GO MOBILE version!
أغسطس5201910:45:37 صـذو الحجة31440
من ديوان عنترة: شرح قصيدة(صِرفُ دَهرٍ)
من ديوان عنترة: شرح قصيدة(صِرفُ دَهرٍ)
أغسطس5201910:45:37 صـذو الحجة31440
منذ: 5 شهور, 13 أيام, 14 ساعات, 36 دقائق, 34 ثانية

من القصائد الرئعة، التي قالها عنترة بغرض الفخر، والتي تشعل النفس حماسا،ً وتلقي فيها ألوان الكرامة، والترفع عن الدنايا.
أُعادي صَـرْفَ دَهْـرٍ لا يُعـادى * وأحتمـــلُ القطيعـــــة والبعــــادا
وأظهرُ نُصْـحَ قَـوْمٍ ضَيَّعُونــي * وإنْ خـانَـــت قُـلُوبُهُـــمُ الـــودَادا
ليست الحياة سهلة ولينة كما يتصور الكثير، وليست الأيام آمنة مطمئنة دائما، فتغير الأحوال سنة من سنن الكون، ولابد من تذوق قسوة الحياة والمعاناة من مصائب الأيام، فلا بد من الصبر والهمة، في مواجهة هذه الصعوبات كما فعل عنترة، فها هو يتحدث مفتخراً بنفسه ومعتدا بذاته، فيقول: أنه لا يعبأ ولا يهتم بصروف الدهر، أي مصائبه، لأنه رجل نفسه مشبعة بالبطولة، وهذه النفس تحثه دائما على مواجهة الصعاب والتغلب عليها، ومن مظاهر احتماله، أنه يصبر على القطيعة والبعاد، وهما أمران شاقان على كثير من الناس.
ومن ثم يعلمنا عنترة خلقا كريما، من أخلاق العرب والتي أقرها الإسلام، ألا وهو حب الأهل والوطن، حتى وإن لاقيت منهم الأذى، فها هو يقول: أنني بالرغم من أذى قومي لي، وعدم حفظ المودة تجاهي، فإني لا أتردد أبدا في فعل الخير لهم، والنصح لهم في المصائب والملمات، فلله دره عنترة.
أعـلــلُ بالمنـــى قلبـــا عليـــلا * وبالصبــر الجميــلِ وان تمــادى
تُعيّرنـي العِـدى بِسـوادِ جلْـدي * وبيض خصائلي تمحـو السَّـوادا
ومن تكون حاله كحال عنترة، الذي ألزم نفسه بكل هذه المكارم، وهذه الأخلاق، لابد أن يتعب قلبه من حين لآخر، لأننا بشر ولنا قدر معين نتحمله، فما كان من عنترة حين يحزن قلبه، إلا أن يرضيه بتذكر المُنَى، أي: ما يرغب فيه عنترة ويتمناه، ويسعى لتحقيقه، وأن يقنعه بالصبر الجميل أي: الصبر الذي يكون بلا شكوى، حتى وإن تمادى هذا الصبر أي: طال وكثر.
ومن ثم يعيب عنترة على أعداءه، ومن يفعل فعلهم، أنهم يعيرونه دائما بسواد جلده، وأنه مهما فعل وقال، فسواد جلده عيب كاف لتجاهله، وتقليل شأنه، فيقول لهم إنه وإن كان لون جلده أسودا، فإن بيض أفعاله وكرم أخلاقه، كافيان لأن يمحوا هذا السواد، وفي هذا البيت لون جميل من ألوان البلاغة، يسمى الطباق، وقد جاء في قوله، (سواد جلدي ، بيض خصائلي).
سلي يا عبلَ قومك عنْ فعالـي * ومَـنْ حضَـرَ الوقيعَـة َ والطّـرادا
وردتُ الحربَ والأبطالُ حولي * تَهُـــزُّ أكُفُّهـــا السُّمْـــرَ الصّعــادا
من عادة شعراء الجاهلية، أن يجردوا من أنفسهم شخص أو اثنين، يكون معه الحوار أثناء القصيدة، أما عنترة فلا يكون هذا الشخص عنده، أحد غير عبلة، ويتحدث معها ليرد على ناقصي العقل، قاصري النظر، الذين يقللون من شأنه، رغم أفعاله وأخلاقه، فقط لأن لون جلده أسود، فيقول لها اسألي يا عبلة هؤلاء القوم عني، في أوقات الحروب والأزمات، كيف كنتُ وكيف كانوا.
أخبريهم كيف أني وردت الحرب أي: دخلت فيها، بين الفرسان والأبطال، وصليل السيوف وصهيل الخيل، أخبريهم كيف دخلت في وسط ذلك، والأبطال والفرسان، تهز أياديهم السمر الصعادا، أي: السوف والرماح، وقد جعل عنترة في هذا التصوير، للسيف والرمح روحا وإرادة خاصة، وجعله هو من يهز كف صاحبه، كأنه هو من يرغب في الحرب والقتال، وكل ذلك كناية عن شدة الحرب، وما يحدث فيها.

وخُضْتُ بمهْجتي بحْـرَ المَنـايا * ونــــارُ الحــــربِ تتقـــدُ اتقـــادا
وعدتُّ مخضبـاً بـدَم الأعــادي * وكَربُ الرَّكض قد خضَبَ الجودا
وكــمْ خلفــتُ مــنْ بكــرٍ رداحٍ * بصَـوْتِ نُواحِهـا تُشْجـي الفُـؤَادا
أخبري يا عبلة هؤلاء القوم، وقولي لهم كيف أني اقتحمت ميدان الحرب، وهي بحر المنايا: من شدة ما يحصل فيها، من قتل وسفك للدماء، أصول وأجول بين الفرسان، ونار الحرب تشتعل وتزداد، وأنا في كل ذلك ثابت وراسخ كالجبل لا أهتز، أقاتل هذا وأجندل ذاك، وبعد كل ذلك عدت من هذه الحرب، منتصرا ومخضبا بدم الأعادي: والتخضيب عادة يكون بالحناء، في الأفراح والأعراس، إلا أن عنترة هنا تخضب بالدم، أما أعداؤه فتخضبوا بالخوف والكرب، الذي تملكهم من هول هذه المعركة، وتخضبت خيولهم بهم الركض، أي الهرب والفرار.
ألا يتذكر هؤلاء القوم، أفعالي وأمجادي في الحرب، ألا يذكرون حربنا مع بني بكر، كم قاتلت فيها وأهلكت الفرسان والأبطال، حتى تركت ورائهم الرداح، أي: النساء الذين ينوحون على موتاهم من شدة حزنها، على فقيدها يشجي صوت نواحها الفؤادا.
وسَيفي مُرْهَفُ الحدَّينِ مـاضٍ * تَقُــدُّ شِفــارُهُ الصَّخْـــرَ الجَمـــادا
ورُمحي مـا طعنْـتُ بـه طَعينـاً * فعــــادَ بعينيــــهِ نظــــرَ الرشــادا
ولولا صارمي وسنانُ رمحي * لمـــا رَفَعَــتْ بنُــو عَبْــسٍ عمــادا
ومن ثم يمدح عنترة سيفه ورمحه، اللذان يحارب بهما، حيث إنهما قطعة من نفسه وروحه، ومدحهم من مدحه وذمهم من ذمه، أما سيفه فيصفه بأنه مرهف الحدين، أي: رقيق الحدين، كناية عن مدى حدته، التي هي ماضية ونافذة في أي شئ، ذلك السيف الذي من صفاته، أن شفاره أي: أطرافه، تقد الصخر الجماد، أي: تقطعها بدون أي صعوبة، فيا له من سيفٍ، سيف عنترة، وأما رمحه فهو الذي يكون على أطرافه، ملك الموت حاضر ليقبض روح كل من يُطعَنُ به، فيقول عنترة أن هذا الرمح، ما طعن به أحداً قط وسلم منه، بل يذهب نور عينيه، فلا يميز بين الضلال والرشاد، ويتيه في ظلمة الموت.
وأخيراً يقول عنترة، موجهاً خطابه لسفهاء بني عبس، أنه لولاً صارم عنترة أي: سيفه البتار، ولولا سنان رمحه، هذين العزيزن اللذين يقاتل بهما، منافحا عن هؤلاء القوم، ما كانت لتقوم لهم قائمة، وما كان لهم من مجد وعز، يتفاخرون به، وقد صدق عنترة، فلولا وجوده في هذه الفترة الزمنية، من تاريخ بني عبس، لهلكوا نتيجة التعرض للغزو، ولو بقوا لم يكن لهم ذكرٌ، وتاريخٌ، مثل ذكرهم وتاريخهم الذي هو بيننا اليوم.

أُضيفت في: 5 أغسطس (آب) 2019 الموافق 3 ذو الحجة 1440
منذ: 5 شهور, 13 أيام, 14 ساعات, 36 دقائق, 34 ثانية
0

التعليقات

149057
أراء وكتاب
كيف ستكون المواجهة بين ايران وامريكاكيف ستكون المواجهة بين ايران وامريكاحيدر محمد الوائلي2020-01-07 10:30:10
وثيقة الخلاص من الناروثيقة الخلاص من النارإبراهيم يوسف2020-01-06 12:27:48
الخروج عن السَّطرالخروج عن السَّطرالدكتور: رشيد عبّاس2020-01-06 11:43:19
التحرش والانتماء الوطني!!التحرش والانتماء الوطني!!محمود سلامه الهايشه2020-01-04 15:45:29
حلم الرئيس التركي سرابحلم الرئيس التركي سرابرفعت يونان عزيز 2020-01-02 12:27:00
كل عام ووعينا بخيركل عام ووعينا بخيرعبد الرازق أحمد الشاعر2019-12-31 22:14:53
2020 عام التنمية والبناء2020 عام التنمية والبناءجمال المتولى جمعة 2019-12-31 19:08:13
إبداعات
ليلةٌ باردةليلةٌ باردةمروة عبيد2020-01-12 12:20:45
في رثاء محمد شحرورفي رثاء محمد شحروربنعيسى احسينات - المغرب2020-01-12 11:13:09
دعونيدعونيكرم الشبطي2020-01-10 18:46:36
أنهكني إدراكي ..أنهكني إدراكي ..نورا محمد 2020-01-10 17:04:42
الْعِيسَوِيَّةْالْعِيسَوِيَّةْ محسن عبد المعطي محمد عبد ربه 2020-01-10 13:08:36
كارلوس غصن وخرائط جغرافيا النفوذكارلوس غصن وخرائط جغرافيا النفوذطيرا الحنفي2020-01-08 22:21:50
فلسفة الموت حياةفلسفة الموت حياةكرم الشبطي2020-01-08 18:58:02
المنطقة ملتهبةالمنطقة ملتهبةكرم الشبطي2020-01-07 21:07:59
حـبيبتي من تكــونحـبيبتي من تكــونسامي ابراهيم فودة2020-01-07 13:50:40
لا تشك أبدالا تشك أبداكرم الشبطي2020-01-05 18:03:37
الكأس في يدك يداعبنيالكأس في يدك يداعبنيكرم الشبطي2020-01-04 21:31:25
مساحة حرة
html slider by WOWSlider.com v8.0
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر