب على مصراعيه للتلاعب والتحريف فخرجت لنا هذه التصرفات غير السوية في واقع الناس.

ومن أهم ما يؤكد على أن القانون يجعل الإنسان ينهج سلوكاً غير سوي ما يلي:
- اهتمام القانون بإصلاح سلوك الإنسان الشكلي الظاهر دون السلوك الباطني المتمثل في الرقابة الذاتية لتصرفاته أي يقظة ضميره الإنساني والاستحضار الدائم لوعيه الفردي هو إهمال له مخلفات جسيمة سواء على المستوى الخاص المرتبط بالشخص نفسه أو على المستوى العام المتمثل في علاقاته مع الآخرين.
- مهما اتسع سلطان القانون فلا يمكن له أن يتجاوز تصرفات الإنسان ذات المظهر الخارجي، فهو يعمل على تقويم الأفعال الظاهرة لا أكثر وقد يعجز حتى في ذلك.
- لا يمكن أن يُحترم القانون وينصاع له وهو في الأصل غير ساري على الجميع، وذلك بغياب عدالة تعمُّ الجميع دون استثناء، فلا يصبح للقانون قيمة مادام الحزم في تطبيقه غير واقع.
- قد يعود المعاقب إلى ممارسة السلوكيات المنحرفة وبشكل أشد بمجرد زوال الجزاء المادي المترتب عن مخالفة القانون.
- اعتقاد كثير من البشر أنه مهما انتهكت حرمة القانون فإنه من الممكن أن يَأْمَن من عواقب ذلك لوجود سلطة وقوة خارجية تحميه من المتابعة والمعاقبة.
- تتبع الإنسان وبحثه المتواصل عن الثغرات التي يحتويها القانون لأنه يعلم يقينا أنه لا يخلو من نقاط ضعف ليتم استغلالها بشكل خاطئ وسلبي.
- عدم توفر القانون على قوة رقابية مانعة تقف في وجه السلوك غير السوي قبل حدوثه، فالقانون يبقى مجرد قامع لا سلطان له على السلوك المنحرف قبل أن يحصل.

إن استغلال القانون بطريقة غير أخلاقية يستدعي استحضار الأخلاق لحماية الإنسان من الآثار المترتبة عن ذلك، فلا يمكن أن نرتقي سلم الإنسانية الحقة وقد جعلنا القيم الأخلاقية تسير وراء القانون وليست هي السابقة له، وحين تصير الأخلاق في الصدارة سنتمكن حينئذ من بناء جيل ملتزم بالقيم الأخلاقية التي تحمي الإنسان وتنتصر له من الظلم ومن كل ضرر.

عندما نأخذ قيمة الصدق مثلا والتي تعد نتاج وجود تربية قيمية فعالة لا يمكن للقانون أن يفرضها لأنها تتعلق بسلوك الإنسان الباطني بالأساس، وإذا نظرنا إلى الصدق بمنظور التضاد فسنجد أن القانون يقف وقفة سلبية في تعامله مع الكذب الذي لا ينجم عنه ضرر للغير فلا يستنكره ولا يمنعه أبدا رغم أنه سلوك منبوذ، بل ويعتبره مجرد مخالفة أخلاقية لا تستدعي تدخل القانون فيها مادام أنه لم يلحق أي ضرر مادي بالآخرين، بمعنى أنه لا يجرم الكذب بشكل عام، وإنما فقط في الأحوال التي يترتب عنه إضرار واضح بالغير.

وخلاصة ذلك أن القانون لا ينبع من إرادة إتباع صادقة كالتي تمنحها القيم الأخلاقية فتصير طاغية على سائر أفكارنا وتصرفاتنا وإن تغيرت الوضعيات واختلفت الظروف. ومهما عظم القانون وارتفعت تشريعاته وأحكمت تنظيماته فهو ناقص إذا لم يحصن بالقيم النبيلة ولم يستند إلى أساس أخلاقي متين، لأن البعد القيمي الأخلاقي هو صمام الأمان لسمو سلوك الإنسان.

والمشكلة أنه قد تجد قانوناً ما ينص على أنه وجد بدافع الحرص على الفضيلة أو القيم العليا، ولكنه ينتهي في تنزيله إلى تعريض الإنسان إلى انتهاك قيمي في أبشع صورة ممكنة تحت غطاء نفس القانون، لأنه يصبح في وضعية ما غير معبر عن العدالة المطلوبة، أي أنه لا يصبح قادراً على تحقيقها لوجود مانع خارجي عابث فيه، مما يعرض حقوق الآخرين للإضرار، فلا يكفي القانون وحده لحماية الإنسان ما لم تراعى الضوابط الأخلاقية، ومن المصلحة أن تظل القيم الأخلاقية في اتصال دائم مع القانون.

ومهما حاول القانون أن يفرض السلوك السوي على الناس فسيفشل في تلك المهمة لاختلاف طبائع وميول البشر، عكس التربية القيمية التي تتعامل مع الإنسان بكل تمفصلاته المكونة له وتسعى بذلك إلى تأصيل القيم في سلوك الفرد كاختيار طوعي حر لا دخل للإكراه والإجبار فيها، وهذا ما يمكنها من تحويل العادات السلوكية إلى مبادئ قيمية، فتصير بذلك تصرفات الإنسان سوية ونابعة عن إيمان قوي عميق بالقيم التي يتبناها بعيدا عن الخوف من أي عقاب أو الهروب من أية محاسبة، مما يعني استمرار الإنسان في نهجه للسلوك السوي بفعل اقتناعه القيمي على أن ما يتصرف به هو الصواب.

وفي الأخير تجدر الإشارة إلى أن انتشار السلوك غير السوي بشكل مهول وحدوث الاضطراب القيمي في ظل الظروف الراهنة، يستدعي تفعيل التربية القيمية لرفع الوعي الأخلاقي الذي يمكن من تغطية النقص والاعوجاج الذي يتركه القانون والذي يظهر واضحاً في سلوكيات الإنسان الخاضع لها.


الدكتور / رمضان حسين الشيخ
باحث وكاتب في العلوم الإنسانية وفلسفة الإدارة
الخبير الدولي في التطوير الاداري والتنظيمي
[email protected]
 

أُضيفت في: 7 مايو (أيار) 2019 الموافق 2 رمضان 1440
منذ: 2 شهور, 11 أيام, 46 دقائق, 39 ثانية
0

التعليقات

147231
أراء وكتاب
معركة فخر العرب !معركة فخر العرب !أحمد محمود سلام2019-07-17 07:09:22
وزير التعليم يصنع أزمة مدمرة في بيلاوزير التعليم يصنع أزمة مدمرة في بيلاد. حامد الأطير2019-07-15 22:30:07
عنصرية العفولة ..!!عنصرية العفولة ..!!شاكر فريد حسن 2019-07-15 05:46:33
قطر النظام الملعونقطر النظام الملعونأحمد نظيم2019-07-14 09:52:19
استراتيجية نتانياهو: ضفة غربية دون غزةاستراتيجية نتانياهو: ضفة غربية دون غزةد. فايز أبو شمالة2019-07-14 05:23:31
اعيدوا هذا التراثاعيدوا هذا التراث ياسمين مجدي عبده2019-07-13 21:25:16
سي السيدسي السيدأحمد محمود القاضي2019-07-13 05:39:24
إبداعات
أنا وبيروت ... مقاطع شعريةأنا وبيروت ... مقاطع شعريةايفان علي عثمان 2019-07-17 02:13:59
أنا أكره غزةأنا أكره غزةكرم الشبطي2019-07-15 17:59:04
حديقة الطيور ,سندبادة اكاديرحديقة الطيور ,سندبادة اكاديرطيرا الحنفي2019-07-14 18:42:36
مُعَلَّقَاتِي التِّسْعُونْ {88}مُعَلَّقَةُ الْحَبِيبَاتْمُعَلَّقَاتِي التِّسْعُونْ {88}مُعَلَّقَةُ الْحَبِيبَاتْ محسن عبد المعطي محمد عبد ربه 2019-07-14 10:21:42
قراءة في ديوان " أصداف في بحر الهوي" للشاعر خيري السيدالنجارقراءة في ديوان " أصداف في بحر الهوي" للشاعر خيري... بقلم الاديب المصري صابرحجازي 2019-07-13 22:28:34
كلماتكلماتإيمان مصطفي محمود2019-07-12 23:35:27
مساحة حرة
الأسكندرية وعشق لا ينتهي!الأسكندرية وعشق لا ينتهي!رانية محي2019-07-17 09:11:51
فاصل شحنفاصل شحنعبدالرحمن عليوة2019-07-17 03:01:31
ضربات القدر 136ضربات القدر 136حنفى أبو السعود 2019-07-16 17:37:37
شكراً لجريدة الأهرام .. ولكن !شكراً لجريدة الأهرام .. ولكن !محمود قاسم أبو جعفر2019-07-15 12:59:36
نتائج مشروع شراكة التنقّل بين الاتحاد الأوروبي والأردننتائج مشروع شراكة التنقّل بين الاتحاد الأوروبي والأردندوسلدورف/أحمد سليمان العمري2019-07-14 21:17:05
البطالةالبطالةعامر بلغالم2019-07-14 13:53:41
صغيرة على الحبصغيرة على الحببسملة محمود2019-07-14 00:41:47
لا شفاعة لمن لا يصدق نفسهلا شفاعة لمن لا يصدق نفسهبانسيه البنا2019-07-14 00:30:48
شعور سيئ_القسم الأولشعور سيئ_القسم الأولعبد الوهاب اسماعيل2019-07-13 21:16:33
ضربات القدر 135ضربات القدر 135حنفى أبو السعود 2019-07-13 15:07:10
html slider by WOWSlider.com v8.0
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر