GO MOBILE version!
مايو1120196:26:20 مـرمضان61440
يوميات السيول السوداء (10)
يوميات السيول السوداء (10)
مايو1120196:26:20 مـرمضان61440
منذ: 9 شهور, 12 أيام, 5 ساعات, 50 دقائق, 9 ثانية

رجعنا من الحميدية ليلا، ومررنا بحي الثورة حيث يأوي ياسر أبو عمار عوائل منكوبة من الشعيبية والسوس في معمله، هو يسكن في الطابق الثاني من المعمل أيضا.
يملك أبو عمار معمل حليب، وفيه عدة حجر خصصها للمنكوبين، وقد تم التنسيق مع لجان الإغاثة فأرسلوا إلى معمله عوائل اجتاحت بيوتها السيول، فآوى هذا الرجل الشريف ثلاث عشرة عائلة.
وبلغ خبر مكان هذه العوائل إلى المتضامنين فأصبحوا يقصدونهم من أماكن مختلفة ليقدموا لهم الدعم المادي والمعنوي.
قبل أيام تبرع شباب عبادان بمكيف ماء لهذه العوائل بعد أن وجدوا أطفالهم يعانون من الحر.
قدمنا لهم ما أبقينا في سياراتنا من ملابس وخبز وحلويات وألعاب للأطفال.
كنا قد اشترينا ما يكفي من البيض والطماطم لنتعشى معهم، جهزت أم عمار العشاء فجلسنا نتعشى ونتبادل حديث السيول مع رجالهم ومع أبي عمار.
يقول أبو عمار إن من ضمن العوائل التي لجأت في معمله عائلة تتكون من شاب وزوجته وطفلهما الرضيع؛ وكنت أرى الزوجة تبكي بحرقة كلما مررت من جانبها!
فكنت أسليها وأصبرها، حتى استخبرت عن سبب هذا الجزع والضجر! فقالت وهي تسكب الدموع:
بعد الزواج اقترضنا مالا واشترينا أثاث بيتنا، ثم ولكي نرد القروض إلى أهلها اقترضنا ثانية لنزرع جميع أراضينا؛ وقد أثمرت الأراضي بفضل الله والمطر الغزير، وينع الثمر؛ اتصلنا بالسيارات والعمال كي نبدأ الجني غدا ... عند الفجر كانت السيول قد غمرت جميع المحصول، ودخلت بيتنا لتدمر كل الأثاث التي اشتريناها بالقروض!
إنها لمأساة حقيقية!
ونقلوا لي في الشعيبية أن امرأة توفي زوجها وهي شابة، وقد أنجبت منه ولدا.
نصحها أهلها أن تتزوج ثانية وقد جاء من يخطبها، لكنها أبت وفضلت أن تكرس حياتها لتربية ابنها.
عندما فتحوا منافذ السد ليفتعلوا السيول، جرفت دابة من دواب الابن الذي بلغ الخامسة عشرة من عمره؛ فدخل المياه وتبع الدابة لينجيها؛ لكن السيول كانت أقوى منه ومن الدابة فجرفتهما وأدت بحياتهما؛ وأبقت المرأة المسكينة ثكلى!
ويستمر مسلسل المأساة، امرأة شابة تبكي في المخيم بحرقة وهي تنظر إلى وجه ابنها الرضيع وقد ورم وجهه من لسعات البعوض.
امرأة أخرى تبكي وتطلب من لجان الإغاثة أن يرجعوها إلى بيتها ظانة أن السيول ستبقى فيه إلى الأبد!
رجل يدخل مزرعته التي غمرتها السيول فيغوص ويخرج السنبل ويُقبله، وآخر يخرج الخيار وهما يبكيان! وقلما ترى الرجل الأهوازي يبكي! لكن الفاجعة مؤلمة.
إنها ضياع تعب أشهر، وضياع ثروة كان يحسب لها الفلاح ألف حساب.

هناك مزارع تلفت، وبيوت دُمرت، وعائلات هُجرت، وأطفال ذعروا ...
ولكن رغم كل هذه المآسي التي خلفتها السيول، والتي مضى على افتعالها أكثر من شهر ولم تزل مستمرة؛ رغم عمق الفاجعة والخسائر في البنية التحتية، ورغم ضياع الكثير من فرص العمل، لابد أن أشير إلى صمود الأهوازيين الأسطوري بكل أطيافهم أمام هذه السيول الفتاكة!
الكل أشاد وجلل تعاون الأهوازيين مع بعضهم، وأنهم نجحوا حقا في هذه التجربة الصعبة نجاحا عظيما، وانتصروا على المحنة انتصارا باهرا. ورغم كل الخطط الخبيثة لترحيلهم ثبتوا في أراضيهم.
في هذه الوقفة التي لم يرَ التأريخ مثيلا لها، والتي نعتها البعض بالانتفاضة الخالدة، والبعض الآخر بالملحمة، هبّ الجميع ليساعد أخوته المنكوبين، من كل مدينة وقرية، صغير وكبير، رجل وامرأة، لينجوا القرى من الاقتطاع من الإقليم.
9-5-2019
سعيد مقدم أبو شروق - الأهواز

أُضيفت في: 11 مايو (أيار) 2019 الموافق 6 رمضان 1440
منذ: 9 شهور, 12 أيام, 5 ساعات, 50 دقائق, 9 ثانية
0

التعليقات

147327
أراء وكتاب
لقاء أولمرت عباس يضر فلسطين ولا ينفعلقاء أولمرت عباس يضر فلسطين ولا ينفعد. فايز أبو شمالة2020-02-10 20:31:40
عملاء عراقيون من طراز خاصعملاء عراقيون من طراز خاصعلي الكاش2020-02-08 21:50:20
في رحلة صوم يونان النبيفي رحلة صوم يونان النبيرفعت يونان عزيز 2020-02-07 15:31:16
كارثة طبيعية أم حرب بيلوجية ؟كارثة طبيعية أم حرب بيلوجية ؟الحسين عبدالرازق2020-02-06 17:38:36
مقاتل بلا اسلحةمقاتل بلا اسلحةد/رشاد حسن العطار2020-02-03 08:41:44
صفقة القرن الفاضحةصفقة القرن الفاضحةجمال المتولى جمعة 2020-02-02 12:13:28
هلا فبرايرهلا فبرايرمحمد محمد علي جنيدي2020-02-02 00:53:36
التجدبد وأصولية الطيبالتجدبد وأصولية الطيبأحمد محمود القاضي2020-01-31 13:57:26
لماذا الناصريةلماذا الناصريةحيدر محمد الوائلي2020-01-30 11:05:20
إبداعات
نار القصائدنار القصائدكرم الشبطي2020-02-10 19:09:10
آسفآسفكرم الشبطي2020-02-09 22:22:05
انعطافات منكسرةانعطافات منكسرةطاهر مصطفى2020-02-05 16:14:25
كحل العيونكحل العيونشاكر فريد حسن 2020-02-03 07:54:13
كورونا.. فيروس ام اختراع سياسي؟!كورونا.. فيروس ام اختراع سياسي؟!هالة ابو السعود2020-02-02 12:17:53
الكائن والممكن والمستحيلالكائن والممكن والمستحيلطيرا الحنفي2020-01-21 02:01:06
لا تصدقيهملا تصدقيهمأحمد يسري عبد الرسول2020-01-20 10:14:07
ألوان الشتاءألوان الشتاءمروة عبيد2020-01-19 19:39:57
ليلةٌ باردةليلةٌ باردةمروة عبيد2020-01-12 12:20:45
في رثاء محمد شحرورفي رثاء محمد شحروربنعيسى احسينات - المغرب2020-01-12 11:13:09
مساحة حرة
عودوا لوطنكم...فهو يحتاجكمعودوا لوطنكم...فهو يحتاجكم ياسمين مجدي عبده2020-02-09 20:25:41
اعترافات متأخرةاعترافات متأخرةمروة عبيد2020-02-08 13:02:37
كتاب قصص الحياةكتاب قصص الحياةرانية محي2020-02-05 23:02:52
كفاح و طموحكفاح و طموحد.أحمد محمد عبدالعال2020-02-03 19:55:00
تألق الشعر العربي بمعرض القاهرة الدولي للكتابتألق الشعر العربي بمعرض القاهرة الدولي للكتابعبدالناصر أحمد الجوهري2020-02-03 13:35:33
إعترافات متأخرةإعترافات متأخرةمروة عبيد2020-02-02 14:41:17
معرض الكتاب الدولي والتيسر علي الروادمعرض الكتاب الدولي والتيسر علي الروادعبد العزيز فرج عزو2020-02-01 22:43:51
درع وسيفدرع وسيفأحمد نظيم2020-01-31 17:05:34
html slider by WOWSlider.com v8.0
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر