GO MOBILE version!
مايو2820196:26:34 صـرمضان231440
عادة الصباح
عادة الصباح
مايو2820196:26:34 صـرمضان231440
منذ: 23 أيام, 1 ساعة, 39 دقائق, 18 ثانية

ليست عادتي الوحيدة، ولكنها من بينهن جمعاوات فريدة، وهي المفضلة لدي والأقرب عندي إلَيّ.. يقولون: اعتد ألا تكون لك عادة؟ وكيف ذلك إذًا؟ وإذا اعتدتُه فإن ذلك بعينه عادة.. أما أنا فاعتدت أن العادات هي التي تصنع النجاح في الحياة العملية -ما بعُدت عن الرتابة- وعلى المستوى الشخصي فإنها تعبر عن الذات، وتضفي على شخصك نكهة خاصة، ولونا مَيِّزًا يُطْريك ما كُنَّ طيباتٍ محمودات.

وكم أحب أن أمارس هذه العادة العصماء أيان كنت متفرغا من شغل ومن كل أمر يُقضى في صباح، ولا عجب أن الدنيا تحلو بتباين أيامها واختلاف أحوالها بين يوم كليل وآخر لا نصبَ فيه ولا وصب؛ فيومئذ –على عكس ما يحبذ البعضُ فيأخذون قسطا من نومة أهل الكهف لا يزهدون فيه ولا يملونها– يُثلج خُلدي أن أستيقظ مصبَّحا بالفجر كي أملك النهار من لدن أول طرفه الباكر لا يفوتني منه لحظٌ، فأتابع شمسه تتعالى في الأفق فتغمر الأنحاء، حتى إذا استوت واستقر شعاعُها من حيث أتت استلقيتُ أنا على صوفايَ (الأريكة) أتمدد إزاء النافذة في غرفة الصالون التي قلما تُزار -وطالما ظلت منطقة محظورة حسب قواعد ‹الوالدة باشا›- أما أنا فأحب أن أختلس السويعات الأُوَل من النهار إذ هم لم يلبثوا نياما، فأظل أشاهد من أمامي تلك النافذة التي أمامها شجرة الخزامى المزهرة في الربيع والصيف الدافئ، والتي تتراقص فوق ورقاتها وزهيراتها التي لم تلبث براعمها متفتحة العصافيرُ؛ فأظل أراقبُ بينما أستمتع بزقزقتهنَّ وتغريدهنَّ الذي يجعل من صباحي سكونًا لا يزاحمه النشاط، ونشاطًا لا يطارده السكون: تبث هذه العادة الفضلى في نفسي سلامها، وتحيطها استقرارا وأمنا.. هب ذاك في هدوء الصيف ودفئه الغامر؛ إذ لا طابور صباح في المدرسة المقابلة لمنزلنا، ولا ضجيج في شارعنا، وبالطبع شمسٌ وهاجة لا يسترها الضباب، ولا يغلب دفئها زمهريرُ البُكرة— وإذن تجدَ نسمات الصيف ترطب على روحك، وتنعش أفكارك، وشمسَه تحيي نفسك، وتضيء نهورَك بالأمل والتفاؤل، لا التداعي ولا الخمول.

فتأتيني -إذَّاك- من بنات الأفكار ألفٌ وكلمةٌ، لأسرد مقالة كالتي بين أيديكم، أو أطالع أخرىٰ، ولا ضير في أن أستزيد إلى جانب التغريد من إذاعة البي بي سي البريطانية، حيث موسيقى المحطة الثالثة الكلاسيكية والجاز، أو برامج المحطة الرابعة الحوارية والمسلسلات الإذاعية بالإنجليزية، وكم أعشق المذياع وأصوات مذيعيه الحيوية التي تُدخل على نفسك الراحة والأُنس، وتشعرك أن هذه الموجات الحية تحجب خلفها أناسًا متيقظين يصنعون الذي تصنعُ أنت ذاته؛ فتطمئن إلى أنك لست وحدك، وقد تحدثني نفسي أن أستمع إلى نغمات أم كلثوم الراقية وحبذا عبر موجات إذاعة صوت القاهرة، لا سيما إن صادفتني ‹القلب يعشق› أو ‹الرضا والنور› أو ‹يا صباح الخير›، وإيهٍ لنغمات الأطرش في ‹عاد الربيع› وما بها من بهجة وانشراح تتواءمان وهاته الأجواء.

ولي عادة أخرى في هذا الصباح العاطل قبل الظهيرة أنشُدها؛ إذ بعد الإفطار أشاهد مستر بين الكرتون أو توم وجيري؛ وإذ إنكم تتضاحكون فإني لأُدريكم أنما هي عادةٌ لي بقيت من كثير ذهب، تلمس في عمقي شيئا عتيقا لمَّا يَمْحُهُ الزمن؛ ألا وهو السلام: هذه الرسوم الصامتة تعيدني إلى فطرةٍ سامية قد جُبِلنا عليها جميعا، ولكننا نُسِّيناها بفعل عوامل الزمن، كنا أطفالا بُرآءَ لا نحمل ضغائنَ ولا مكائدَ -حسنا، أعني باستثناء القليل.. تلك المكائد الطفولية المعتادة- فتغيرنا إذ كبرنا، حتى عدنا آخرينَ غيرَنا لا نعرف نحن أنفسنا— فالآن، أسترجع في عقلي اللاواعي هذه الفطرة وأستعيد في دواخلي هذا السلام، أفرغ من الشواغل كل طاقاتي، ومن الدنيا كل عثراتي، وأتناسى ما علمنيه الزمان مما ليس يشبه سجيتي، وأفَرِّغُ كل طاقاتي السلبية لأحظى بيوم بهيج مستنير، مشمس دافئ، هادئ سالم، تغزوه السكينة والطمأنينة، لا يعكِّر صفوه من الفكر ولا الغل.

وآنـًا أوثِرُ أكتبَ في دفتر مذكراتي؛ فأنثرَ فيه ما جال في نفسي، وما جاب خاطري وفكري، تارة أحكي فيها للورق فإما أقصُّ مُخبرا فَرَحا لا يشاركني فيه إلا قلائلَ الصادقين المحبين المخلصين، وإما أقصُّ شاكيا هما وكبَدا، فلا أجدُ في مواساته كالورقة ولا يسعفني كما يسعفني القلمُ اللسانُ، وإما أُسِرُّ حديثا لا يشاطرنيه أحدٌ ولا يفهمه مني عدا دفتري العزيز؛ فنصبح في عِلمهِ من بعد الله ثالوثٌ: أنا ودفتري والقلمُ، وقد أجد منهما الحل وفيهما العلاج؛ ألا تَدفنَنَّ في نفسك لا تُبديهِ شيئًا، فيثقُلُ عليكَ وِزرُه الذي تحمل، وتتهاوى معنوياتكَ ويضيق به ذرعك، تعلم ذلك من قانون الاعتراف المسيحي -الذي هو في الإسلام توبة- لأن ذاك الاعتراف للغير مريحٌ أيةَ راحة، كما لو كنت تُفَرِّغ كِفلاً من كارت الذاكرة الخاص بك فتتنهدَ أنفاسَك— دعني أقول: ولو كان ذاك المنصت والعارف الذي تتعرى له هو مجرد «دفتر مذكراتك».

وما كنت لأطلعكم عليه -لَعَمْري- ولا آتيكم على ذكره إلا أنه علِّي أصيرُ ذات يوم اللورد أو السير أو الفيلسوف الراحل، وتدَرَّسُ كتاباتي، وتخضعُ شخصيتي وحياتي للتحليل، فأكونُ بما قصصت عليكم قصَّرتُ الطريقَ وأبنتُ مما يذهب إليه فضولُ النفسِ من حيوات المغمورين شيئا أو بعض شيء.. إيه، لا أعرف من أين اكتسبت حِسي خذا في الدعابة.. لله دَرِّك يا مازني ورفقائه!

(من مذكراتي)

أُضيفت في: 28 مايو (أيار) 2019 الموافق 23 رمضان 1440
منذ: 23 أيام, 1 ساعة, 39 دقائق, 18 ثانية
0

التعليقات

147681
أراء وكتاب
في بيتك ملحد.. ما العمل؟!في بيتك ملحد.. ما العمل؟!الدكتور / رمضان حسين الشيخ2019-06-19 06:25:48
الغربية ست ملايين نسمهالغربية ست ملايين نسمهفوزى يوسف اسماعيل2019-06-18 18:27:32
حرائق الطغاة دليل ضعفهمحرائق الطغاة دليل ضعفهمجوتيار تمر2019-06-18 08:28:53
إلى قاتلي الإسرائيلي، أنا لم أمتإلى قاتلي الإسرائيلي، أنا لم أمتد. فايز أبو شمالة2019-06-18 08:07:49
ولتنظر نفس ما قدمت لغد  !ولتنظر نفس ما قدمت لغد !إبراهيم مرسى 2019-06-18 00:17:07
مَن يلتحق بالمعارضةمَن يلتحق بالمعارضةسلام محمد العامري2019-06-17 21:19:29
ظهور الجيل الثالث للإرهاب بكل أشكاله!ظهور الجيل الثالث للإرهاب بكل أشكاله!مصطفى محمد غريب2019-06-17 16:20:45
رأفة بنا أيها الأطباءرأفة بنا أيها الأطباءعلى زايد2019-06-16 14:48:38
سحرة ترمب ووهم الصفقةسحرة ترمب ووهم الصفقة- حازم السويطي 2019-06-16 14:14:59
حوادث القطارات فاجعة كبرىحوادث القطارات فاجعة كبرىفوزى يوسف اسماعيل2019-06-15 20:42:20
إبداعات
فلسطين لي الأمفلسطين لي الأمكرم الشبطي2019-06-18 18:23:36
لا تختبروا صبريلا تختبروا صبريكرم الشبطي2019-06-15 17:42:22
وَفِي الْمَغْرِبِ الْعَرَبِيِّ يَحْلُو التَّمَدُّحُوَفِي الْمَغْرِبِ الْعَرَبِيِّ يَحْلُو التَّمَدُّحُ محسن عبد المعطي محمد عبد ربه 2019-06-15 15:56:33
مقارنة بين زمنينمقارنة بين زمنينكرم الشبطي2019-06-14 21:05:06
جئت لكِجئت لكِأحمد يسري عبد الرسول2019-06-12 21:06:13
مَاذَا إِذَا أَعْلَنْتُ حُبِّي لِقَلْبِكْ ؟!!!مَاذَا إِذَا أَعْلَنْتُ حُبِّي لِقَلْبِكْ ؟!!! محسن عبد المعطي محمد عبد ربه 2019-06-12 07:24:37
سامحتك مليون مرة وقلتسامحتك مليون مرة وقلتكرم الشبطي2019-06-11 19:11:50
اللقاء الأخيراللقاء الأخيرالشاعر / أيمن أمين 2019-06-10 10:03:24
عودة العزفعودة العزفكرم الشبطي2019-06-09 19:11:48
قد نختلف معكقد نختلف معككرم الشبطي2019-06-09 04:11:00
مُعَلَّقَاتِي الثَّمَانُونْ {77}مُعَلَّقَةُ..محمد صلاحمُعَلَّقَاتِي الثَّمَانُونْ {77}مُعَلَّقَةُ..محمد صلاح محسن عبد المعطي محمد عبد ربه 2019-06-08 20:31:37
مساحة حرة
ضربات القدر 128ضربات القدر 128حنفى أبو السعود 2019-06-18 17:55:48
بدلاً من أن أقول ماذا يفعل التائه؟؟بدلاً من أن أقول ماذا يفعل التائه؟؟عبد الوهاب اسماعيل2019-06-17 13:38:31
حالة حب - الجزء الثالث والأخيرحالة حب - الجزء الثالث والأخيررانية محي2019-06-17 10:35:39
ضربات القدر 127ضربات القدر 127حنفى أبو السعود 2019-06-16 22:51:46
الاستغاثه برئيس الحمهوريهالاستغاثه برئيس الحمهوريهمجدى فتح الله حسن 2019-06-16 19:31:06
مطلوب عروسمطلوب عروسأحمد محمود القاضي2019-06-16 11:58:22
الحرب على الإرهابالحرب على الإرهابأحمد نظيم2019-06-15 18:49:14
عن ليلة مملة وساكنةعن ليلة مملة وساكنةعبد الوهاب اسماعيل2019-06-15 18:46:22
كأي الأمم الأفريقيةكأي الأمم الأفريقيةرفعت يونان عزيز 2019-06-15 10:58:50
هموم العقولهموم العقولعبد الوهاب اسماعيل2019-06-14 19:39:48
ضربات القدر 126ضربات القدر 126حنفى أبو السعود 2019-06-12 18:36:17
html slider by WOWSlider.com v8.0
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر