GO MOBILE version!
يوليو27201910:21:49 مـذو القعدة241440
اسمحوا لي أن أذرف اليوم دمعة
اسمحوا لي أن أذرف اليوم دمعة
يوليو27201910:21:49 مـذو القعدة241440
منذ: 2 شهور, 25 أيام, 10 ساعات, 5 دقائق, 19 ثانية

 
من نافذة الحمّام في إحدى البنايات، كان يصوب قذيفته إلى المكان الذي تجمع فيه الجنود الصهاينة، كانت المسافة بين الموت والقذيفة جزء من الثانية، هو يتربص بهم، ويدقق التصويب كي يفوز بالنصر، والغزاة يتحصنون في إحدى البنايات المقابلة في منطقة الزنة شرق خان يونس، ويصوبون قذائفهم في كل اتجاه، وقبل أن يضغط على الزناد، عبرت إليه القذيفة الإسرائيلية، وتفجرت في وجهه مباشرة؛ ليرتقي حازم فايز أبو شمالة شهيداً.
قبل خمس سنوات، بتاريخ 27/7/2014، في صباح اليوم الأخير من شهر رمضان، كنت أقوم بتحليل وقائع الحرب عبر الفضائيات، وكان لي لقاء مع فضائية الأقصى عبر الهاتف، وطوال فترة اللقاء، كان الهاتف يخبرني عن متصل آخر، حتى إذا أتممت اللقاء، نظرت إلى اسم المتصل، فارتجف قلبي، وجفلت روحي، لقد أدركت أن ابني حازم قد ارتقى، وتأكد ذلك حين سألني المتصل هشام عبر الهاتف: هل سمعت أخباراً عن حازم؟ قلت له: ليرحمه الله، قال: كيف عرفت؟ قلت: من إصرارك على الاتصال في هذا الوقت!
وقبل أن أكمل الحديث، عاودت فضائية الأقصى الاتصال لتسألني: لدينا خبر عاجل، ونحن في حرج من أمرنا، فقد كنت معنا على الهواء قبل دقيقة، قلت لهم: نعم، لقد جاءني الخبر بسرعة قذيفة، وليرحمنا الله برحمة الشهيد حازم!
أغلقت الهاتف، وأغلقت عيوني على الدموع، دموع لا يتحكم بانزلاقها الإنسان، دقيقة واحدة انسكب فيها نهر من الذكريات، ذكريات حازم في بطن أمه، وذكريات الميلاد والرضاعة ودرج الحجل وطفولة الكلمات، ودغدغة الضحكات، وزيارته لي في السجن، وعناد حازم، وزفاف حازم، وأولاده، شريط معبأ بالأحزان يخترق الزمان، ويغتسل في نهر الدموع، التي بللت وجهي وثيابي!
لا يصح ذلك، قلت لنفسي، إياك أن يرى دموعك أحد، فالمعركة على أشدها، والدموع في عز المواجهة ضعف، والتوجع أثناء معركة العض على الأصابع هزيمة، والهزيمة أمنية أعداء المقاومة، فاصلب على قدمين من كبرياء وشموخ، فهذه الطريق خيارنا، لأن البديل هو المذلة والهوان، وعليك أن تكون على مستوى الكلمة التي تنطق بها عبر الفضائيات والإذاعات، كن نموذجاً لآباء الشهداء وأمهاتهم، وللكتاب والسياسيين والصحفيين الذين جسدوا القول بالفعل.
خرجت إلى أولادي وبناتي في البيت، وقلت لهم: أخوكم حازم نال الشهادة التي تمناها، لقد نال ما تمنى، فاصطبروا، وسأخرج مع بقية الأولاد إلى المستشفى كي نتابع الحدث ميدانياً.
في المستشفى، قلت لهم: لا، لن أدخل على حازم الغرفة التي احتضنت جثمانه، لن أنظر إلى وجهه الذي تفجرت فيه القذيفة، لن أشوه الصورة التي أحفظها له في مخيلتي، حين زارني مع زوجته وطفليه في اليوم الأول من شهر رمضان، يومها سألته عن نفسه، وعن نشاطه، وعن امكانية تطور المواجهات، ولأول مرة أوصيته بنفسه، ولمته على ترهل جسده؛ الذي لا يتناسب مع نشاطه في المقاومة.
خرج حازم من البيت لصلاة العشاء مبتسماً، وعاد إلينا مسجى في آخر يوم من شهر رمضان، قضى نحبه صائماً متعبداً صادقاً في انتمائه ومقاومته، مثله كمثل عشرات آلاف الشباب الفلسطيني الذين آمنوا بأن الله اصطفاهم، وأنهم أصحاب الحق، وهذا هو سلاح المقاومة السري الذي لا يقهر، ولا تقدر عليه كل التكنولوجيا والأسلحة الحديثة.
قبل أربعين عاماً، في زمن الاحتلال الإسرائيلي، حين كنت فدائياً، تخيلت نفسي شهيداً، وتخيلت أمي تبكي فراقي، وتردد وسط دموعها الأغنية الفلسطينية الشهيرة: مع السلامة وين رايح، مع السلامة يا عنبر، يا مسك فايح، طلت البارودة، والسبع ما طل، يا بوز البارودة، من دمه مبتل!
ولم أكن أتخيل أنني سأنثر ورد الفراق، وأقول: هنا كان، هنا ابتسم، هنا اختصمنا، وهنا التقينا، هنا غضب، وهنا استكان
هنا حازم، يمد لنا ذراعيه، يعانقنا، يقبلنا، يودعنا، فتخنقنا الدموع، ويستبد بنا الحنان
خمس سنوات يا حازم، كلما ابتعدت عنا كلما اقتربنا منك، وازداد شوقنا إليك
خمس سنوات يا حازم، سكبت عيون القلب وهج بريقها، واستعبدت أيامنا الأحزان.

أُضيفت في: 27 يوليو (تموز) 2019 الموافق 24 ذو القعدة 1440
منذ: 2 شهور, 25 أيام, 10 ساعات, 5 دقائق, 19 ثانية
0

التعليقات

148865
أراء وكتاب
إبداعات
أوراق التاروت ... مقاطع شعريةأوراق التاروت ... مقاطع شعريةايفان علي عثمان 2019-10-22 02:18:10
مُعَلَّقَاتِي الْمِائَةْ {30} مُعَلَّقَةُ زَفَّةِ الْحُبْمُعَلَّقَاتِي الْمِائَةْ {30} مُعَلَّقَةُ زَفَّةِ الْحُبْ محسن عبد المعطي محمد عبد ربه 2019-10-21 10:38:52
السّكة سكة غلطالسّكة سكة غلطعبدالعزيز المنسوب2019-10-20 22:52:09
ريح الهواجرريح الهواجرعبد المجيد اليوسفي2019-10-19 14:26:20
سوريا أمن وأمانسوريا أمن وأماند . ملك محمود الأصفر2019-10-19 14:24:24
شهباءشهباءسميرة البتلوني2019-10-19 14:20:19
لست شاعرا ...لست شاعرا ...أيمن أبو الدنيا2019-10-19 14:17:44
عادىعادىشفيق السعيد2019-10-19 07:59:27
في عيادة الأسنان.....الجزء الأولفي عيادة الأسنان.....الجزء الأولآمال الشرابي2019-10-18 21:50:12
الرقص على خريف الزمنالرقص على خريف الزمنإيناس ثابت2019-10-18 12:22:24
مساحة حرة
بصمتُك في الحياةبصمتُك في الحياةمروة عبيد2019-10-19 17:16:40
النشاط اللاصفي في حياة الطالبالنشاط اللاصفي في حياة الطالبأحمد جهاد أحمد عبدالقادر2019-10-19 14:40:14
لماذا تعطي غرامة على الوزن الزائد في المطارات ؟لماذا تعطي غرامة على الوزن الزائد في المطارات ؟المتنبئ الجوي كرار الغزالي2019-10-13 12:35:03
تحيا مصرتحيا مصرسميرة محمود أبو رقية2019-10-08 22:16:35
النظافة قيمة انسانيةالنظافة قيمة انسانيةجمال المتولى جمعة 2019-10-06 08:29:53
العاصمة الادارية مستقبل مصرالعاصمة الادارية مستقبل مصرشادى وجدي2019-09-26 15:40:48
عبدالفتاح النجار من الرواد الاوائلعبدالفتاح النجار من الرواد الاوائلجمال المتولى جمعة 2019-09-25 21:33:09
معرض عمان الدولى للكتاب 2019معرض عمان الدولى للكتاب 2019هانم داود2019-09-24 18:30:10
html slider by WOWSlider.com v8.0
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر