GO MOBILE version!
يوليو26201912:49:33 مـذو القعدة231440
من ديوان عنترة: شرح قصيدة(الظباء السوانح)
من ديوان عنترة: شرح قصيدة(الظباء السوانح)
يوليو26201912:49:33 مـذو القعدة231440
منذ: 2 شهور, 27 أيام, 2 ساعات, 22 دقائق, 33 ثانية

قال عنترة هذه القصيدة في إغارته على بني ضبة وتميم
طَرِبتَ وَهَاجَتـكَ الظِبَـاءُ السَّوَانِـحُ * غَــدَاة َ غَــدَت مِنهَــا سَنِيــحٌ وَبَـارِحُ
تَغَالَــتْ بِـيَ الأَشـوَاقُ حَتَّـى كَأَنَّمَـا * بِزندَينِ فِي جَوفِـي مِـنَ الوَجـدِ قَـادِحُ
وَقَد كُنتَ تُخفِي حُبّ سَمرَاءَ حِقبَةً * فَبُــحْ عَنكَ مِنهَـا بِالــذِي أَنْــتَ بَائِــحُ
لَعَمْرِي لَقَد أَعذَرْتُ لَـو تَعذِريننــي * وَخَشَّنتُ صَــدرَاً غَيبُــهُ لَــكِ نَاصِــحُ
كان التفاؤل والتشاؤم، من العادات المجتمعية، المنتشرة بشكل كبير في جزيرة العرب، فكان من مظاهر التفاؤل، أنه إذا خرج أحدهم للصيد يراقب ما يمر بجانبه من طير وحيوان، فإذا كان هذا الذي يمر من على يمينه، يكون ذلك مبعثا للتفاؤل ويسمى هذا المار بالسانح، وإذا كان الذي يمر من على يساره، يكون ذلك مبعثا للتشاؤم ويسمى ذلك بالبارح.
وعنترة الآن سائر في جيش، ليغير على بني ضبة وتميم، وقد مر من على يمينه ويمين الجيش بعض الظباء فكانت سوانح، وكان ذلك مبعثا للتفاؤل وتبشيرا بالنصر لعنترة ومن معه، والبعض الآخر من تلك الظباء، مرت من على يساره ويسار الجيش فكانت بوارح، وكان ذلك مبعثا للتشاؤم ونذيرا بالهزيمة، فيقول في مطلع القصيدة، طربت أي: صرت في حالة من التناغم والسلام الداخلي، عندما كانت الظباء السوانح، وهاجتك أي، جعلتك منفعلا ومضطربا، نفس تلك الظباء عندما كان بعضها بوارح.
والذي يكون في حال حرب وغربة، يشتاق لأهله ووطنه وأحبابه، وما بالك بعاشق واله مثل عنترة، كيف يكون حاله، لقد زادت أشواقه وتعالت وتغالت، أي: صارت مبالغا فيها، حتى كأن في داخل جوفه زندين: أي عودين قد اشتعلا ناراً، من شدة الوجد أي شدة العشق.
ثم يعاتب نفسه معاتبة لينة ويقول، لقد مكثت زمناً طويلاً تخفي في قلبك، ما به من عشق ومحبة لتلك السمراء، -ويقصد بها عبلة- ألا يكفيك هذا الخفاء والكتمان، ألا تنظر إلى ما سببه من احتراق وألم، فبح بمحبتك ولا تخفيها وليكن ما يكون، ومن ثم ينتقل من مخاطبة نفسه، إلى مخاطبة السمراء معتذرا لها، أنه قد أّعذّرّ في كتمانه، أي: بالغ وتمادى -والعرب تقول أعذر في الشئ أي:بالغ فيه- ويتمنى لو تعذره عبلة، أي تلتمس له العذر في كتمانه للمحبة، ويقر بأنه تحامل على نفسه وخشن صدره، أي: عنفه كي لا يبوح بما يخفيه ذلك الصدر، الذي غيبه أي: المختفي فيه، عشق ووله للسمراء عبلة.


أَعَاذِلَ كَمْ مِـن يَـومِ حَـربٍ شَهِدتُــهُ * لَـــهُ مَنْظَـــرٌ بـَـادِي النَّواجِــذِ كَالِــحُ
فَلَم أرَ حَياً صَابَـرُوا مِثــلَ صَبرِنَـــا * وَلَا كَافَحُـــوا مِثـــلَ الذَيـــنَ نُكَافِــحُ
والآن ينتقل عنترة ليخاطب عذاله، أي: حاسديه ومن يلومونه على كل كبيرة وصغيرة، وكأنه يقول لهم من أنتم أو ما أنتم، أتعرفون كل حربا شهدتها وحاربت فيها، ولقيت الموت فيها آلاف المرات، وأنت متكئون على أسرتكم في لهوكم ومجونكم، تلك الأيام التي شبهها عنترة بوحش بادي النواجز، أي: ظاهر الأسنان والأنياب، كالح أي: متجهم وحاجبه معقد، كل هذا كناية عن مدى وحشية الحروب وصعوبة أيامها، ومن ثم يقول عنترة أنه لم ير قوماً، أو أناساً صابروا أي بالغوا في الصبر والتحمل، مثله ومثل قومه، ولم ير قوما كافحوا عدواً في الحرب، مثل الذي كافحه عنترة هو وقومه وواجهوه، وفي هذا تعزز وافختار من عنترة بنفسه وبقومه.

إِذَا شِئــتُ لَاقَانِـــي كَمِـــيُّ مُدَجَّـــجٌ * عَلَـــى أَعوَجِــيٍّ بِالطِعَــانِ مُسَامِـحُ
نُزاحِـــفُ زَحفَـــاً أَو نُلَاقِــي كَتيبَــة ً * تُطاعِنُنا أَو يَذَعـرُ السَّـرحَ صَائِــحُ
فَلمَّــا التَقَينَــا بِالجِفَــارِ تَضَعضَعُــوا * وُرُدَّت عَلَــى أَعقَابِهِــنَّ المَسَالِـــحُ
ويواصل عنترة وصف قوته وشجاعته في الحرب، فيقول أنه لو شاء يقاتل كمياً أي: فارس شجاع، مدججاً أي: محمل بالأسلحة، من سيف ورمح وقوس وخنجر...الخ، مما يستخدم عادة في القتال عند العرب، ومن صفات ذلك الفارس، أنه يكون على ظهر أعوجي: وهو نسب أصيل لنوع من الأحصنة، وذلك الفارس يقاتل ويطعن، ويجود بالطعنات كرماً على من يقاتلهم، ومع كل هذه القوة وهذه الصفات، فهو هالك أمام عنترة.
ويصف عنترة حاله وحال قومه في الحرب، فيقول أنهم من شجاعتهم يزحفون، أي: يسارعون وينهضون لقتال العدو، فإما أن ينهض إليهم ويقاتلهم، أو يكونون كمثل السرح، أي: الإبل التي تسعى، أو قطيع الأنعام التي تفر وتتفرق، إذا ما صاح فيها صائح.
ثم يكمل لنا عنترة وصف هذه الملحمة فيقول: أنه عندما التقوا بجيش العدو عند الجفار: وهو مكان به ماء لبني ضبة وتميم، تضعضع جيش العدو أي: تفرق وتشتت خوفا من عنترة وقومه، كما أن المسالح -وهي الأماكن التي تتخذ لوضع الأسلحة والجنود في مقدمة الجيش- ردت على أعقابها، أي تركت أماكنها وهربت مع الذين هربوا.
وَسَارَتْ رِجَالٌ نَحوَ أُخرَى عَلِيهِمُ الـ * حَـدِيدُ كَمَا تَمشِي الجِمَالُ الدَوَالِــحُ
إِذَا مَا مَشَوا فِي السَّابِغَـاتِ حَسِبتَهُمْ * سُيُـولاً وَقَـد جَاشَـتْ بِهِـنَّ الأَبَاطِـحُ
فَأُشـــرِعَ رَايَـــاتٌ وَتَحـــتَ ظِلَالِهَــا * مِن القَوْمِ أَبْنَاءُ الحُرُوبِ المَرَاجِـحُ
وكما هو حال الحرب، تكون دائما ما بين كر وفر، إلى أن ينتصر أحد الفريقين، كذلك حال الحرب التي يخوضها عنترة، فهو يصف لنا مشهد العودة إلى الإشتباك بين الجيشين، وكل رجل يحمل معه أسلحته ودرعه، فكانوا مثل الجمال الدوالح: وهي الجمال التي تكون محملة بالبضائع.
ويصف عنترة ذلك المشهد المهيب، الذي يسير الرجال فيه متجملين بالسابغات، أي: الدروع الكاملة فكانوا كأنهم أمواج وسيول، جادت بها الأباطح أي: الأماكن المرتفعة من الأرض، وذلك كناية عن تسارع مشيهم واضطرابهم، مثل الأمواج التي تأتي من المرتفعات.
وكل جيش يكون له الرايات الخاصة به، وعند الصدام والإشتباك ترى رايات كثرة مرتفعة، ومن أسفلها رجالٌ كُثُر يتقاتلون ويتطاحنون، ويصفهم عنترة بأبناء الحروب، ذلك أن الذي جمعهم تحت ظله وكنفه هو الحرب، فصاروا كأنهم إخوة والحرب أمهم، وذلك وصف معروف عند العرب.
ودُرْنَا كَمَا دَارَتْ عَلَى قُطبِهَـا الرَّحَى * وَدَارَتْ عَلَى هَامِ الرِّجَالِ الصَّفَائِحُ
بِـهَـاجِــرة ٍ حَتَّــى تَـغَّيــبَ نُـورُهَــــا * وَأَقبَلَ لَيلٌ يَقبِـضُ الطَّــرفَ سَائِــحُ
تَدَاعَـــى بَنُـــو عَبـــسٍ بِكُــلِّ مُهَنَّــدٍ * حُسامٍ يُزيلُ الهَامَ والصَّــفُّ جَانِــحُ
وَكُـــــلُّ رُدَيْنـــــيٍّ كَـــــأنَّ سِنانَـــــهُ * شِهَابٌ بَدَا فِي ظُلمَة ِ اللَّيْلِ وَاضِـحُ
مشهد آخر يصفه لنا عنترة، يخلد لنا به انتصار بني عبس في هذه الحرب، فيقول أنه وقومه داروا على أعدائهم وأهلكوهم، وكما أن الرحى -وهي الآلة التي تتخذ لطحن القمح- تدور وتطحن ما تحتها، كذلك سيوفنا دارت على رؤوس أعدائنا وأهلكتهم، وكان كل ذلك القتال بهاجرة،: أي منتصف النهار، واستمر هذا القتال إلى أن غاب نور الصباح، وأقبلت ظلمة الليل تنشر أطرافها، حتى عمت كل الأرجاء.
أما بنو عبس فقد تداعوا، أي: أسرعوا بكل مهند حسام أي: سيف يزيلون هوام الرجال أي رؤووسهم، والصف جانح: أي متحمس ومنفعل ومقبل دونما رجعة أو تردد، وكما أن السيوف كانت تدور على الهامات كذلك الرديني،: وهو رمح منسوب لامرأة تسمى ردينة، كانت مشهورة بصنع الرماح، كثرت الرماح وهي تسقط لتهلك الاعداء، وشبهها عنترة بالشهب، لتوقدها ولمعانها في ظلمة الليل.
فَخَلُّـوا لَنَــا عُــوَذَ النِّســاءِ وَجبَّبُــوا * عَبَادِيــدَ مِنهُـــم مُستَقيــمٌ وجَامــحُ
وَكُـلَّ كَعُــوبٍ خَدلَــةِ السَّــاقِ فَخمَــة ٍ * لَهَا مَنْبــتٌ فِــي آلِ ضَبَّــة طَامِــحُ
وبعد كل هذه المعارك وهذه المشاهد، لم يعد لبني ضبة وتميم طاقة لحرب بني عبس، فجببوا أي: لاذ الرجال بالفرار والهرب، وتركوا ورائهم عوذ النساء،: أي النساء الضعيفات، وكانوا عباديد: أي هاربين، منهم من هرب باستقامة واتزان، ومنهم من هرب في جموح أي: في ذعر وقلق واضطراب، كما تركوا ورائهم كل كعوب خدلة الساق، –وصف للنساء الغنيات- لها منصب وشأن في آل ضبة، وهربوا فيا لهم من رجال، ليس لهم من الرجولة شئ.
تَرَكنَـــا ضَـــرَارَاً بَيــنَ عَــانٍ مُكبَّــلٍ * وَبَينَ قَتيــلٍ غـَـابَ عَنــهُ النَّوَائــحُ
وَعَمْــــرَاً وَحيَّانـــاً ترَكْنـــا بقَفْــــرَة ٍ * تَعُودُهُمَا فِيهَا الضّبَـــاعُ الكَوَالِــحُ
يَـجَــرِّرْنَ هَامَـــاً فَلَّقَتهَـــا رِماحُنـــا * تُزيَّــل مِنهُـــنَّ اللِحَــى والمَسَايِــحُ
وفي الختام يصف لنا عنترة نصر بني عبس على ضبة وتميم، فيقول أنهم تركوا ضرار بن عمرو الضبي، سيدهم وقبيلته ما بين عان، أي: أسير وقتيل ليس له من يبكي عليه ويرثي له، وممن تركوا عمرا وحيانا من بني ضبة، تركوهم بقفرة أي: مكان مهجور لا حياة فيه، وليس هناك من يعودهم فيه إلا الضباع والوحوش، ليتغذوا على أجسادهم ويجروا رؤوسا قد حطمتها رماح بني عبس، ويزيلون منهم لحاهم والمسايح، أي: مقدمة شعر رؤوسهم .

أُضيفت في: 26 يوليو (تموز) 2019 الموافق 23 ذو القعدة 1440
منذ: 2 شهور, 27 أيام, 2 ساعات, 22 دقائق, 33 ثانية
0

التعليقات

148803
أراء وكتاب
إبداعات
أوراق التاروت ... مقاطع شعريةأوراق التاروت ... مقاطع شعريةايفان علي عثمان 2019-10-22 02:18:10
مُعَلَّقَاتِي الْمِائَةْ {30} مُعَلَّقَةُ زَفَّةِ الْحُبْمُعَلَّقَاتِي الْمِائَةْ {30} مُعَلَّقَةُ زَفَّةِ الْحُبْ محسن عبد المعطي محمد عبد ربه 2019-10-21 10:38:52
السّكة سكة غلطالسّكة سكة غلطعبدالعزيز المنسوب2019-10-20 22:52:09
ريح الهواجرريح الهواجرعبد المجيد اليوسفي2019-10-19 14:26:20
سوريا أمن وأمانسوريا أمن وأماند . ملك محمود الأصفر2019-10-19 14:24:24
شهباءشهباءسميرة البتلوني2019-10-19 14:20:19
لست شاعرا ...لست شاعرا ...أيمن أبو الدنيا2019-10-19 14:17:44
عادىعادىشفيق السعيد2019-10-19 07:59:27
في عيادة الأسنان.....الجزء الأولفي عيادة الأسنان.....الجزء الأولآمال الشرابي2019-10-18 21:50:12
الرقص على خريف الزمنالرقص على خريف الزمنإيناس ثابت2019-10-18 12:22:24
مساحة حرة
بصمتُك في الحياةبصمتُك في الحياةمروة عبيد2019-10-19 17:16:40
النشاط اللاصفي في حياة الطالبالنشاط اللاصفي في حياة الطالبأحمد جهاد أحمد عبدالقادر2019-10-19 14:40:14
لماذا تعطي غرامة على الوزن الزائد في المطارات ؟لماذا تعطي غرامة على الوزن الزائد في المطارات ؟المتنبئ الجوي كرار الغزالي2019-10-13 12:35:03
تحيا مصرتحيا مصرسميرة محمود أبو رقية2019-10-08 22:16:35
النظافة قيمة انسانيةالنظافة قيمة انسانيةجمال المتولى جمعة 2019-10-06 08:29:53
العاصمة الادارية مستقبل مصرالعاصمة الادارية مستقبل مصرشادى وجدي2019-09-26 15:40:48
عبدالفتاح النجار من الرواد الاوائلعبدالفتاح النجار من الرواد الاوائلجمال المتولى جمعة 2019-09-25 21:33:09
معرض عمان الدولى للكتاب 2019معرض عمان الدولى للكتاب 2019هانم داود2019-09-24 18:30:10
html slider by WOWSlider.com v8.0
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر