GO MOBILE version!
مايو18201912:26:32 مـرمضان131440
العثور على الذات ... اغتيال الدونية 1.2.3
العثور على الذات ... اغتيال الدونية 1.2.3
مايو18201912:26:32 مـرمضان131440
منذ: 5 شهور, 24 أيام, 14 ساعات, 18 دقائق, 45 ثانية



(1)

استمعت ومعي ملايين العرب للاهانات البشعة التي أطلقها البذيء ترامب ضد ملك آل سعود ومن لف لفه ولفت انتباهي التصفيق والضحك المتواصل من قبل جمهور الحاضرين وكأنني أمام مسرحية كوميدية كنت شخصيا موضوعها كما كان الملك ومع أنني لست من أنصار الملك المذكور إلا أنني شعرت بألم اللطمة يجتاحني شخصيا وبأبشع ما شعرت من اهانة في حياتي ودفعني ذلك لاستعادة تاريخ الاهانات ضد العرب وكيفية التعاطي معنا في قضايانا وثرواتنا ومستقبلنا وحتى أرضنا وفهمت كيف جرؤ ترامب على منح القدس والجولان لإسرائيل علنا وبلا خجل ولا تردد وبثقة تامة أن لا احد من العرب والمسلمين سيفعل شيئا وان فعلوا فسيفعلون ببعضهم لا بأعدائهم وإلا لما كان ثوار العراق وقوى المعارضة إبان حكم صدام حسين قد اعتبروا احتلال بلادهم تحريرا وقد اضحك ترامب جمهور مستمعيه علينا بشكل كان واضحا منه ان الجميع يفهمون النكتة مما أشعرني ان جميع من كانوا هناك يعرفون مسبقا أننا حالة تستحق الضحك لمجرد ذكرنا وهو ما جعلني في سلة واحدة مع ملك آل سعود الذي قال عنه احد كتبة البلاط انه قرأ 120 ألف كتاب ووصفه بأنه رمز للثقافة والمثقفين وما كتبه هذا المثقف البائس جعلني على قناعة ان لا مثقفين في بلادنا على الإطلاق ما دام رمز الثقافة صاحب اللسان الفصيح هذا وما دام لدينا كتاب بلاط بهذه السخافة والصفاقة والكذب فدور المثقف يقوم على النقد والتأسيس للتغيير لا في التصفيق للحاكم زورا وبهتانا وما دام بيننا كاتب كذاك الذي أحصى كتب ملكه فسنظل أضحوكة الأرض وناسها إلى ما شاء الله فكاتبنا الإحصائي العظيم لم يعرف ان في أمريكا كتاب وصحفيين أحصوا لزعيم بلادهم عشرة آلاف كذبه من تسلمه الحكم.
أكثر من مرة وجه ترامب اهانات علنية لآل سعود وحتى في لقائه مع ولي عهد ملك السعودية وهو يتبجح بالخرائط والأرقام عن ما ستدفعه السعودية من أموال ولم يخفي زعيم الامبريالية المستغولة أبدا انه يبيع آل سعود السلاح المنتهي الصلاحية أو الخارج من الخدمة وهو قطعا لن يخفي ان هذا السلاح لن يستخدم إلا بإرادته وإرادة وزارة دفاعه وأجهزة استخباراته وبالشكل الذي يريد ورغم ان جميع زعماء أمريكا فعلوا نفس الشيء بالسر وبدون اهانات علنية تذكر إلا ان الحقيقة المطلقة والجلية جاءت على لسان المعتوه ترامب وكأن الأمر يراد له ان يكون كذلك وليس من باب السهو او خلافه ولم يعتذر ترامب عن كلمة قالها عن آل سعود وكل العرب والمسلين بل كان واضحا كل الوضوح وكأنه يقول لكل العالم ان هؤلاء الرعاع لا يستحقون أكثر من ذلك
أحد لم يرد على خطوات ترامب وقراراته واهاناته وإعلانه الوقح برغبته بإجبار آل سعود على دفع ثمن حمايته لهم واحد لم يمارس أي احتجاج عملي ضد ترامب وإدارته منذ قرار منح القدس لإسرائيل ومباركة احتلالها وشطب كلمة احتلال من الإعلام الأمريكي وفيما عدا المهاترات اللفظية ضد ترامب من البعض إلا ان الأمور ظلت على حالها بما في ذلك مواصلة التزاور مع ترامب واستقبال أركان إدارته وتعميق العلاقة به وبإدارته وشراء الأسلحة منه من قبل الجميع بلا استثناء وتجيير الخلافات العربية العربية لصالحه فقد اختلت بعض دول الخليج مع بعضها إلا ان كلا الطرفين واصلا شراء الأسلحة من ترامب ففعلت قطر ما فعلته مملكة آل سعود وكذا الإمارات وسواها واستقبلت دول الخليج الوفود من دولة الاحتلال وزارت وفودهم علنا فلسطين المحتلة من خلال دولة الاحتلال.
الرد العملي الوحيد جاء من قبل داعش وعلى لسان البغدادي نفسه في معرض تبريره لتفجيرات سيريلانكا على اعتبار أنها جاءت ضد صفقة القرن وضد إسرائيل مما يجعل السؤال الذي لا ينتهي ما هي حكاية ضرب كل العالم ما عدا أمريكا وإسرائيل واعتبار كل فعل أيا كان وفي أي مكان في العالم موجه ضد أمريكا وإسرائيل والامتناع الواضح والعلني عن ضربهما بالذات.
حركة القاعدة وطالبان وداعش ومن لف لفها تمارس كل أشكال العنف ضد الجميع باعتبار هذا العنف موجه ضد الامبريالية والصهيونية وتمتنع علنا عن مواجهتهما في عقر ديارهم فاحد من هؤلاء الغيورين لم يقم بأي رد عملي على ديار الكفر في واشنطن وتل أبيب بل كانت العراق وسوريا وليبيا واليمن ومصر وغيرها هي مسرح أحداث الموت والقتل العملي وتصوير كل ذلك زورا على انه حرب على الكفر فهل السوريين والليبيين والمصريين هم الكفار وهل الحرب العراقية الإيرانية التي أضعفت البلدين هي حرب ضد الكفر وهل احتلال أمريكا للعراق هي حرب ضد الكفر أيضا وهل الحرب على الكويت هي حرب ضد الكفر وكذا الحرب على اليمن والتي لا زالت دائرة حتى يومنا هذا وكذا الحرب الأهلية في ليبيا وما يجري في الجزائر والسودان والتفجيرات التي لا تتوقف في مصر وحالة الانقسام والخصام في فلسطين.
أين نقف نحن اليوم إذن وما هو الحال الحقيقي الذي نعيش وكيف يظهر من بين ظهرانينا من يدافع اليوم عن أمريكا وإسرائيل ويقيم امتن العلاقات معهم ومن يقتلنا علنا لمحاربة أمريكا وإسرائيل هذه كذا فعل الرئيس الراحل صدام حسين وهو يقاتل إيران فقد أعلن أكثر من مرة ان الطريق إلى القدس تمر عبر " المحمرة " وكذا كان احتلال الكويت أيضا طريقا إلى القدس من جديد وكان كل طرق الأرض توصل إلى القدس إلا طريق القدس نفسها.
كل العرب تقريبا وقفوا إلى جانب صدام حسين وهو يحارب إيران واعتبروه حارسا للبوابة الشرقية للعالم العربي ولم يكن احد على الإطلاق معنيا بالبوابة الخلفية التي تتسلل منها إسرائيل بكل قواها ومعها كل قوى الاستعمار والامبريالية وحين ارتد صدام عن إيران إلى الكويت معتبرا الحرب العراقية الإيرانية لثماني سنوات عجاف فتنة وقفوا جميعا صفا واحدا مع أمريكا وليس مع أنفسهم ليحاربوا في جبهتها بما في ذلك قوى المعارضة العراقية بكل ألوانها والذين قبلوا لأنفسهم ان يدخلوا إلى بلدهم على ظهر دبابة الاحتلال الأمريكي واصطف معا اليساري واليميني والعلماني والمتدين تحت علم أمريكا الامبريالي وصفقوا لاحتلال بلدهم باعتباره تحريرا وبكل صفاقة وبلا أدنى خجل.
المصيبة الألعن في تاريخنا الحديث ان كل أشكال العار التي نمارسها تجد من يدافع عنها ويقدم لها رؤى فكرية وفلسفية وأدب وفن وقد ظهر ذك جليا في الحرب على إيران والحرب على العراق والحرب على الكويت والحرب على سوريا وليبيا واليمن ووجدنا مثقفين او أشباه مثقفين عرب يدافعون عن التطبيع مع الصهيونية ولم نسمع مثقف عربي واحد يطالب بقطع العلاقة مع واشنطن بعد إعلان القدس عاصمة للصهيونية ودولة الاحتلال ولا بعد منح الجولان لدولة الاحتلال دون اعتبار لدولة عربية بحجم سوريا وعلى العكس من ذلك فلم يخرج صوت عربي واحد يذكر بشيء تلك الفعلة الترامبية الشنيعة.
القدس التي كانت ولا زالت وتبقى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين عند العرب المسلمين وقبلة العرب المسيحيين تسرق علنا ولا يفعل احد شيئا على الإطلاق سوى تصريح هنا وتصريح هناك واجتماع هنا واجتماع هناك دون تطال تلك التصريحات والاجتماعات ولو بالقول أمريكا على الإطلاق اللهم إلا بلغة العتاب والعتب ولا شيء أكثر وبدل من ذلك وجدنا بين ظهرانينا من يذبح ويدعو يذبح الآيزيدين والمسيحيين والشيعة تارة والسنة تارة وتبقى أمريكا وإسرائيل بمنأى عن أي خطر وكذا وجدنا الشعب الذي يقبع تحت الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة منشغل ببعضه تاركا للاحتلال حق التصرف بالبلاد والعباد دون ان يندى جبين احد على الإطلاق من سائر الأطراف.
ما هي أسباب حالة البؤس التي نعيش ولماذا تتغلغل فينا حالة الهوان وقبول الاهانة حد الاستهانة بذواتنا ومشاركة الآخرين الهجوم علينا وجلد ذاتنا قابلين أولا بجلد الآخرين واهانتهم العلنية لنا بكل وقاحة وبدل مواجهتهم نسارع للارتماء بأحضانهم فيتسلل من بين ظهرانينا كل مبدع وعالم ومهني ناجح بل وحتى كل عامل نشيط لينتمي إلى عالم اللصوص والاحتماء بجنسياتهم ونقف في طوابير الانتظار للحصول على جنسيات الآخرين وننفذ بأيدينا ودمنا أجنداتهم في كل أرجاء الوطن العربي ففي فلسطين بات العمل في المستوطنات ومؤسسات الاحتلال مخرجا حياتيا للغالبية من عامة الناس وبعض الموظفين يحصلون على إجازات ليبحثوا عن عمل في مؤسسات العدو ونعلن عن مقاطعة منتجات المستوطنات ولا نتحدث أبدا عن العمل في إنتاج تلك المنتجات في نفس المستوطنات.
يعيش العرب بؤس سياسي لا يفوقه بؤس على الأرض حتى في أكثر البلدان فقرا وتخلفا فقد نكون الأمة الوحيدة على الأرض التي تمالئ المحتلين والأعداء وتكون عونا لهم على ذاتها, وبؤس او تخلف اجتماعي يطال نصف مجتمعنا باعتبار المرأة ضلع قاصر وعورة لا يجوز إظهارها للعلن لا شكلا ولا عملا ولا صوت, وبؤس ثقافي فنحن نستخدم لغات الغير لنثبت أننا عصريين ومتحضرين فقد لا تجد اسما لشركة او محل إلا واللغات اللاتينية أساسا لها وان لم يكن بالاسم فبالاختصار او بالشعار وأحيانا نستخدم أسماء وشعارات معادية لنا دون إدراك ومعرفة لنثبت للقاصي والداني بان الجهل يسيطر علينا بالمطلق, وبؤس اقتصادي لا مثيل له فنحن أكثر الأمم استهلاكا لمنتجات غيرنا وبعدا عن أي إبداع او إنتاج او مشاركة في صناعة خيرات البشرية ولا نقدم أي تميز حتى في صنوف الأكل فلا يوجد ماركة طعام عربية واحدة مكتفين بدور الفم الملتهم للطعام والفاقد لأي دور آخر وإذا استثنيا المطبخ التركي من قائمة طعامنا فقد لا نجد ما نملأ به أمعاءنا سوى الخبز واللبن فالرز ليس من زادنا أبدا وحتى الملابس فلا دار أزياء عربية تشارك في صناعة الأزياء في العالم وحتى اللباس العربي التقليدي فان أشهر دور لصناعته في باريس وروما والصين والهند, وبؤس في العلم فنحن اقل الأمم بحثا وسعيا للعلم والمعرفة فلا نقرا ولا نكتب وان فعلنا فلا نفعل ما هو ضروري لا فيما نقرأ ولا فيما نكتب ولا نعرف دورا للمختبرات إلا لفحص البول فكل العرب فبينما تنفق أمريكا على البحث العلمي عن الفرد الواحد 1441 دولار وتنفق إسرائيل 1361 دولار تنفق كل من مصر والمغرب وتونس والسودان والجزائر وعمان والبحرين مجتمعين 295 دولار.
وكثيرين أولئك الذين تحدثوا عن أسباب تخلفنا وهواننا وضعفنا وقد حاول البعض وضع أسباب واضحة ومحددة لذلك وقد تشابه البعض ويمكن اختزال الأسباب التي يعتقدها الجميع تقريبا بما يلي:
- "ألما ورائية" أي العيش في جلباب الماضي والتاريخ مع تصويره كما نشتهي احتماء به من الحاضر المزري.
- غياب التخطيط والابتكار والقدرة على توجيه الاستثمار.
- غياب العقل النقدي وتقييد العقل بما هو مقبول ومنعه عن البحث والتحليل للوصول إلى ما هو ضروري
- سوء استخدام الإعلام وسائر وسائل الاتصال او عدم وجود رسالة لنقلها إلى العالم.
- التعليم التلقيني المغيب كليا للفكر المبدع وللفضاء الحر للتفكير
- الشخصنة التامة لكل شيء وتغييب المأسسة كليا عن حياتنا
- الارتهان إلى المقدس التاريخي البعيد وغير المثبت باعتباره مسلما ولا يجوز مناقشته من باب تقديس القديم
- الانغلاق على الذات ورفض قبول الآخر خوفا لا تعففا ولا غنى
- التمسك بالعادات والتقاليد القديمة والانغلاق كليا عن حضارات البشر وايجابياتها.
- الدين والغيبيات والفقه المتحجر وكان الآخرين لا دين لهم ولا غيبيات ولا عصور ظلامية كانت أبشع مما مر علينا
- غياب الثورة الثقافية كليا فلم يظهر حتى اليوم في أوساطنا فلاسفة ثوار كفولتير وروسو وديدرو وغيرهم
- غياب الثورة الاجتماعية والاقتصادية فلا مجددين ولا ثائرين وبالتالي غابت الثورة السياسية وانحصرت في جملة من انقلابات لاستبدال الحاكم لا لتغيير الحكم.
- حق القيادة للعجائز على قاعدة الأكبر سنا أكثر وعيا وبالتالي تغييب دور الشباب ومنع حماسهم من الفعل والقبول بعقلية العجوز المتعب الرافض للتجديد والتغيير.
- زيادة عدد السكان – مصر نموذجا
- سلبية المثقفين وتقاعسهم
- الهزائم المتواصلة
- الاستعمار والاحتلال وسيطرة الأجنبي.
هذه الأسباب وغيرها هي التي يجب علينا مناقشتها والانتهاء من فحصها سعيا للإجابة على السؤال الأهم كيف يمكننا ان نبحث عن ذاتنا لنجدها مقدمة لرفض الدونية والنهوض من تحت ركامها باغتيالها ودفنها تحت ركامها ذاته ليصبح قبرها شاهدا على انتصارنا وخروجنا من قمقم التخلف واقعا حقيقيا لنا وصورة يراها الآخرين حين نكون جزء فاعل وحقيقي ومشارك في صياغة حضارة البشر وفعلهم المثمر على الأرض.

(2)

يعاني العرب تاريخيا وباعتراف غريب من الجميع من الالتصاق بالماضي بكل اشكاله حد التغني به بكل مناسبة فلا يفوت العربي اية فرصة للقول بماضيه العظيم وينسب لنفسه كل البطولات والانجازات ولا يترك شاردة ولا واردة من الانجازات الانسانية إلا وينسبها لنفسه عبر اثبات علاقة ما بها عبر التاريخ فنحن اي العرب اصحاب اختراع الطيران نسبة الى عباس بن فرناس وهو اندلسي من اصل أمازيغي لا يمت للعرب بصلة وأعظم الفلكيين هو العالم المسلم الخوارزمي ويكفي ان نعرف انه ينتمي باسمه الى خوارزم لندرك جيدا ان لا علاقة لآسيا الوسطى بالعرب والعروبة وابن سينا من بخارى وعمر الخيام الشاعر وعالم الرياضيات فارسي وكذا ابن المقفع فارسي ولد مجوسيا وأسلم والفارابي من تركستان وابن رشد من قرطبة وحتى نصل الى بطولات صلاح الدين الأيوبي القريبة منا والمعروف بكرديته للقاصي والداني وبالتالي فنحن نعرف جيدا ان اولئك الذين نتغنى بأسمائهم وتراثهم وانجازاتهم لا ينتمون لنا قوميا وان الدين الذي يوحدنا لا يوحد قوميات البشر بل ايمانهم ونحن نذكر هؤلاء لا كمسلمين بل كعرب بلا اي امانة علمية او احترام لقوميات هؤلاء العلماء ومن يحاول التدقيق يرى الفرق الهائل بين قوميات المسلمين غير العرب والعرب فبلدان مثل تركيا وماليزيا وإيران هي دول مسلمة حضارية ومتطورة تحظى باحترام الجميع بلا استثناء بعكس دول المسلمين العرب الذين تستخدم اسمائهم ودولهم للتندر وتلصق بهم كل الصفات الدونية وكذا يفعلون بأنفسهم وقد سبق وناقشت هذا الامر مرارا عن حجم الشتائم التي يكيلونها العرب لأنفسهم بالسر والعلن وحين يصبح التبجح ضرورة نسرق انجازات غيرنا وننسبها لأنفسنا بكل وقاحة فلو ان ابن سينا وغيره كانوا عربا لما كان حالنا على ما نحن عليه ولكنا راكمنا انجازات علماءنا وفلاسفتنا ومبدعينا ولم نكن لنحرق كتبا ونمنع علماء وفلاسفة من القول والتفكير والنقد
ألما ورائية اذن مرض عربي مستشري بلا حدود فالعرب يفاخرون الناس وأنفسهم بماضيهم وهم دون غيرهم من الأمم لاعنين للحاضر مرعوبين من المستقبل وراهنين أنفسهم بماضي لا احد يريد له أن يعود بما فيهم هم أنفسهم فلن تجد عربي واحد يقبل بالعودة لزمن السيف والرمح والخيل والإبل وبيوت القش والطهي على النار وان يتنازل عن الكهرباء والتلفاز وجهاز الهاتف النقال والتكييف والانترنت ووسائل الاتصال والتواصل الحديثة رغم انه لاعن لها ويتبرم منها علنا وما أن يخلو إلى نفسه حتى يسعى إليها بكل ما أوتي من رغبة وتفاعل وكذا يفعل لقضاء أشغاله وتحقيق الأرباح فيستخدم الانترنت لطلب بضاعته ومتابعتها وتحويل المبالغ المطلوبة ومتابعة أعمال التخليص وكذا يفعل طالب الجامعة بتسجيل مواده الجامعية على رأس كل فصل ومتابعة تعليمات الجامعة ومدرس المادة والحصول على ما يحتاج من مراجع ومصادر لعمل أبحاثه أو دراسة المواد للازمة لتخصصه وفي معظم الأحيان لسرقة المواد وتقديمها على أنها من جهده ليحصل على العلامة التي يريد ويجتاز المادة بدون وجه حق.
الحركات الجهادية الإسلامية كالقاعدة وداعش وغيرها جميعا تلعن علنا كل بدعة غربية كالتلفاز مثلا وغيره إلا أنها تستخدم كل هذه البدع لتحقيق غاياتها فكل أعمال الكفار بدع وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار إلا سلاح الغربيين فمسموح استخدامه في الحرب على أعداء الداخل من الأهل الذين يختلفون معهم ومسموح استخدام الانترنت وأجهزة الاتصال لتحقيق الغايات وتجنيد العناصر وتنفيذ المهام ونحن عادة ما نلعن الغرب ونكفرهم ونرفض نمط حياتهم مع اننا حقيقة نلحق بهم بصمت وبدون اي شعور بالذنب ابدا فنلعن لباسهم ونلبسه ونلعن طعامهم ونأكله ونلعن اختراعاتهم ولا نستخدم سواها لان لا بديل لها وأخطر ما في الأمر اننا نصر دائما على تقزيم من هم غيرنا وتصغيرهم والتقليل من اهمية ما يفعلون ونكتب على صفحات الانترنت كلاما سخيفا عن دونية الغرب وكفرهم مع علمنا ان الاداة التي نستخدمها لإيصال رأينا هي اداتهم وان الولايات المتحدة الامريكية الدولة قاطعة الطريق الاولى والقاتل المأجور الاول والدولة الجريمة بكاملها هي من تمسك بنبع الانترنت وان بإمكانها بكبسة زر واحدة ان توقف اعمال الارض جميعها والتي باتت مرتبطة بمنجزات الثورة الرقمية في العالم والانترنت بات اهم هذه الانجازات فالعالم كل العالم اليوم يستخدم الحاسوب والانترنت في جميع الاعمال والجميع يعرف ان امريكا استخدمت الحرب الالكترونية ضد مفاعل ايران النووي.
لقد نقل الامويين الحكم الى بلاد الشام وخرجوا من بلادهم ليفرضوا حكمهم الوراثي الذي حمل اسم الاسلام لفظا ولا زال الجميع اليوم يقبلون بإمامة الامويين وإمامة العباسيين رغم علم الجميع ان التوريث لا علاقة له بالدين الاسلامي لا من قريب ولا من بعيد كما ان علاقة العربي بالمكان انتفت منذ خروج الامويين من الجزيرة الى بلاد الشام فهم اي حكام الامة لم يكونوا ينتمون الى المكان بل جاءوا اليه من الخارج ولذلك علاقة في مراكمة الفعل والفكر فعمر الدولة الراشدية لم يستمر اكثر من ثلاثة عقود 632م الى 662م وقد تميزت فترة الحكم الراشدي بالفتوحات الخارجية مما جعل الدولة تتوسع كثيرا حتى اصبحت السيطرة على سائر المناطق امرا صعبا ومن جانب آخر فقد أخذ العرب معهم الى البلدان الجديدة دينهم بينما وجدوا انفسهم ملزمين بأخذ نمط حياة الاخرين وثقافتهم وهذا يعني ان الدولة الراشدية لم يكن بامكانها بهذا العمر القصير ان تؤسس لدولة عربية قوية ومتماسكة لقصر المدة والانشغال بالفتوحات والفجوة الحضارية بين الفاتح وأهالي البلدان المفتوحة الى ان انقل الحكم الاسلامي باسم العرب الى الامويين وهي الدولة التي لم يمتد حكمها لأكثر من تسعة عقود من 662م الى 750م التي جاءت على شكل انشقاق والي الشام عن الحكم في جزيرة العرب وتنازل الامام الحسن او اجباره على التنازل عن الخلافة بعد حروب طاحنة وقعت بين طرفي الحكم في جزيرة العرب ولم يمض وقت طويل على حكم الامويين حتى انهار حكمهم واصيب بالضعف الشديد وانقسم حال الدولة الاسلامية بعد ان ضعف تاثيرها على الاقطار البعيدة كالعراق ومن المعروف ان الخلافات في الاصل نشأت على من هم احق بالحكم او بالخلافة فبعد ان هزمت احقية سلالة علي على يد الامويين جاء من يقول بأحقية سلالة العباس ولم تعش دولة الامويين زمنا كافيا لتؤسس لحضارة حقيقية يمكن لها ان تتواصل وتعيش لامد طويل فالفترة كانت قصيرة جدا 91 عام وكذا لم تعش هذه الفترة اي حال استقرار كما ان الحكام حكموا على ارض غير ارضهم وبثقافة غير ثقافتهم ونمط حياة غير نمط حياتهم كما ان دولة الامويين ظلت بعيدة كل البعد عن الاستقرار فقد واجهت ثورة الحسين بن علي ومعركة كربلاء الشهيرة ثم ثورة المختار بن عبيد الله الثقفي والتي ادت الى هزيمة الامويين وقيام دولة الكوفة ثم ثورة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب وأكثر الثورات التي اشغلت الدولة الاموية وأكثرها اتساعا كانت ثورة الخوارج وعلينا ان ندرك جيدا ان حكما قام على السيطرة واستخدم فيه الدين لا للمساواة بين اتباعه بل لسيطرة قومية على غيرها مما جعل غير العرب او الموالي من سكان البلاد الاصليين غير راضين عن الحكم وجاهزين للاستجابة لكل حراك ثوري ضد حكم الغرباء والخلافات على الحكم والصراعات عليه ايضا كان لها تأثير خطير على عدم الاستقرار فالصراع بدء على قبر معاوية نفسه فقد اجبر معاوية الثاني بن يزيد على التنازل عن الحكم كما قتل الوليد بن يزيد وانقسم الامويين بعد ان قتل سليمان بن عبد الملك محمد الثقفي وقتيبة بن مسلم وهذه الحال انتقلت ايضا الى الدولة العباسية والتي مرت بمراحل مختلفة كان اهمها وأكثرها رخاء ما سمي بالعصر الذهبي 785 – 847 م وفيما عدا ذلك فقد تعرضت الدولة العباسية لكل صنوف الثورة والمعارضة الى ان انهارت كليا على يد التتار وكان عهد الفتن والحروب ومظاهر الانهيار قد استمر من847 – 1055م فقد استقل عبد الرحمن الداخل بالأندلس وأقيمت دولة الأدارسة في المغرب وأقيم حكم الأغالبة في ليبيا وتونس وشمال الجزائر والى جانب عدم وحدة الدولة فقد تغير مركز الحكم مرارا من بغداد الى القاهرة الى دمشق الى سامراء والى بغداد الى جانب عواصم الولايات المنفصلة او المدارة ذاتيا من قبل ولاتها بدون اعلان الانفصال كما ان المعتقد الفكري او المذهب الديني تغير مرارا من التقارب مع الشيعة في البدايات الى المعتزلة ابان حكم المأمون في حين انقلب المتوكل بالله على كل شيء الى ان تآمر عليه ابنه مع قادة الجيش الاتراك وقتل وتولى ابنه المنتصر الحكم فترة قصيرة فسرعان ما قضى عليه حلفاءه الاتراك بالسم وتطول سلسة الدول التي ظهرت ابان حكم العباسيين كالطوليين والسلاجقة بالمقابل حكم آل هانوفر بريطانيا بشكل متواصل من عام 1714 – 1901 ولا زالت الاسرة الحاكمة الحالية آل ويندسور في الحكم منذ عام 1910م حتى اليوم بينما حكم الكابيتيون فرنسا حوالي 900 عام متواصلة من 987 – 1792م بينما يعود تاريخ العائلة الامبراطورية الحاكمة في اليابان الى 2600 سنة ويعتبر الامبراطور الحالي هو الامبراطور رقم 126 وما قصدته هنا هو ان التواصل والاستمرارية يؤسسان لنمط حياة وثقافة ثابتة ويؤسسان لغد مبدع عبر مراكمة المعرفة والفعل والمعرفة وأدواتها الحقيقية بما يعني ان الانشغال بالتآمر والحروب والانقلابات حتى بالمعتقد لم تتح للعرب صناعة تأثير حقيقي على الارض فلا هم بقوا في ارضهم " الجزيرة العربية " ولا قبلتهم الشعوب والأمم الاخرى حتى وهي تدخل في الدين الاسلامي ففي كثير من الاحيان لم يكن هذا الدخول بسبب القناعة والدعوة بل بسبب الخوف من الحاكم الاجنبي وهذا يعني ان روح الانتماء والوحدة ظلت مفقودة بين الحاكمين والمحكومين وهو ما يعني اليوم بالعودة التعميمية للماضي وبدون تدقيق فيخلط العربي بين قوميته ودينه عند مصلحته بذلك ويجمل الاحداث ويخفي عيوبها محاولا عدم التطرق لها وينسب لنفسه ابداعات غيره دون ان ينتمي اليها.
ما جرى على الارض العربية او ما يسمى بأرض العرب حاليا كان قطع للعلاقة كليا مع الماضي والتنكر له والإعلان عن بدء صفحة جديدة اضرت دون ان تفيد في مستقبل امة جرى توحيدها بالقوة لا بالانتماء وعبر تغيير الحاكمين فقد شطبت كل انظمة الحكم الوطنية في بلاد الشام ونهر النيل والرافدين وألغيت حضارات تلك الامم كليا مما جعل الفراغ هو المسيطر عمليا وصارت الية الحضارة القائمة على مراكمة الانجازات لا وجود لها على ارض العرب عبر القطع القسري للجذور مع الماضي رغم عراقته وانجازاته.
ان قراءة سريعة لتاريخ اهم الدول العربية وهي مصر يبين حالة الانقطاع القسري مع الجذور مرارا فمصر التي حكمها الفراعنة حتى عام 31 ق.م حيث خضعت لحكم الامبراطورية الرومانية الغربية " روما " حتى سنة 476م عاش المصريون خلالها اسوأ اوضاعهم تحت حكم نيرون ودقيانوس فقد جرى اضطهادهم دينيا وإنسانيا بأبشع الصور وانقطعت علاقتهم بحضارتهم كليا وقد اعتبر اباطرة روما مصر مصدرا للغلال فنهبت البلد كليا ولم يستقر حالها حتى اعتنق الامبراطور قسطنطين المسيحية واعتبرها دين الامبراطورية عام 313 ميلادية وفي عام 476 ورثت بيزنطا روما وخضعت مصر لحكم الامبراطورية الرومانية الشرقية " بيزنطا " وفي تلك الفترة عانى المصريون من الصراع الديني مع الامبراطورية الحاكمة لاختلاف المذهب بينهم فبيزنطا آمنت بالمذهب الملكانية الذي يعتقد بطبيعتين للمسيح عليه السلام بنما يعتقد المصريين بالمذهب اليعقوبي الذي يراه بطبيعة الهية واحدة وقد تواصل حكم بيزنطا حتى سنة 641 ميلادية حيث دخلتها جيوش المسلمين وفرضت عليها سيطرتها السياسية ثم الدينية فيما بعد.
ان نموذج القطع القسري مع التاريخ وإلغاء الحضارات القديمة والتنكر لها مع الابقاء على حالة القبول بالماضي المختار " القريب " دون تحقق او تمحيص جعل من العربي نموذج لمن يعيش بلا قواعد وهو كالبيت بلا اساسات او اعمدة فلا هو قادر على العودة لتاريخه الخاص ولا هو قادر على الامساك بتاريخ عربي حقيقي ينتمي اليه فالحضارات والآثار الشاهدة على الحقيقة في بلاد الشام وما بين النهرين ووادي النيل لا علاقة لها بالعروبة لا من قريب ولا من بعيد إلا بالمحاولات الغبية لتعريب كل شيء وهذا يشبه السرقة او حكاية الطير الذي حاول تقليد مشية غيره فنسي مشيته ولم ينجح في التقليد وبالتالي فان نماذج الامم التي واصلت الانتماء لماضيها دون ان يؤثر تغير الفكر او الدين على الحقائق على الارض استطاعت النجاح في مراكمة الانجازات العملية والمعرفية وان تطور تلك الانجازات دون وجل او خوف بينما خسرت الامم التي احرقت جسورها مع تاريخها الحقيقي لتنتمي الى تاريخ غيرها مع ان الفارق الحضاري كان لصالح تاريخها الذي طلقته فهي لهذا لم تنجح في الابقاء على ذاتها حية وقادرة على التطور ولم تجد ما تنتمي اليها سوى حكايات ملفقة لا تغني ولا تسمن من جوع ولن يستطيع التشدق بخرافات الماضي والأوهام المزعومة ان تعطي ايا من الامم حقها في الحياة والقدرة على صناعة غدها كجزء من غد البشرية التي تواصل التقدم غير ملتفتة لأصوات الطبول الفارغة فالوهم والأمنيات لا يصنعان حضارات الامم.

(3)

العربي اذن مغيب عن واقعه الحقيقي منذ قبل بتحويل قوميته مع تحويل دينه فهو في حقيقة الامر تغير قسرا من الخارج وبقي كما هو من داخله دون القدرة على الافصاح او التعبير عن مشاعره الحقيقية ولذا تجد شتيمة العرب خارج الجزيرة العربية وألفاظ الكفر والكلمات النابية منتشرة فقط في خارج جزيرة العرب وقد تكون مظاهر الكراهية للذات المفروضة على الأنا واضحة وجلية في كل مناحي حياة المعربين " بفتح الراء " قسرا فالمعرب يعبر عن رفضه لعروبته ليس بالشتم والسب والتقليل من قيمتها فقط بل وبتعظيم غير العربي فكثيرا ما نعظم لغات الاخرين ومظاهر حياتهم بما في ذلك لغة مغمورة جدا ومحدثة جدا بعد ان مات لقرون هي اللغة العبرية تجد صدى لها اكثر اهتماما لدى الشباب الفلسطيني ويتم استخدام مفرداتها على نطاق واسع بل والتحدث بها علانية احيانا وبدون سبب وجيه ورغم قصر عمر هذه اللغة الحديث إلا ان هناك كلمات بات المواطن الفلسطيني في الجليل والمثلث والنقب والساحل وحتى في الاراضي المحتلة عام 1967م يستخدم بعض الكلمات العبرية ويدافع عن ذلك بغياب البديل العربي وببساطة فهو تعلم الكلمة من خلال عدوه مع ان اللغة العبرية لا تدرس في مدارس الضفة الغربية وغزة والأخطر من ذلك ان الكثير من الفلسطينيين يكتبون اسمائهم بالعبرية على وسائل التواصل الاجتماعي.
العرب الاصليين في الجزيرة العربية يعتزون بلباسهم الوطني ويذهبون به الى كل بقاع الارض ولا يفعل ذلك ابدا المعربين في بلاد الشام ووادي النيل وما بين النهرين ودول المغرب العربي فلا وجود ابدا للباس العربي في حياتهم حتى في القديم ولا علاقة ابدا للهجات المحكية في تلك الجهات مع لهجات الخليج العربي ولا يستخدم ابناء الجزيرة والخليج الاسماء الغربية لا في حياتهم وأعمالهم ولا في اسماءهم وأسماء اولادهم وهذه مفارقة يجب اخذها بالحسبان بل ان بعض التعبيرات في الخطاب العربي بلدان المعربين لا وجود لها في الجزيرة والخليج فلا احد هناك يخاطب احدا بكلمة سيدي ولا بكلمة صاحب الجلالة فيسمى ملك السعودية بخادم الحرمين الشريفين ويسمى امير الامارات العربية الموحدة صاحب السمو ويبجل بكلمة طويل العمر وهي أقصى كلمة مديح ممكن وأيا كان الموقف من سياسات وتبعية تلك الدول الا انها الوحيدة في العالم العربي المتصالحة مع نفسها ثقافيا دون النظر الى مدى التقدم او التخلف برأي الاخرين لكن الزائر لتلك البلدان يستطيع ان يتأكد بسهولة فائقة ومن مشاهداته السطحية السريعة انه في دولة عربية بكل المقاييس وبالتأكيد فان ذلك لا يكفي لمواكبة تقدم العصر ومدى تسارع التطور في الحضارة الانسانية والعلاقة بهذا التطور والقدرة على استيعابه والاستفادة منه وهنا ياتي دور السياسة والتبعية التي عاشها ويعيشها العرب منذ القديم
في بلدان المعربين ينتشر الكذب حد عدم الخجل منه ولذا يفلسفون الكذب بتسميات مختلفة وفقط لدى المعربين كذب ابيض وكذب بريء وكذب غير مقصود والكذب ملح الرجال وقد لا يكون للكذب اسماء وألوان إلا عند أو المعربين ان جاز التعبير ولا يخجل المعرب من الكذب مع ان الاخلاق والقيم والمجتمع وفوق ذلك الدين الاسلامي يحضون على الصدق ويعتبرون الكذب أبشع الجرائم إلا ان حقيقة الامر خلاف ذلك على الاطلاق ولذا يسود الكذب في كل تفاصيل الحياة حد فلسفته والدفاع عنه فيكذب الحاكم والأب ويكذب المحكوم والابن فالحاكم يكذب ليحكم والمحكوم يكذب لينال رضا الحاكم وكذا في الاسرة ويتحدث الجميع عن مكانة المرأة ودورها وفي حقيقة الامر يتم التعامل معها بفوقية وتعالي في كل شيء الا في الكلام عنها بغيابها فالمرأة عورة في كل شيء وأفضل مكان لها هو بيتها وخدمة الرجل ايا كان هذا الرجل بدءا من الاب والزوج والابن وانتهاء بالحاكم.
المعرب " بفتح الراء " لا يحب العربي الذي آل اليه لأن العربي برأيه المستتر جرده من قوميته ودينه واجبره على اعتناق قومية ودين غيره الاقوى والمسيطر وهو – اي المعرب – غير قادر على كشف حقيقته وبالتالي سيواصل اعتقاده الكاذب بالعروبة التي يكرهها في سره ولا يستطيع الافصاح عن هذه الكراهية بعد كل هذه القرون والمتغيرات فلا بد والحال هذه ان يواصل كذبه الرسمي على نفسه والآخرين بتمجيد الذات الغريبة " المحدثة " هذه ومحاولة ربط كل الماضي بها وان لم يستطع فعل ذلك تجده يتنكر لهذا الماضي علنا ويمجده بسره ليقينه انه ينتمي اليه في حقيقة امره ولذا فقط لدى العرب تسود ظاهرة التحسر على الماضي والماضي هنا في حقيقة الامر ليس ماضي عروبته بل الماضي الذي اجبر على مغادرته بهذا الشكل او ذاك.
المسلم الماليزي والتركي والاندونيسي والإيراني تمكن من تحقيق انجازات كبيرة على الصعيد القومي لأنه ببساطة حافظ على انتماءه لأناه كما هي وفقط انتقل بإيمانه الديني الى الاسلام دون ان يخجل او يقطع علاقته قسرا بتاريخه البعيد ودون ان يتنكر لهذا التاريخ وهو ما فعله من تنازلوا عن قومياتهم لصالح قومية الدين وساووا قسرا بين العروبة والإسلام وبالتالي شكل المخزون الحضاري لقومياتهم مادة اثراء للإسلام ساهم في تطوير تلك الشعوب ونقلها الى الامام لتقف على مسافة مساوية لأمم الارض بشتى صنوف الحضارة وتعتبر اليوم دول مثل تركيا وإيران وماليزيا في مصاف الدول المهمة في العالم ولا يجري التعاطي مع هذه الدول بفوقية كما هو الامر مع حال الدول العربية ورغم ان حزبا اسلاميا متشددا يحكم تركيا إلا ان الحياة المدنية لم يتم الاقتراب منها بسوء وظلت الحريات العامة لمواطنيها مصانة بلا حدود وخصوصا الحريات الشخصية واستطاعت ماليزيا في فترة وجيزة من الزمن الانتقال من دولة فقيرة الى واحدة من الدول المانحة وعضو في نادي المانحين.
فقط في بلاد المعربين يجوز التحزب للغير كان يكون الانقسام قائم مثلا على الولاء لفرق رياضية مثل برشلونة او مدريد او ان هناك من يؤيد ايران ضد تركيا فيرفع علم ايران على سيارته او بيته او يفعل ذلك مع علم تركيا دون ان يهتم بعلم ويتصارع العرب على لعبة كرة قدم اسبانية ويخرج الناس في شوارع المدن الفلسطينية مثلا ليحتفلوا بكل مظاهر الاحتفال لفوز فريق اسباني على فريق آخر ويصل الامر حد التعصب للفرق الغريبة وتسمية الناس بأسماء الفرق التي يؤيدونها وباعتقادي ان لا احد من لاعبي او جمهور تلك الفرق يعنيه الامر بشيء على الاطلاق.
يعيش شبابنا العربي حالة من الاستلاب مقلقة بكل صورها فالمعرب لا يشعر ابدا بالاغتراب وهو ينتحل صورة الآخرين بلغته وملابسه وسلوكه وحتى في السعي للاقتران به والحصول على جنسيته والانتماء لقضاياه وبالتالي فان العرب وحدهم او المعربين دون امم الارض الاخرى من يتفاخرون بأبناء جلدتهم الذين طلقوا قومياتهم ووطنيتهم بالثلاث على الطريقة الاسلامية لصالح قوميات اخرى ثم حققوا نجاحات هناك والأغرب ان العربي المتنازل عن هويته او جنسيته يبدأ بالمفاخرة بانتمائه لقضايا العرب عن بعد وكأنه نصير لهذه القضايا لا ضحية على يد اعداءه وأعداء امته فيتباهى العربي أو المعرب بلغة الغير وثقافة الغير وتاريخ الغير وكذا بحصوله على جنسية الغير وتجده مبدع ومثابر وقادر على العطاء اكثر بكثير من عطائه لقومه وبلده او من قدرته على احتمال السعي للتغيير والانتقال بقومه خطوة الى الامام فيستسهل الانتقال الى قوميات اخرى ينتمي اليها بكل كيانه ويعطيها كل ما عنده ويمن على قومه بالذكرى وبعض المناصرة اللفظية
هناك من يعيد تاريخ بلاد الشام ومابين النهرين الى القبيلتين العربيتين الغساسنة والمناذرة متفاخرا بالنسب العربي لتك القبيلتين اللتان تعود جذورهما الى قبيلة واحدة هي قبيلة ازد اليمنية التي غادرت اليمن بحثا بعد انهيار سد مأرب وبمعنى اكثر وضوحا فان أزد تركت وطنها بحثا عن وطن جديد بدل ان تسعى لإعادة بناء الوطن وهي ثقافة حملتها اذرعها بعد ان انقسمت على حالها الى عديد القبائل ومنها الغساسنة والمناذرة والتي يتفاخر البعض من مؤرخينا او المدعين بانتسابهما الى العروبة لكن ما يحاول البعض تجاهله ان كلا القبيلتين عملتا كتابعتين لكل من الفرس والروم واقتتلتا دفاعا عن الفرس والروم فتبع المناذرة في العراق للفرس والغساسنة في بلاد الشام للروم بل وقاتلوا واقتتلوا نيابة عن الامبراطوريتين وبمعنى ادق كان الغساسنة والمناذرة وكلاء للإمبراطوريتين الغريبتين عن العرب والعروبة ومارست قبيلة أزد اليمنية المنقسمة على حالها الاقتتال لصالح الغرباء وقد يكون ذلك تكرارا للحقيقة المؤلمة التي نعيشها وهي مواصلة لما كان العرب قد بدءوه قبل الاسلام فانقسام قبيلتين عربيتين وخروجهما من الجزيرة العربية والاستيطان في بلاد الغرباء لم يكن على قاعدة الانتصار على الغير بل على قاعدة الاحتماء بالغير وبذا وصل العرب الفاتحين لبلاد الغير باسم الاسلام الى تسليم السلطات لغيرهم فغابت دولة الامويين لصالح العباسيين الذين سلموا سلطات الجيش للأتراك والدواوين للفرس فكانت اللغة التركية لغة الجيش واللغة الفارسية لغة الدواوين وتركت العربية كلغة للدين فقط وقد ذكر الكاتب السوري غسان الامام في صحيفة الشرق الاوسط العدد ( 14091 ) أن التاريخ القديم عرف " نوعا من الارتزاق. أو بالأحرى شكلا من أشكال " استئجار " الأقوى للأضعف, فقد قبل العرب المناذرة المرابطون على تخوم الصحراء العراقية حماية الدولة الساسانية (الفارسية) لهم في مقابل أن يكونوا حماة لحدودها الصحراوية المتطرفة, وقبل العرب الغساسنة حماية الإمبراطورية الرومانية لهم في مقابل أن يكونوا «جرس إنذار» ينبهها إلى خطرٍ ما يهددها مقبلٍ من الصحراء العربية. "
حروب العرب ضد العرب تاريخ عميق من الارتزاق والمرتزقة وحروب بالوكالة بما في ذلك ابشعها كانت حرب داعس والغبراء والتي دامت اربعة عقود بين عبس وذبيان اللتان تنتميان الى قبيلة واحدة هي غطفان وسبب الحرب ان قبيلة عبس سطت على قافلة حجاج للمناذرة كانت تحت حماية الذبيانيين وقد سبق واشرنا ان المناذرة انفسهم كانوا وكلاء الفرس ضد الروم وضد الغساسنة الذين كانوا وكلاء الروم ضد الفرس أي ان كلا القبيلتين المنتميتان ايضا لقبيلة واحدة اقتتلوا كوكلاء عن الغرباء وكذا حرب الفجار بين قبيلتي كنانة وقيس عيلان واستمرت 4 سنوات وكذا حروب الاوس والخزرج التي دامت 140 سنة وحرب البسوس بين تغلب وبني شيبان واستمرت 40 سنة ونشبت بسبب قتل كليب بن وائل لناقة البسوس وانتهت الحرب بقتل كليب نفسه ثأرا للناقة وكذا حرب بني قزوين وبني اصفهان والتي نشبت ثارا من زعيم بني قزوين لأخته وأخويه ضد بني اصفهان واستمرت هذه الحرب 77 سنة وطبعا الحديث عن الصراع والاقتتال بعد ظهور الاسلام فحديثه يطول وهو معروف وموثق بشكل جيد وهو صراع واقتتال لم يتوقف حتى عصرنا بدءا من معركة الجمل والصراع على الخلافة وانتهاء بمعارك القاعدة وداعش ومن لف لفهم وقد نفل العرب المسلمين صراعهم حتى الى اوروبا وتمثل ظاهرة ملوك الطوائف ال 22 في اسبانيا والاستعانة بالأجنبي على العربي ابشع مظاهر الاستقواء بالغريب وكذا مر تاريخ الاقتتال الاسلامي الاسلامي بأحداث مرعبة منها مقتل الحسين بن علي على يد الامويين في ما سمي بمعركة كربلاء او مكيدة كربلاء برأي من رأوها حربا غير متكافئة وكانت حرب عبد الملك ابن مروان على الزبير الذي قتله الحجاج في مكة بأمر من الخليفة بن مروان وتابع الحجاج مجازره بإخماد ثورة ابن الاشعث في البصرة ويذكر التاريخ مجازر ابو مسلم الخراساني الذي اسس لقيام الدولة العباسية والتي كان اول خلفائها أبو العباس السفاح ويكفي الاسم لندرك امام أي خليفة كنا في تلك المرحلة ونحن نقتتل على السلطة ونهدم دولة قائمة لنبني دولة أخرى بحيث يتم القطع الكلي والبدء من جديد فتنتقل العاصمة الاموية دمشق الى الكوفة ثم الى الأنبار ثم الى بغداد ثم الى سامراء ثم اعيدت الى بغداد.
حالة عدم الاستقرار والتي جاءت كنتيجة حتمية للصراع المتواصل على السلطة بين الاطراف العرب خارج بلادهم فلا هم جعلوا من الجزيرة مركزا دائما لبلادهم ولا حتى بقوا فيها بل انتقلوا كعادة البدو الرحل من بلد الى بلد ومن عاصمة الى عاصمة ومن حكم الى حكم حتى ضيعوا حكمهم وأطلقوا العنان لكل قوميات الارض لتأخذ منهم حقهم بالحكم كأصحاب دعوة وحملة رسالة فانشغلوا بالحكم بعيدا عن الحياة وصار الاحتفاظ بالحكم اهم من رسالتهم وغاب عنهم كليا هدف التقدم والبناء والحضارة وسيطر الخوف على كرسي الحكم بدل الاهتمام بالحكم نفسه ولذا كان الانتقال قسرا من حكم الدولة الراشدة الى حكم الدولة الاموية ليس بأدوات الحكم فقط بل وبمكان الحكم وبدل ان تواصل مكة والمدينة دورها في التطور كمصدر اشعاع ثقافي وفكري وحضاري على قاعدة انها صاحبة الرسالة السماوية تركت تلك المدينتان بل وجرى محاربتهما ومحاربة اهلهما لمنعهما من التفكير والسعي للحصول على احقية الخلافة " الحكم " ثم انتقلت الى الدولة العباسية التي فرطت في نهايتها بحكم العرب وجرى توزيع الارض والحكم بين دول وممالك لا علاقة لها بالعرب والعروبة وحكم غير العربي باسم العربي واختلط الحابل بالنابل ولم تدم دولة العرب زمنا يكفي لصناعة حضارة حقيقية وقد تكون الخلافة العثمانية هي اطول فترة حكم في التاريخ الاسلامي طالت الارض والشعوب العربية حتى وصلت حد محاولات التتريك من قبل الدولة العثمانية التي انتمت لقوميتها التركية قبل أي شيء مما جعل العرب يواصلون تخلفهم وتبعيتهم الى يومنا هذا فلا زال هناك من يعتقد بأحقية الدولة التركية بالعودة لحكم العالم العربي باسم الخلافة العثمانية.

أُضيفت في: 18 مايو (أيار) 2019 الموافق 13 رمضان 1440
منذ: 5 شهور, 24 أيام, 14 ساعات, 18 دقائق, 45 ثانية
0

التعليقات

147490
أراء وكتاب
جحيم المعرفةجحيم المعرفةأحمد محمود القاضي2019-11-08 14:52:44
ذكرى ميلاد سيد الخلق اجمعينذكرى ميلاد سيد الخلق اجمعينإسماعيل أبوعقاده2019-11-06 00:15:02
عن العنف مرة أخرى وأخرى ..!عن العنف مرة أخرى وأخرى ..!شاكر فريد حسن 2019-11-03 06:27:31
أحلى صوت ...عربيأحلى صوت ...عربي ياسمين مجدي عبده2019-10-28 13:04:23
الالتزام بالولاية الصادقةالالتزام بالولاية الصادقةسليم العكيلي2019-10-24 21:32:49
حسن نصرالله .. نهاية عتريس !حسن نصرالله .. نهاية عتريس !أحمد محمود سلام2019-10-24 14:49:59
نجم رغم الإحتلالنجم رغم الإحتلالشيماء شرف رميح2019-10-23 20:45:54
إبداعات
الفراغ ... مقاطع شعريةالفراغ ... مقاطع شعريةايفان علي عثمان 2019-11-08 22:14:25
لا تكتب بأشواكلا تكتب بأشواكعبدالعزيز المنسوب2019-11-04 23:44:20
رباعيات ( يا ناس يا ناسيه )رباعيات ( يا ناس يا ناسيه )محمد محمد علي جنيدي 2019-11-02 14:55:13
الزلم اللي شكت الكاع ... جيل الثأر والغارالزلم اللي شكت الكاع ... جيل الثأر والغارايفان علي عثمان 2019-11-02 00:49:23
يا نفسُ قومييا نفسُ قوميمحمد محمد علي جنيدي 2019-10-30 12:35:29
تَذُوبِينَ تَائِقَةً لِلْوَتَرْتَذُوبِينَ تَائِقَةً لِلْوَتَرْ محسن عبد المعطي محمد عبد ربه 2019-10-29 13:55:18
في حبّ مصرفي حبّ مصرعبدالعزيز المنسوب2019-10-28 18:44:39
نعمة الحب..نعمة الحب..بنعيسى احسينات - المغرب2019-10-28 10:26:28
إلامَ نحلمُ والأحلامُ هلوسةٌإلامَ نحلمُ والأحلامُ هلوسةٌمصطفى حسين السنجاري2019-10-27 20:21:19
قُدْوَةُ رَكْبِ الْعُلُومْقُدْوَةُ رَكْبِ الْعُلُومْ محسن عبد المعطي محمد عبد ربه2019-10-27 16:49:10
مساحة حرة
النبيّ الموعود..بـ "المقام المحمود"النبيّ الموعود..بـ "المقام المحمود"ابراهيم يوسف ابو جعفر2019-11-08 20:34:06
سمو الشيخ فهد حمد العذاب الهاشميسمو الشيخ فهد حمد العذاب الهاشميعبدالسلام الشقيري 2019-11-07 17:40:26
مواقع النواصلمواقع النواصلأحمد محمود القاضي2019-11-05 00:45:19
ولنا كل الفخرولنا كل الفخر ياسمين مجدي عبده2019-11-04 13:03:56
الضمانالضمانرنيم محمود2019-11-03 20:53:14
عين العقلعين العقلأسامة عبد الناصر2019-11-02 22:18:32
من الجعبةمن الجعبةإبراهيم يوسف2019-10-30 14:50:17
الحذر.. من قيام المهدي المنتظرالحذر.. من قيام المهدي المنتظرابراهيم يوسف ابو جعفر2019-10-29 21:21:17
الملوخية والعقل الزفتاوىالملوخية والعقل الزفتاوىفرشوطى محمد2019-10-29 15:11:28
html slider by WOWSlider.com v8.0
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر