GO MOBILE version!
نوفمبر820192:52:44 مـربيع أول101441
جحيم المعرفة
جحيم المعرفة
نوفمبر820192:52:44 مـربيع أول101441
منذ: 10 أيام, 20 ساعات, 48 دقائق, 18 ثانية

"الخطأ الثاني هو أنني انعزلت، وقرأت أكثر من اللازم، بينما كان زملائي يمارسون الحياة ولا يقرأون عنها." – د. أحمد خالد توفيق–

في حقيقة الأمر إن المعرفة -وكثير أيضا من ألوان العطاء المنشودة- ما هي في عميق كُنْهِها إلا نقمةٌ صُراحٌ، ولكم يشقى العالم بعلمه بين ثلةِ الجهلاء، وكذلك إنها لتتكلف عناءً لا يطيقَنْ دفعه بشرٌ ثمَنَاً؛ إنها لتغُصُّ الجنانَ، وتفُتُّ الجوارح، وتهدَّ النفس هدَّا، وتسهِدُ العقل، ثم لا ينوبنْكَ منها إلا الشطط، وترى أن لو كنت كغيرك لما شقيت، وتظل تلقى إدعاءات بالمجون، وأخرى بالتضليل والشيطنة، ولكن الأمر الذي يدُعُّ دعَّا؛ أن العارف يؤمن عن اقتناعٍ في أعماق أعماقه أنه لا يعرف شيئا؛ فيظل يستزيد، وينكب على ذاته لا يجد من يفيد؛ حتى تتصدع رأسه، وينفطر خُلدهُ، ويسأم الحياة، ويدرك إدراكا يقينيا أن الحياة لم تكُ لتتغير عن حالها، وأن العلم فيها أصبح محدودا، والتفكير أصبح في ثقافاتنا مُحرَّما، وأخيراً أنه ليس يسمع الصم والبكم الدعاء إذا كانوا لا يشترون.

في هذا الرحاب أسوق إليكم لفتة من القرآن الكريم حول العلم، والرسالة، والوحي؛ إذ بلغ محمداً فأخبَّره وحذره مما هو عليه مقبل قائلاً له: " إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً"، وقال ليحيى: "خذ الكتاب بقوة"، وقال لبني إسرائيل كذلك "خذوا ما آتيناكم بقوة"...

"قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ * وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ۚ سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ"، وهكذا هي سائر الرسالات، والمعارف؛ لا سيما منها الفلسفية التي تعتمد اعتمادا تامَّا على اللدنية التأملية، وإعمال العقل في النقد والنقض، والفحص والتمحيص، والتنقيب والتنقيح؛ فنلفي أبا الفلاسفة إبراهيم مستخدما ذا المنهج الفلسفي قديماً جداً في أوساط عابدي الأصنامِ والفلك، ولم يكُ تعدى الحُلُمَ بعد؛ فيوصله العقل المستنير، إلى النور، ويهِدِّي إلى حقيقةٍ قد غابت عن فحولِ مملكته العريقة آنذاك، بل عن الأرض كلها كما أشار الله "إن إبراهيم كان أُمَّةً…" ولكن ما أعدَله ذاك عن العناءِ وجحيم المعرفة؛ كما نرى موسى -وحتى قبل التنبي- يدعو الله "ربي إني لما أنزلت إليَّ من خيرٍ فقير" إذ ابتلاه الله فساقه سياقةً إلى النبوة والحكمة، بينما لم يحتمل هو الإعداد والتحضير؛ ومحمداً في دعائه الذي أقسم به الله لينصرنَّه فليهجرهم ويرك أمرهم إليه "وقيلهِ يا ربِّ إنَّ هؤلاءِ قومٌ لا يؤمنون. فاصفح عنهم وقلْ سلام فسوف يعلمون"؛ ومن قبله نوحاً إذ دعا ربه " قال ربِّ إنِّي مغلوبٌ فانتصِرْ" وذا النونِ إذْ ذهب مُغَاضِبَاً، وابن مريم إذ رفعه الله إليه "إني رافعك إليَّ ومطهرك من الذين كفروا" وكل هؤلاء الرسل الذين لم يطيقوا ولم يحتملوا عناء حمل المعرفة الجديدة، والرسالة إلى الغير.

لكن -بالرغم من ذلكم- تبقى المعرفة هي المرض الأخبث، والسُمَّ العضال، اللذان لا يبرأ منهما مبتلىٰ؛ وإذن لا يهتدي العقل المسهوم بها إلى وَدْعِها، ولا تقدر البصيرة المُنارةُ من ربها إلا أن تأبىٰ إلا هيَ؛ فلا تنقاد، ولا تنساق، ولا تصدق، ولا تكذب، ولا تخدع، وقد تُخدَع، ثم تعاود فترجِع؛ فإن العقل هو منطق الإنسان السوي في الحياة، والمعرفة آفة، والتفكير أفعوان يلدغ من يجترئ عليه فيؤْدي به ضحيته، ويشع للآخرين درباً جديدا من النور يُآتيهِمُوهُ دون كدٍّ، ولا سعي، أو اجتهاد؛ وكم أراهيطٍ، وحضارات قد جهلوا قيمةَ مَنْ بينَهم، فما رعوها حق رعايتها حتى هلَكوا، أو هلكَ مَنْ هلكَ بظلمهم، وما ظلموهم، بل أنفسهم كانوا يظلمون؛ وقد تجد من الأنبياءِ أمثلةً، ومن الأدباء والشعراء نماذجَ أخَرَ، خَلَتْ، وما خَلَّى التاريخُ ما خَلَّفوه من إرثٍ؛ لم يكُ ليُستلهمَ إلا بعقلٍ مهتدٍ متبصرٍ متفلسفٍ، والاحتراقِ بنيرانِ المعرفة الشرسة.

إذاً إمَّا تعِشَنَّ إنساناً؛ تعقلُ وتتَعَقَّلُ؛ وإذن لا تجدَ راحةً في الحياةِ، ولو بذلت لذلك حياة؛ أو جاهلاً؛ تفقدْ ماهيَّـتـَكَ المائزة، ولقد اكتتبني قلمي تلكم الأبيات في السياق عينه فأمليته:

نِعِمَّاْ الجَهْلُ مَا يُرِيحُ ذَاهُ
وبِئسَ العَقلُ ذَا الذي يُشْقِينَاْ

فأخَو الجَهالةِ ذا يَغْنَىٰ بها
ويُهلِك التَنْوِيرُ العارِفيناْ

كمْ من جَهولٍ بات مُنَعَّمَاً
وتَسهَدُ كَمْ مِرارٍ ليَـالِيناْ

يَعيشُ السَاذَجُونَ في فضاءٍ
وكَم مِنْ تَعْسٍ قد دبَّ فيناْ

عَيشٌ عُضَالٌ ثم لئنْ يَكُنْ
يَوماً دلالٌ فالنِزَالُ سِنيناْ

فادرِيَنْ -من ثَمَّ- العلمَ نورَ البصيرة، لكن غزارتَه قد تُـؤْدي بك إلى فقدان البصر؛ فهو بذا أشقى الآلآءِ، ورِ الجهلَ أنْعَمَ النِقَمِ؛ لأنَّ الجاهلَ -على الأقل- لا يعرفُ حتى أنَّه جاهل، ألا لات حينَ الفَهْمِ؛ لقد فاتَ حينُ اهتداء.

ويختتم قلمي مُقالَه إليكم بذَيْنِ البيتين:

ولئنْ سَألتُمْ عَنِّي بجُحْرِها الحَشَرَاتْ
لَقُلْنَ لَكُمْ وَلَاْتَ مُرُوءَةٍ مَاْ فَاتْ

بَلْ هَاؤمُواْ سَلُواْ الدُنَىٰ تُكْرِمَنْ تُبَّاعَها
وَتَــمــُنُّ مَــنًّا النـــُبــَــلَآءَ وَالحَيــَوَاتْ

 

أُضيفت في: 8 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 الموافق 10 ربيع أول 1441
منذ: 10 أيام, 20 ساعات, 48 دقائق, 18 ثانية
0

التعليقات

150572
أراء وكتاب
القدوة فى حياتناالقدوة فى حياتناجمال المتولى جمعة 2019-11-17 10:10:25
إعدام الفاسد  اهم سر نجاحات الصينإعدام الفاسد اهم سر نجاحات الصينخالد احمد واكد 2019-11-16 20:16:15
بناء المجتمعاتبناء المجتمعاتأحمد محمود القاضي2019-11-15 11:34:16
التاريخ كما يجب أن يكونالتاريخ كما يجب أن يكونياسمين مجدي عبده2019-11-13 14:44:57
عبدالسميع عبدالعظيم من الرواد الاوائلعبدالسميع عبدالعظيم من الرواد الاوائلجمال المتولى جمعة 2019-11-12 18:07:27
جحيم المعرفةجحيم المعرفةأحمد محمود القاضي2019-11-08 14:52:44
ذكرى ميلاد سيد الخلق اجمعينذكرى ميلاد سيد الخلق اجمعينإسماعيل أبوعقاده2019-11-06 00:15:02
عن العنف مرة أخرى وأخرى ..!عن العنف مرة أخرى وأخرى ..!شاكر فريد حسن 2019-11-03 06:27:31
إبداعات
غصة في القلبغصة في القلبنداء عز الدين عويضة2019-11-17 01:52:11
صيحة الفجر ... الثأر حمحمصيحة الفجر ... الثأر حمحمايفان علي عثمان 2019-11-15 00:50:45
الرافعيُّ أميرهاالرافعيُّ أميرهاعبدالعزيز المنسوب2019-11-13 11:44:13
بقلم رصارصبقلم رصارصالشيماء الصلاحي2019-11-12 11:09:04
حتماً سيمضي..حتماً سيمضي..هداية صفوح دركلت2019-11-11 19:06:01
البنت هفيّةالبنت هفيّةعبدالعزيز المنسوب2019-11-09 13:56:31
الفراغ ... مقاطع شعريةالفراغ ... مقاطع شعريةايفان علي عثمان 2019-11-08 22:14:25
لا تكتب بأشواكلا تكتب بأشواكعبدالعزيز المنسوب2019-11-04 23:44:20
مساحة حرة
بدون زعلبدون زعلاسماعيل عوض 2019-11-16 19:22:29
الرياضة اساس الدبلوماسية الشعبيةالرياضة اساس الدبلوماسية الشعبيةخالد احمد واكد2019-11-16 06:08:36
مصر لها خط ساخن مع المهدي المنتظرمصر لها خط ساخن مع المهدي المنتظرابراهيم يوسف ابو جعفر2019-11-15 20:25:42
النبيّ الموعود..بـ "المقام المحمود"النبيّ الموعود..بـ "المقام المحمود"ابراهيم يوسف ابو جعفر2019-11-08 20:34:06
سمو الشيخ فهد حمد العذاب الهاشميسمو الشيخ فهد حمد العذاب الهاشميعبدالسلام الشقيري 2019-11-07 17:40:26
مواقع النواصلمواقع النواصلأحمد محمود القاضي2019-11-05 00:45:19
ولنا كل الفخرولنا كل الفخر ياسمين مجدي عبده2019-11-04 13:03:56
الضمانالضمانرنيم محمود2019-11-03 20:53:14
html slider by WOWSlider.com v8.0
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر