GO MOBILE version!
أكتوبر2620193:52:34 صـصفر261441
سياحة في كتاب " بَوْحُ الرُّوحِ" للكاتبة عزة أبو العز
سياحة في كتاب " بَوْحُ الرُّوحِ" للكاتبة عزة أبو العز
أكتوبر2620193:52:34 صـصفر261441
منذ: 17 أيام, 11 ساعات, 13 دقائق, 14 ثانية


للوهلة الأولى التي قرأتُ فيها باكورة مقالات من بوح الكاتبة عزة أبو العز، رَصدتْ بوصلتي النقدية ملامح لإبداع مغاير لما عهدته عنها في كتابات لها سبقت، وأدَعي أنني قرأت معظم ما أنتجت، ومع توالي النشر أيقنتُ أكثر بأن المكتبة العربية ستزدان بكتاب يتسم بالتأمل الهادئ الذي سيسرق ذواتنا من الضجيج الذي نعيشه نقاشا ومزاحا وجدالا وحديثا في الهاتف..

صدر كتاب "بوح الروح" عن "طيوف" للنشر بالقاهرة مؤخرا، وقد باحت فيه روح الكاتبة عزة أبو العز بطول الأزمنة والأوقات التي هي بطول عمرها، وبطول وعرض الأمكنة التي شهدتْ وقع خطواتها الأولى فوق تراب دروب قريتها الوادعة، وعلى إسفلت المدينة المتعَبة بحكايات أهلها وصراعاتهم.. لم تنشغل بالشكل قدر انشغالها بنقل المضمون الذي عانق شكلا جديدا من السرد الذي ليس له في توصيفها إياه غير "البوح" وكانت هي "الروح" الهائمة عبر كل تواريخها، وبحسب سنوات عمرها في كل حين..

تصاحب الكاتبة عزة أبو العز تلك الروح وهي متصلةٌ بها ومنفصلة عنها في آن، تجسدها، وتعايشها، وتراها، وتتأملها، وتراقبها تارة من الداخل وتاراتٍ من الخارج، تتعجب لها وتعجب منها وتعجب بها..

رحلة عبر مسارات الحكي الذي ينقلنا إلى أجواء القرية الوادعة التي تعرف الذكر، والحزن، والفراق، والفرح بالحصاد، والوفاء، ثم نقلتنا إلى عالم المدينة بما فيه من صراع، وزحام، وحب .. أدخلتنا أكوان الدنيا .. وأوقفتنا على حواف الآخرة، ووضعتنا بين مزدوجين لا فكاك منهما (الحياة والموت).. فأركبتنا معها القارب الذي مازال يبحر في نهر الحياة وغايته مرفأ الموت.. في رحلة لا تتعبها ولا ترعبها، ولا تزعجها ولا تتعبها.. وتطالبنا بالسكينة والسلام..

بوح الكاتبة ينقلنا إلى آفاق من الروعة الحقة التي يجب أن نعيشها نحو استبطان الذات، وقراءة أغوار النفس.. والبحث في وعينا عن لحظات من بوح روحنا لروحنا.. كان همها الأول أن تعيش روحها ثم تسمع بوحها ثم تنقله لنا لنشاركها فيه؛ فهكذا كانت وستكون عزة أبو العز حارسة القيم وناقلتها إلى أجيال بعدها من الصغار والكبار، لا تنسى أبدًا دورها في أن تكون مفيدة عبر كل مسارات حياتها.. حتى في محطاتها التاريخية الذاتية لا تمضي دون أن تترك أثرًا يدل من بعدها على الطريق الصحيح ليمضون فيه.. أو الطريق الخطأ ليتوقونه..

للموت في "بوح الروح" مذاقاته الإنسانية المتباينة التي عاشتها الكاتبة معايشة في الواقع ومعايشة مستعادة على الورق فكانت كأنها طازجة الحدوث، الموت هنا لا يصاحبه لون واحد؛ ففي كل بوح من الروح سنقابله عبر "ابْنُ مـوت" و"بنت سبعة" و"القبْضَة" و"بين الحياة والموت" و"عائدة من الموت" و "نُعُوشٌ طَائِرَةٌ".

كما ستقابلنا اللحظة الوجدانية عبر موتيفات مختلفة أيضا، غير أنها تعاملت معها بمنطق كسر البداهة التي يتوقعها القارئ، وسيكون هذا عبر بوح "أدركنا الغروب" و"أصْدَاءُ الصَّمْتِ" و"لَيْلَةُ الْحَصَادِ"، ويتعانق الوجدان مع اللحظة الفارقة والقدرية في الحياة عبر بوح "قَــــــرَارٌ" و" أمنا الغولة".

يبدو أن بوح الكاتبة لم يألف الوفاء في بني البشر مع من هم من جنسهم، فجعلت تلك القيمة العالية الراقية بين الكلاب والقطط والبشر في بوحين رائعين، هما: "الْحَارِسُ الأمين" و"الطَّــــوَّاف".

كما تصور الكاتبة عزة أبو العز العلاقة المتينة بين البطولة والفداء التي يتقاسمها الرجل المصري والمرأة المصرية على اختلاف عمريهما وتعاملهما مع الأرض، واختلاف المغتصب حين يكون معتديا من الخارج أو من الداخل، كما تبين قيمة التنشئة الاجتماعية حين تسقطها على نماذج الفداء من البطولات التي تُروى للصغار، وقيمة التمسك بالأرض التي تبثها العائلات في أبنائها التي تتجلى عبر بوحين، هما: "الرَّايَة" و"شَمْسُ النَّهَار".

يتجلى بوح الروح عبر المسافة الزمنية والمساحة المكانية بين القرية والمدينة وبين الذِكر والإنشاد والأوبرا، وبين اللحظات الأثيرية في لقاء الأولياء من أهل الله، وبين محبة آل البيت التي تسير في نفس المسار من الوجد الإلهي الذي سكبه الأ
جداد في روح الكاتبة فكان البوح في أقصى تجلياته متحَققًا في: "مُوسِيقَى الذَّات الْكَامِنَة" و"هيَ والدَّرْوِيش" و"صاحبة المَقَامِ الرفيع" وتقف وحدها هذه السردية من البوح درة الكتاب من وجهة نظري.. ثم يأتي بوح "أَدْوَارُ سَــــيِّــــدِنَــا" الذي يجمع بين نفاق القرية والمدينة ذلك النفاق الإنساني الذي يتشارك فيه الجميع، وإقرار من الكاتبة بأن السلوك الإنساني الفردي والجماعي لا يتجزأ وإنما يرتدي أزياء ويتكلم لغات بحسب جغرافية المنافق.

غير أن "مَلاك بِلاَ قَلْبٍ" تقف وحدها على غير ترتيب من كل تلك السياقات المتقدمة؛ فهي أصعبها.. لأننا نقف أمام "ذات" تبارز نفسها في لحظة "المكاشفة" الرهيبة التي يهرب الجميع من لقائها، بل يدفنونها ويقفون عليها بأقدامهم كي لا تخرج للنور أبدا..
غير أن البوح في هذه اللحظة السكونية الثابتة يشكل بوح لحظة "الحساب الختامي" للعمر السابق واللاحق الذي ادخرته الكاتبة في ضمير الإنسانية وتاريخها: "خلودًا" يستحق و"مجدًا" تهون من أجله كل الذي يتسابق فيه البشر ويتقاتلون من أجل الفوز بلحظة آنية فانية، وليس هذا دأب العظماء والأفذاذ من فرادى الناس الذين يأتون على غير ما ألف الناس .. لأنهم ملائكة ولهم قلوب...

لقد نقلني بوح الروح عبر كلماته مثل بساط الريح إلى عوالم راقية، ولحظات ماتعة عانقت روحي فيها هذا البوح زمانا ومكانا وانفعالا من فرط الصدق، والود، والشفافية، والوجد.. وكلها صفات تتمتع بها صاحبة البوح الكاتبة الكبيرة عزة أبو العز..

 

أُضيفت في: 26 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 الموافق 26 صفر 1441
منذ: 17 أيام, 11 ساعات, 13 دقائق, 14 ثانية
0

التعليقات

150397
أراء وكتاب
جحيم المعرفةجحيم المعرفةأحمد محمود القاضي2019-11-08 14:52:44
ذكرى ميلاد سيد الخلق اجمعينذكرى ميلاد سيد الخلق اجمعينإسماعيل أبوعقاده2019-11-06 00:15:02
عن العنف مرة أخرى وأخرى ..!عن العنف مرة أخرى وأخرى ..!شاكر فريد حسن 2019-11-03 06:27:31
أحلى صوت ...عربيأحلى صوت ...عربي ياسمين مجدي عبده2019-10-28 13:04:23
الالتزام بالولاية الصادقةالالتزام بالولاية الصادقةسليم العكيلي2019-10-24 21:32:49
حسن نصرالله .. نهاية عتريس !حسن نصرالله .. نهاية عتريس !أحمد محمود سلام2019-10-24 14:49:59
إبداعات
حتماً سيمضي..حتماً سيمضي..هداية صفوح دركلت2019-11-11 19:06:01
البنت هفيّةالبنت هفيّةعبدالعزيز المنسوب2019-11-09 13:56:31
الفراغ ... مقاطع شعريةالفراغ ... مقاطع شعريةايفان علي عثمان 2019-11-08 22:14:25
لا تكتب بأشواكلا تكتب بأشواكعبدالعزيز المنسوب2019-11-04 23:44:20
رباعيات ( يا ناس يا ناسيه )رباعيات ( يا ناس يا ناسيه )محمد محمد علي جنيدي 2019-11-02 14:55:13
الزلم اللي شكت الكاع ... جيل الثأر والغارالزلم اللي شكت الكاع ... جيل الثأر والغارايفان علي عثمان 2019-11-02 00:49:23
يا نفسُ قومييا نفسُ قوميمحمد محمد علي جنيدي 2019-10-30 12:35:29
تَذُوبِينَ تَائِقَةً لِلْوَتَرْتَذُوبِينَ تَائِقَةً لِلْوَتَرْ محسن عبد المعطي محمد عبد ربه 2019-10-29 13:55:18
في حبّ مصرفي حبّ مصرعبدالعزيز المنسوب2019-10-28 18:44:39
نعمة الحب..نعمة الحب..بنعيسى احسينات - المغرب2019-10-28 10:26:28
مساحة حرة
النبيّ الموعود..بـ "المقام المحمود"النبيّ الموعود..بـ "المقام المحمود"ابراهيم يوسف ابو جعفر2019-11-08 20:34:06
سمو الشيخ فهد حمد العذاب الهاشميسمو الشيخ فهد حمد العذاب الهاشميعبدالسلام الشقيري 2019-11-07 17:40:26
مواقع النواصلمواقع النواصلأحمد محمود القاضي2019-11-05 00:45:19
ولنا كل الفخرولنا كل الفخر ياسمين مجدي عبده2019-11-04 13:03:56
الضمانالضمانرنيم محمود2019-11-03 20:53:14
عين العقلعين العقلأسامة عبد الناصر2019-11-02 22:18:32
من الجعبةمن الجعبةإبراهيم يوسف2019-10-30 14:50:17
الحذر.. من قيام المهدي المنتظرالحذر.. من قيام المهدي المنتظرابراهيم يوسف ابو جعفر2019-10-29 21:21:17
الملوخية والعقل الزفتاوىالملوخية والعقل الزفتاوىفرشوطى محمد2019-10-29 15:11:28
html slider by WOWSlider.com v8.0
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر