GO MOBILE version!
نوفمبر820192:52:44 مـربيع أول101441
جحيم المعرفة
جحيم المعرفة
نوفمبر820192:52:44 مـربيع أول101441
منذ: 3 شهور, 19 أيام, 14 ساعات, 55 دقائق, 46 ثانية

"الخطأ الثاني هو أنني انعزلت، وقرأت أكثر من اللازم، بينما كان زملائي يمارسون الحياة ولا يقرأون عنها." – د. أحمد خالد توفيق–

في حقيقة الأمر إن المعرفة -وكثير أيضا من ألوان العطاء المنشودة- ما هي في عميق كُنْهِها إلا نقمةٌ صُراحٌ، ولكم يشقى العالم بعلمه بين ثلةِ الجهلاء، وكذلك إنها لتتكلف عناءً لا يطيقَنْ دفعه بشرٌ ثمَنَاً؛ إنها لتغُصُّ الجنانَ، وتفُتُّ الجوارح، وتهدَّ النفس هدَّا، وتسهِدُ العقل، ثم لا ينوبنْكَ منها إلا الشطط، وترى أن لو كنت كغيرك لما شقيت، وتظل تلقى إدعاءات بالمجون، وأخرى بالتضليل والشيطنة، ولكن الأمر الذي يدُعُّ دعَّا؛ أن العارف يؤمن عن اقتناعٍ في أعماق أعماقه أنه لا يعرف شيئا؛ فيظل يستزيد، وينكب على ذاته لا يجد من يفيد؛ حتى تتصدع رأسه، وينفطر خُلدهُ، ويسأم الحياة، ويدرك إدراكا يقينيا أن الحياة لم تكُ لتتغير عن حالها، وأن العلم فيها أصبح محدودا، والتفكير أصبح في ثقافاتنا مُحرَّما، وأخيراً أنه ليس يسمع الصم والبكم الدعاء إذا كانوا لا يشترون.

في هذا الرحاب أسوق إليكم لفتة من القرآن الكريم حول العلم، والرسالة، والوحي؛ إذ بلغ محمداً فأخبَّره وحذره مما هو عليه مقبل قائلاً له: " إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً"، وقال ليحيى: "خذ الكتاب بقوة"، وقال لبني إسرائيل كذلك "خذوا ما آتيناكم بقوة"...

"قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ * وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ۚ سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ"، وهكذا هي سائر الرسالات، والمعارف؛ لا سيما منها الفلسفية التي تعتمد اعتمادا تامَّا على اللدنية التأملية، وإعمال العقل في النقد والنقض، والفحص والتمحيص، والتنقيب والتنقيح؛ فنلفي أبا الفلاسفة إبراهيم مستخدما ذا المنهج الفلسفي قديماً جداً في أوساط عابدي الأصنامِ والفلك، ولم يكُ تعدى الحُلُمَ بعد؛ فيوصله العقل المستنير، إلى النور، ويهِدِّي إلى حقيقةٍ قد غابت عن فحولِ مملكته العريقة آنذاك، بل عن الأرض كلها كما أشار الله "إن إبراهيم كان أُمَّةً…" ولكن ما أعدَله ذاك عن العناءِ وجحيم المعرفة؛ كما نرى موسى -وحتى قبل التنبي- يدعو الله "ربي إني لما أنزلت إليَّ من خيرٍ فقير" إذ ابتلاه الله فساقه سياقةً إلى النبوة والحكمة، بينما لم يحتمل هو الإعداد والتحضير؛ ومحمداً في دعائه الذي أقسم به الله لينصرنَّه فليهجرهم ويرك أمرهم إليه "وقيلهِ يا ربِّ إنَّ هؤلاءِ قومٌ لا يؤمنون. فاصفح عنهم وقلْ سلام فسوف يعلمون"؛ ومن قبله نوحاً إذ دعا ربه " قال ربِّ إنِّي مغلوبٌ فانتصِرْ" وذا النونِ إذْ ذهب مُغَاضِبَاً، وابن مريم إذ رفعه الله إليه "إني رافعك إليَّ ومطهرك من الذين كفروا" وكل هؤلاء الرسل الذين لم يطيقوا ولم يحتملوا عناء حمل المعرفة الجديدة، والرسالة إلى الغير.

لكن -بالرغم من ذلكم- تبقى المعرفة هي المرض الأخبث، والسُمَّ العضال، اللذان لا يبرأ منهما مبتلىٰ؛ وإذن لا يهتدي العقل المسهوم بها إلى وَدْعِها، ولا تقدر البصيرة المُنارةُ من ربها إلا أن تأبىٰ إلا هيَ؛ فلا تنقاد، ولا تنساق، ولا تصدق، ولا تكذب، ولا تخدع، وقد تُخدَع، ثم تعاود فترجِع؛ فإن العقل هو منطق الإنسان السوي في الحياة، والمعرفة آفة، والتفكير أفعوان يلدغ من يجترئ عليه فيؤْدي به ضحيته، ويشع للآخرين درباً جديدا من النور يُآتيهِمُوهُ دون كدٍّ، ولا سعي، أو اجتهاد؛ وكم أراهيطٍ، وحضارات قد جهلوا قيمةَ مَنْ بينَهم، فما رعوها حق رعايتها حتى هلَكوا، أو هلكَ مَنْ هلكَ بظلمهم، وما ظلموهم، بل أنفسهم كانوا يظلمون؛ وقد تجد من الأنبياءِ أمثلةً، ومن الأدباء والشعراء نماذجَ أخَرَ، خَلَتْ، وما خَلَّى التاريخُ ما خَلَّفوه من إرثٍ؛ لم يكُ ليُستلهمَ إلا بعقلٍ مهتدٍ متبصرٍ متفلسفٍ، والاحتراقِ بنيرانِ المعرفة الشرسة.

إذاً إمَّا تعِشَنَّ إنساناً؛ تعقلُ وتتَعَقَّلُ؛ وإذن لا تجدَ راحةً في الحياةِ، ولو بذلت لذلك حياة؛ أو جاهلاً؛ تفقدْ ماهيَّـتـَكَ المائزة، ولقد اكتتبني قلمي تلكم الأبيات في السياق عينه فأمليته:

نِعِمَّاْ الجَهْلُ مَا يُرِيحُ ذَاهُ
وبِئسَ العَقلُ ذَا الذي يُشْقِينَاْ

فأخَو الجَهالةِ ذا يَغْنَىٰ بها
ويُهلِك التَنْوِيرُ العارِفيناْ

كمْ من جَهولٍ بات مُنَعَّمَاً
وتَسهَدُ كَمْ مِرارٍ ليَـالِيناْ

يَعيشُ السَاذَجُونَ في فضاءٍ
وكَم مِنْ تَعْسٍ قد دبَّ فيناْ

عَيشٌ عُضَالٌ ثم لئنْ يَكُنْ
يَوماً دلالٌ فالنِزَالُ سِنيناْ

فادرِيَنْ -من ثَمَّ- العلمَ نورَ البصيرة، لكن غزارتَه قد تُـؤْدي بك إلى فقدان البصر؛ فهو بذا أشقى الآلآءِ، ورِ الجهلَ أنْعَمَ النِقَمِ؛ لأنَّ الجاهلَ -على الأقل- لا يعرفُ حتى أنَّه جاهل، ألا لات حينَ الفَهْمِ؛ لقد فاتَ حينُ اهتداء.

ويختتم قلمي مُقالَه إليكم بذَيْنِ البيتين:

ولئنْ سَألتُمْ عَنِّي بجُحْرِها الحَشَرَاتْ
لَقُلْنَ لَكُمْ وَلَاْتَ مُرُوءَةٍ مَاْ فَاتْ

بَلْ هَاؤمُواْ سَلُواْ الدُنَىٰ تُكْرِمَنْ تُبَّاعَها
وَتَــمــُنُّ مَــنًّا النـــُبــَــلَآءَ وَالحَيــَوَاتْ

 

أُضيفت في: 8 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 الموافق 10 ربيع أول 1441
منذ: 3 شهور, 19 أيام, 14 ساعات, 55 دقائق, 46 ثانية
0

التعليقات

150572
أراء وكتاب
لقاء أولمرت عباس يضر فلسطين ولا ينفعلقاء أولمرت عباس يضر فلسطين ولا ينفعد. فايز أبو شمالة2020-02-10 20:31:40
عملاء عراقيون من طراز خاصعملاء عراقيون من طراز خاصعلي الكاش2020-02-08 21:50:20
في رحلة صوم يونان النبيفي رحلة صوم يونان النبيرفعت يونان عزيز 2020-02-07 15:31:16
كارثة طبيعية أم حرب بيلوجية ؟كارثة طبيعية أم حرب بيلوجية ؟الحسين عبدالرازق2020-02-06 17:38:36
مقاتل بلا اسلحةمقاتل بلا اسلحةد/رشاد حسن العطار2020-02-03 08:41:44
صفقة القرن الفاضحةصفقة القرن الفاضحةجمال المتولى جمعة 2020-02-02 12:13:28
هلا فبرايرهلا فبرايرمحمد محمد علي جنيدي2020-02-02 00:53:36
التجدبد وأصولية الطيبالتجدبد وأصولية الطيبأحمد محمود القاضي2020-01-31 13:57:26
لماذا الناصريةلماذا الناصريةحيدر محمد الوائلي2020-01-30 11:05:20
إبداعات
نار القصائدنار القصائدكرم الشبطي2020-02-10 19:09:10
آسفآسفكرم الشبطي2020-02-09 22:22:05
انعطافات منكسرةانعطافات منكسرةطاهر مصطفى2020-02-05 16:14:25
كحل العيونكحل العيونشاكر فريد حسن 2020-02-03 07:54:13
كورونا.. فيروس ام اختراع سياسي؟!كورونا.. فيروس ام اختراع سياسي؟!هالة ابو السعود2020-02-02 12:17:53
الكائن والممكن والمستحيلالكائن والممكن والمستحيلطيرا الحنفي2020-01-21 02:01:06
لا تصدقيهملا تصدقيهمأحمد يسري عبد الرسول2020-01-20 10:14:07
ألوان الشتاءألوان الشتاءمروة عبيد2020-01-19 19:39:57
ليلةٌ باردةليلةٌ باردةمروة عبيد2020-01-12 12:20:45
في رثاء محمد شحرورفي رثاء محمد شحروربنعيسى احسينات - المغرب2020-01-12 11:13:09
مساحة حرة
عودوا لوطنكم...فهو يحتاجكمعودوا لوطنكم...فهو يحتاجكم ياسمين مجدي عبده2020-02-09 20:25:41
اعترافات متأخرةاعترافات متأخرةمروة عبيد2020-02-08 13:02:37
كتاب قصص الحياةكتاب قصص الحياةرانية محي2020-02-05 23:02:52
كفاح و طموحكفاح و طموحد.أحمد محمد عبدالعال2020-02-03 19:55:00
تألق الشعر العربي بمعرض القاهرة الدولي للكتابتألق الشعر العربي بمعرض القاهرة الدولي للكتابعبدالناصر أحمد الجوهري2020-02-03 13:35:33
إعترافات متأخرةإعترافات متأخرةمروة عبيد2020-02-02 14:41:17
معرض الكتاب الدولي والتيسر علي الروادمعرض الكتاب الدولي والتيسر علي الروادعبد العزيز فرج عزو2020-02-01 22:43:51
درع وسيفدرع وسيفأحمد نظيم2020-01-31 17:05:34
html slider by WOWSlider.com v8.0
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر