GO MOBILE version!
يوليو1520194:36:59 صـذو القعدة121440
الفجوة بين الأمراض النفسية والعضوية
الفجوة بين الأمراض النفسية والعضوية
يوليو1520194:36:59 صـذو القعدة121440
منذ: 6 شهور, 3 أيام, 20 ساعات, 46 دقائق

من الجدير بالذِكر أولًا أنَّنا نعيشُ في عالمٍ يظنُّهُ الكثير مِنَّا مُنفصلًا، لكن ما يفصلهُ ليس أَعلى من الشعرةِ مقامًا، وإن كان أحدَّ من السيفِ نَصلًا! العالم النفسيُّ، عالمٌ منفصلٌ عن الحياة بأسرها، إنَّه يعنيكَ من الداخل، يعكس شخصك، تجاربك، مخاوفك، وحتى انتماءاتك.

وإنَّ تعريفنا للمرض لا يتعدى كلمة (خلل، أو عطب) أصاب شيئًا ما كان مسئولًا عن وظيفةٍ مُعينة فأدِّى إلى ما نتج عنه من خطأ. فإن كان عضويًا أدَّى إلى خللٍ عضوي، فمثلًا زيادة إفراز هرمون الكورتيزول يؤدي إلى زيادة تخزين الدهون في الجسم، وقد يؤدي إلى ما يُسمَّى بمرض "كوشينج"، بينما نقص إفراز هذا الهرمون يؤدي إلى خسارة الوزن، ضعف العضلات، انخفاض ضغط الدم.. إلخ.

ولكن هل يُدرك أغلب الناس أنَّ هذا الهرمون نفسه إن نقص في الجسم قد يحدث اكتئابٌ للمريض! و ذلك لأنَّ الإنسان قد خُلقَ بأجهزةٍ مُترابطة، يؤثرُ كل عضوٍ في الآخر، فإن فسد العُضو -كما قال الحبيبُ المُصطفى، صلواتُ ربي وسلامه عليه- فسد الجسم كله، وإن صلح، صلح الجسم كله.

ولكننا نجدُ أنَّ الناس في مجتمعنا يضعون الحواجز العجيبة بين المرضين، فإن أُصيب الطفلُ بنزلة برد، تجد الأهل يركضون خلفَ الأطباء للبحث عن سُبل العلاج، ولكن إذا حدث وأُصيب الطفل بمرضٍ نفسي كالهستيريا مثلًا يتهمه الأهلُ بالتمثيل، ويُعاقبونه على ذلك! إن وجد الأهل أولادهم منعزلين يصفونهم بالخجل، ولا يَرِدُ لتفكيرهم أنَّهُم مُصابون مثلًا بالتوحد، أو الاكتئاب، ولربما لا يُكتشف أمرهم إلا بعد وقتٍ طويل.. فيُهمَلُ الطفل بعدها ويعيشُ على أنَّهُ مُتخلفٌ عقلي!

كثيرٌ من حالات الانتحار تمَّت لافتقار الأهل للثقافة التربوية، والتركيز على الجانب النفسي فيها، الكثيرُ من الاضطرابات السلوكية تحدثُ فقط نتيجةً لإهمال الطفل نفسيًا.

في عام 2017 حدثت جريمةٌ مُرعبةٌ جدًا في أحد ضواحي كفر الشيخ، حيثُ قَتل طالبٌ في الثانوية العامة عُمره ثمانية عشر عامًا شقيقة ذو الاثنتي عشرة سنةً بطريقةٍ وحشيةٍ بعد أن اصطحبه لمكانٍ هادئ، ثم التهم أعضاءه الداخلية! ثم نقف على جريمةٍ كهذه ونتساءل، هل قد يرتبكها واعٍ؟!

أَقرَّ الأهلُ بعد ذلك بأن ابنهم كان يُعالج نفسيًا لمدة عامٍ ونصف، وقد وجد المِقصٌ الذي استعمله لقتل أخيه في مَسرحِ الجريمة، وقد أَقرَّ والده أنَّ هذا المِقص مأخوذٌ من منزلهم.

وإن حللنا الأَمرَ من وجهة نظر علماء النفس نجد أنَّ هناك أربعةُ أمراضٍ نفسيةٍ مُسببةٍ للقتل، وهم (الصرع - الهوس أو الهياج - الفِصام التَشككي - الاكتئاب السوداوي)
فأمَّا عن الصرع، أو الهوس والهياج فمن المُحال أن تكون تلك الجريمة قد أُديت نتيجتهما، لأن الصرع يدفع الإنسان إلى ارتكاب أمورٍ لا يُدركها، ودون تخطيطٍ مُسبق، وكذلك الهوس، أو الهياج فهو كالصرع لا يحدث بأي تخطيطٍ سابق.

وإن أخذه للمِقص من بيتهم لهو أكبرُ دليلٍ على التَخطيطِ المُسبق للقتل وهذا ما يَفتح الطريق أمامنا لخيارينِ لا ثالث لهما، فإما الفِصام، وإما الاكتئابُ السوداوي. ومن الصعب هنا التحديد، فالفصام التشككي يجعل الخوف، والشكَّ يلتهمان المريض التهامًا حتى يدفعاه للتشكك بأبسط الأُمور.. قد يصل بالمَريض حدَّ الاعتقاد أنَّ أشعةً كونيةً ضارةً سُلطت عليه من قبل الكائنات الفضائي في كوكب المِريخ لتُذيب مُخه! أو لربما ترى تلك الفتاة التي ناولها زميلها في الكلية دفترها حين وقع منها أنَّها أصبحت حاملًا نتيجة انتقال الحيوانات المنوية إليها عن طريق يده التي وضعها على دفترها! ولذلك فلن نستعجب أبدًا إن كان يظنُّ أنَّ أخيه يترصدُ بِه الدوائر، ويُريد قتله فعاجَلهُ.

أو الاكتئابُ السوداوي، والذي يجعلُ المَريض يرى العالم كلَّهُ وقد غلَّفه السواد، ويرى أنَّه لا مناص من قتل نفسه وقتل من يُحبهم معه حتى يُخلصهم من شرور تلك الدنيا.

وبرغم غَرابة تلك الجريمة لكن الأمراض النفسية أغرب، فقد تجدُ المُصاب بالهستيريا التحويلية يقرأ عليك الجريدة صباحًا بينما هو أعمى! أو يندلعُ حريقٌ بالمنزل فيركض المَريض المشلول خارجه! وغالبًا ما يُنظر لمثل هذا النوع من الأمراض على أنَّهُ مُجرد تمثيلٍ من قبل الأهل!

ومع كل ذلك التقدم الذي وصلنا إليه لا يزالُ يُطلق على المَريض النفسي لفظةَ "مجنون"، رغم أنَّهُ يفهم، ويشعر، ويُدرك، ويتوجع! رغم أنَّهُ عاقلٌ، فقط يُعاني اضطرابًا نفسيًا بسببِ ما مر به من تجارب في حياته، أو لأسبابٍ وراثيةٍ، أو وظيفية!

فحيثما تجري سفينةُ التقدم نجري نَحنُ خِلافها، ولا تدري سفينتنا متى سترسو أخيرًا على شاطئ العلمِ، والنور!

أُضيفت في: 15 يوليو (تموز) 2019 الموافق 12 ذو القعدة 1440
منذ: 6 شهور, 3 أيام, 20 ساعات, 46 دقائق
0

التعليقات

148598
أراء وكتاب
كيف ستكون المواجهة بين ايران وامريكاكيف ستكون المواجهة بين ايران وامريكاحيدر محمد الوائلي2020-01-07 10:30:10
وثيقة الخلاص من الناروثيقة الخلاص من النارإبراهيم يوسف2020-01-06 12:27:48
الخروج عن السَّطرالخروج عن السَّطرالدكتور: رشيد عبّاس2020-01-06 11:43:19
التحرش والانتماء الوطني!!التحرش والانتماء الوطني!!محمود سلامه الهايشه2020-01-04 15:45:29
حلم الرئيس التركي سرابحلم الرئيس التركي سرابرفعت يونان عزيز 2020-01-02 12:27:00
كل عام ووعينا بخيركل عام ووعينا بخيرعبد الرازق أحمد الشاعر2019-12-31 22:14:53
2020 عام التنمية والبناء2020 عام التنمية والبناءجمال المتولى جمعة 2019-12-31 19:08:13
إبداعات
ليلةٌ باردةليلةٌ باردةمروة عبيد2020-01-12 12:20:45
في رثاء محمد شحرورفي رثاء محمد شحروربنعيسى احسينات - المغرب2020-01-12 11:13:09
دعونيدعونيكرم الشبطي2020-01-10 18:46:36
أنهكني إدراكي ..أنهكني إدراكي ..نورا محمد 2020-01-10 17:04:42
الْعِيسَوِيَّةْالْعِيسَوِيَّةْ محسن عبد المعطي محمد عبد ربه 2020-01-10 13:08:36
كارلوس غصن وخرائط جغرافيا النفوذكارلوس غصن وخرائط جغرافيا النفوذطيرا الحنفي2020-01-08 22:21:50
فلسفة الموت حياةفلسفة الموت حياةكرم الشبطي2020-01-08 18:58:02
المنطقة ملتهبةالمنطقة ملتهبةكرم الشبطي2020-01-07 21:07:59
حـبيبتي من تكــونحـبيبتي من تكــونسامي ابراهيم فودة2020-01-07 13:50:40
لا تشك أبدالا تشك أبداكرم الشبطي2020-01-05 18:03:37
الكأس في يدك يداعبنيالكأس في يدك يداعبنيكرم الشبطي2020-01-04 21:31:25
مساحة حرة
html slider by WOWSlider.com v8.0
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر