GO MOBILE version!
أكتوبر18201912:22:24 مـصفر181441
الرقص على خريف الزمن
الرقص على خريف الزمن
أكتوبر18201912:22:24 مـصفر181441
منذ: 25 أيام, 2 ساعات, 52 دقائق, 16 ثانية

الرقص على خريف الزمن

كل شيء.. كما تركناه

إيناس ثابت – اليمن





كم مضى من عمر الزَّمن؟ ساعة، ساعتان، ثلاث ساعات، أو ربما أكثر!؟ أخيرا غادرتُ فراشي واهنة القوى فاترة الحواس أمشي بعجز شديد. نزلت إلى الطابق السفلي، كل شيء كما تركناه، الأطباق المبعثرة على المائدة، الملاعق، السكاكين، الأكواب، الشمعدان المطفأ، ومحارم الورق مزينة الحواشي.

مشيت عبر الممر الضيق إلى فناء المنزل. كان أديم السماء صافيا والجو هادئا مريبا، والأرض في سكون عميق.. إلا من صوت غراب ينعق في الجوار، فينهش قلبي ويثير في كياني التشاؤم والقلق.

جلست على كرسي أنتظر عودته، حينما دبَّ خلاف بيننا بالأمس غادر على إثره المنزل ولم يعد بعد. مرَّ الوقت بطيئا قاسيا. نكست رأسي وتذكرت ابتسامة وجهه المشرق وملامحه الهادئة وشعرت بهزيمتي؛ فاتخذت قرارا بفض الخلاف والمبادرة إلى الصلح بيننا، وقررت استقباله ببشاشة وذراعين مفتوحتين. ولا بأس أن أبكي طويلا على صدره، أغسل بدمعي ما علق في روحي من ألم الشوق بين يديه.

مازال الوقت يمضي بطيئا، وتأبى الساعة أن تحرك عقاربها بسرعة أكبر، لتحرِّرني من عذابي وكآبتي. قاربت الشمس على المغيب ولم يعد! انتابتني الهواجس وراودتني الأسئلة من جديد. ترى أين يكون وإلى أي مكان غادر؟ ربما لجأ إلى زميلته في العمل؟ تلك الأنثى اللعوب، التي كانت تحبه وتلاحقه وتتحين الفرص للإيقاع به واقتناصه مني! للحق هي أجمل مني وأرشق. لكنه فضلني عليها؛ وأحبني.

عدت إلى الداخل وجلست في زاوية الهناء والنور، على المقعد المشترك قريبة من أصيص البنفسج. تناولت الهاتف وطلبته كمن يطلق النداء الأخير. تواصل الرنين الأخرس ولم يُجِبْ. كررت المحاولة مرة إثر مرة بلا جدوى. إذاً لا مفرّ من مرارة الاتصال بالأفعى امرأة الغواية النكرة. لكنّها ما إن سمعتني حتى أغلقتِ الهاتف وانقطع النداء. يا لتلك الماكرة اللئيمة! لا حيلة أمامي إلاّ صبر أيوب وعذاب الانتظار.

أوجعتني قسوة المرفقين من حديد النافذة ووقت لم أحتسبه. لكنه يمضي مملا بطيئا قاتلا يجر ذيله وراءه ويعذبني، وصوت ساعة الحائط كالمعول تحفر دقاتها ورتابتها في قلبي وأذني. ارتفع منسوب القلق في قلبي وارتعشت يداي الباردتان الهزيلتان. قمت إلى دولابي فبدلت ثيابي وتوجهت الى منزل أهله في الجوار. بيد مرتعشة قرعت الباب بلهفة المقهور، والدمع يترقرق في عيني ويسيل على خدي.

أطل أبوه من خلف الباب ونظر نحوي بفيض من الشفقة والحنان. بادرته بالقول بصوت متهدج وكلمات متقطعة تكاد لا تسمع: انتظرته طويلا لكنه لم يعد وهاتفه مشغول لا يجيب. شدَّني إليه وضمني بحنان بين ذراعيه حتى هدأت قليلا، ثم أدخلني إلى المنزل وجلس بجانبي، وحضن كفي بين يديه حتى استسلمت لحنانه وأنست إليه. وخاطبت نفسي: إن كان والده هادئا هكذا فهذا يعني أنه لا زال بخير.

خيم علينا الصمت لبعض الوقت حتى بادرته بالسؤال: أتعلم أين يكون يا عمي؟ قال: مرَّ شهران على موته ولازلتِ تأتين كل يوم في هذه الساعة تفتشين عنه..! بانت على ملامحي علامات الدهشة وقلت باستنكار: لم آتِ إلى هنا إلاّ هذه الليلة فأنا لم أزركَ من مدة طويلة يا عمي. كنتُ معه بالأمس فسهرنا وضحكنا و.. أكملتُ بصوت متردد خجول ورقصنا أيضا، ولولا خلافنا في ساعات الليل الأخيرة..!؟ نظر نحوي بعينين حزينتين وقال بإشفاق: يجب أن تقتنعي لقد مات وانتهى الأمر ألم تتقبلي الحقيقة بعد..؟

تملكني الهلع واستبد بقلبي الوجع وصرخت بذعر كالمحمومة: لا..لا.. لقد كان معي البارحة، لولا خلافنا لكان اللحظة معي هنا؟ تَبّا لخصامنا وتبّا لي من مغفلة منكودة. ثم غبت في موجة من البكاء المرير.

رافقني أبوه فأمسكني من يدي وعاد بي إلى منزلي، وصعد بي إلى منامتي على الدرج في الطابق العلوي. ثم حضَّر لي أغطية السرير والوسادة، وأشعل مصباح النور الخفيف، وناولني حبة من دواء مهدىء، وجلس بجانبي يلاطف وجهي وشعري.. ويحدثني حتى اختفيت وغاب كلي عن الدنيا.

صحوت في اليوم التالي لا أدري كم كانت الساعة؟ لكنني نزلت إلى الطابق السفلي؟ كل شيء كما تركناه بالأمس.. الأطباق المبعثرة على المائدة ، الملاعق، السكاكين، الأكواب، الشمعدان المطفأ، ومحارم الورق مزينة الحواشي. اتجهت من جديد إلى الفناء مفتوحة الذراعين أبتسم.. وأنتظرعودته على الباب.
 

أُضيفت في: 18 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 الموافق 18 صفر 1441
منذ: 25 أيام, 2 ساعات, 52 دقائق, 16 ثانية
0

التعليقات

150287
أراء وكتاب
جحيم المعرفةجحيم المعرفةأحمد محمود القاضي2019-11-08 14:52:44
ذكرى ميلاد سيد الخلق اجمعينذكرى ميلاد سيد الخلق اجمعينإسماعيل أبوعقاده2019-11-06 00:15:02
عن العنف مرة أخرى وأخرى ..!عن العنف مرة أخرى وأخرى ..!شاكر فريد حسن 2019-11-03 06:27:31
أحلى صوت ...عربيأحلى صوت ...عربي ياسمين مجدي عبده2019-10-28 13:04:23
الالتزام بالولاية الصادقةالالتزام بالولاية الصادقةسليم العكيلي2019-10-24 21:32:49
حسن نصرالله .. نهاية عتريس !حسن نصرالله .. نهاية عتريس !أحمد محمود سلام2019-10-24 14:49:59
إبداعات
حتماً سيمضي..حتماً سيمضي..هداية صفوح دركلت2019-11-11 19:06:01
البنت هفيّةالبنت هفيّةعبدالعزيز المنسوب2019-11-09 13:56:31
الفراغ ... مقاطع شعريةالفراغ ... مقاطع شعريةايفان علي عثمان 2019-11-08 22:14:25
لا تكتب بأشواكلا تكتب بأشواكعبدالعزيز المنسوب2019-11-04 23:44:20
رباعيات ( يا ناس يا ناسيه )رباعيات ( يا ناس يا ناسيه )محمد محمد علي جنيدي 2019-11-02 14:55:13
الزلم اللي شكت الكاع ... جيل الثأر والغارالزلم اللي شكت الكاع ... جيل الثأر والغارايفان علي عثمان 2019-11-02 00:49:23
يا نفسُ قومييا نفسُ قوميمحمد محمد علي جنيدي 2019-10-30 12:35:29
تَذُوبِينَ تَائِقَةً لِلْوَتَرْتَذُوبِينَ تَائِقَةً لِلْوَتَرْ محسن عبد المعطي محمد عبد ربه 2019-10-29 13:55:18
في حبّ مصرفي حبّ مصرعبدالعزيز المنسوب2019-10-28 18:44:39
نعمة الحب..نعمة الحب..بنعيسى احسينات - المغرب2019-10-28 10:26:28
مساحة حرة
النبيّ الموعود..بـ "المقام المحمود"النبيّ الموعود..بـ "المقام المحمود"ابراهيم يوسف ابو جعفر2019-11-08 20:34:06
سمو الشيخ فهد حمد العذاب الهاشميسمو الشيخ فهد حمد العذاب الهاشميعبدالسلام الشقيري 2019-11-07 17:40:26
مواقع النواصلمواقع النواصلأحمد محمود القاضي2019-11-05 00:45:19
ولنا كل الفخرولنا كل الفخر ياسمين مجدي عبده2019-11-04 13:03:56
الضمانالضمانرنيم محمود2019-11-03 20:53:14
عين العقلعين العقلأسامة عبد الناصر2019-11-02 22:18:32
من الجعبةمن الجعبةإبراهيم يوسف2019-10-30 14:50:17
الحذر.. من قيام المهدي المنتظرالحذر.. من قيام المهدي المنتظرابراهيم يوسف ابو جعفر2019-10-29 21:21:17
الملوخية والعقل الزفتاوىالملوخية والعقل الزفتاوىفرشوطى محمد2019-10-29 15:11:28
html slider by WOWSlider.com v8.0
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر