GO MOBILE version!
ديسمبر120194:00:56 مـربيع آخر31441
العَهد
العَهد
ديسمبر120194:00:56 مـربيع آخر31441
منذ: 8 شهور, 7 أيام, 3 ساعات, 16 دقائق, 27 ثانية

 
كنت حتى مطلع الشهر الماضي أكتوبر/تشرين الأول أسمع من صحبي وأهلي ذات الكلمات، وبعد كل مقال تحثني على توخي الحرص والحذر والحيطة وعدم طرح المواضيع السياسية الحسّاسة أو التجرؤ على حكومة الاحتلال، خوفاً عليّ بتقديم أمثلة ممّن دخل سجونهم لأعوام بسب نقد أو رفض لم يتجاوز حد الكتابة، وآخرون لغاية الآن لم يروا الشمس. ناهيك عن معتقلي الرأي العام في الدول العربية، فحدّث ولا حرج.
حتى مطلع الشهر السالف كانت ذريعة صحبي وأهلي أنّ أحد أهم الأسباب التي تمنحني القوة في الحديث والنقد دون تحرّج من حكومة أو موضوع، هي أنّني واحد أحد وليس لي ولد، ليس هناك أنفاس بريئة تملأ أركان البيت حبوراً وسروراً، نخاف عليهم وعلى اللّقمة التي تُلجم كثير الأحرار في الوطن الكبير - أعذرهم حيناً - الذي ضاق على أهله من شدّة الظلم والتنفّذ اللذان يسيطران على جلّ الشارع العربي من البحر إلى المحيط، وقلت "جلّ" رغم يقيني الصخري بكلّ الشارع العربي، غير أنّني من باب الإنصاف والخوف من الوقوع في الخطأ أترك مساحة للمنصفين من الدول التي لا أظنّها موجودة.
أوشك شهر أكتوبر/تشرين الأول على الانقضاء وطقس بيت لحم بدا يتغيّر وينجلي حرّه ونسمات آتية من جبل أبو غنيم وحلحول تجد في أحياء المدينة مسكناً لها بدءاً من الجدار العنصري مروراً بأسواقها القديمة قريبة من مشفى الدبس، حيث زوجتي بين يديّ الله والأطباء يجرون عملية ولادة، وأنا في الخارج يخفّف عليّ وقع الحدث أهلٌ وأصدقاءٌ وخلّان وصفاء الصباح بعد ساعة بشّر بمولودتنا البكر "لين" وما أخطأت أمّها - نصفي الأجمل - اسمها، فقد أتت ورأيتها بعدما رضيت بالجفاف عمراً وبقائه دهراً وانعدام النسب والنفس والصهر، بعدما انقضى الشباب وحلّ المشيب وصرت كهلاً على مشارف الخمسين، ورأيتها بعين اليقين، صرت أنا لين على لين، وحضنتها بحذر وقلت: "حفظك الله يا عمي" نسيت، فأنا ما نطقت يوماً كلمة "بنيتي" وضحك الجمع من حولي، بعضهم تهلّل مرحاً وبهجة، وآخر كليهما وشجن يتلحّف الحال غبطة غصّة بدمعة.
عرفت أنّني كنت الغريب قبل أن يمنّ الكريم بطفل رضيع، دواء النجلاء والقلب الصديع، وبَدَأت بفتح عينيها تارة وتغلقهم أخرى على غير عادة الأطفال بعد الولادة بدقائق، وبقيت أناجيها وأتذكر نصائح أهلي وصحبي، وأذكر آخر معاناتي قبل ولادتها بأيام في سفري وترحيلي في باكورة شهر ولادتها من مطار دولة الاحتلال تل أبيب "بن غوريون" بعد أيام من الإذلال، حيث رُحلّت بطريقة مهينة وبرفقة أمنية من إسرائيل إلى تركيا ومن تركيا إلى مطار "دوسلدورف" حيث تسلّمتني الشرطة الفدرالية الألمانية وكأنّني مجرم حرب، مرفق بأوراق الترحيل والمنع القطعي من دخول الحدود الإسرائيلية مدى العمر، هذا رغم أنّني أحمل الجنسية الألمانية، وبغير الاعتذار من رجال الشرطة وحقيبتي عدت منهكاً وما تبقى من الإذلال بدا عليّ إحباطا.
لم تكن هذه المرة الأولى التي عانيتها من تعامل دولة الاحتلال القذر، فقد رُحلّت العام الماضي من جسر " اللمبي" ويسمى أيضاً جسر الملك حسين، بذات الطريقة، وسُلّمت لمكتب المخابرات الأردنية على الجسر، وللإنصاف كانوا غاية في الأخلاق وتركوني بعد مواساتهم لي بكلمات طيبة.
وأنا أحملها بين ذراعي، وكلي خوف على طفلي الملائكي الرقيق، استحضرت كل هذا وذاك وحزمة من سيناريوهات الوعظ والتوجيه، بين إرشاد وإذلال من دولة الاحتلال، فأيقنت الآن أنّني سأكون أكثر صلابة ورسوخاً وتمسكاً من الماضي، فلديّ ما أقدّمه لها غير لقمة العيش، التي تراهن عليها الحكومات العربية، أقدّم قضية ستحملها هي من بعدي بكلّ أعبائها وظلم تجارها، أقدّم كلمة أظنّها الحق وإن كان ثمنها إقصاء ومهانة، فأن أحمل على عاتقي همّ جيلي وابنتي وأترابها دون مكافآت أو تلميع وإطراء أو تشجيع أحبّ إليّ من نظرة انكسار ترنوني بها وهي تقرأ كتبي وكتاباتي في الماضي، وكأنها تقول: "أتيتك ولد وسند، فخذلتني وسلّمت العهد".
لا نختلف بنيتي أنا وصحبي عن الحاكم كثيراً، فواحد من الشعب البارحة كان قوت شهره كلّه لا يتجاوز ال 500 دينار، الآن بعد أن حمل على عاتقه أوزار الوطن المنهك من أعباء وزرائه ونوابه، آلت فاتورة إفطاره وعشائه وبعض حاشيته تتجاوز ٢٣٨٥ دينار، ونحن لا نتحدث هنا عن مبهم، إنما هو وزير المياه والري، المهندس رائد أبو السعود ولكنني في الحقيقة فخور كما كلّ أفراد الوطن بالتبرير الذي قدّمته وزارة المياه والري عن تصرّف وزيرها الذي يحمل على عاتقه هم بلاده وأعبائه، فيبدو أنّ الفاتورة حسب طرح الوزارة تضمّنت غير الإفطار والعشاء ثلاثة ليالي في فندق 5 نجوم.
سؤال أخير معالي الوزير، ما هي أنواع الزيت والزعتر واللحمة والمقبلات التي وصلت إلى هذه التكلفة؟ لأن كثيراً من أثرياء البلد عجزوا عن الإجابة. فقط من باب العلم بالشيء معاليك، هذا لأنّ المواطن الذي تتبنى أنت قضاياه "بفطر" بقيمة دينار وتصل إلى ٥ دنانير هو وأسرته ال ١٣ وأمه وأم زوجته المقعدة.
كلّنا الحاكم والمحكوم، نعارض ونستنكر في الفجر، وإذا استقر لنا في الظهيرة كرسي الوزير والمدير صرّحنا بإنجازات السفير ونفينا الفساد عن الملك وأهله والرئيس قلّة الضمير، واستولينا على العرش من تحت الرحمن ومنحناه هدية لنساء سيف الدولة تقتسمه مع بعض عشيرة وأبناء فرير.
فسلام عليكِ يا لين ورفاقك وجيل ستُهذُّبُهُ طهارة وصدق وإيمان وعفّة وبرهان مبين.
 

أُضيفت في: 1 ديسمبر (كانون الأول) 2019 الموافق 3 ربيع آخر 1441
منذ: 8 شهور, 7 أيام, 3 ساعات, 16 دقائق, 27 ثانية
0

التعليقات

151030
أراء وكتاب
ومضى قطار العمر .ومضى قطار العمر .ا.د/إبراهيم محمد مرجونة2020-08-05 21:12:58
سلم لي علي الديمقراطية خليها مصلحجيةسلم لي علي الديمقراطية خليها مصلحجية حماد حلمي مسلم2020-08-04 18:24:07
بعد الصدوربعد الصدورعباس طمبل عبدالله الملك2020-08-04 16:11:55
إنتخابات جديدة وتحديات قديمةإنتخابات جديدة وتحديات قديمةثامر الحجامي2020-08-01 14:18:01
زمن الخندقةزمن الخندقةعبد الرازق أحمد الشاعر2020-07-29 00:35:20
التعددية الزوجيةالتعددية الزوجيةالدكتوره ريهام عاطف2020-07-28 03:28:05
"عقولنا.. وحروبنا النفسية !!!""عقولنا.. وحروبنا النفسية !!!"الدكتور ميثاق بيات الضيفي2020-07-23 16:59:12
الغذاء وحموضة الدم الخطرةالغذاء وحموضة الدم الخطرةد مازن سلمان حمود2020-07-23 00:40:37
أقلام وإبداعات
ميرزا ... نصوص فكريةميرزا ... نصوص فكريةايفان علي عثمان 2020-08-06 20:28:43
إلى حبيبتي...إلى حبيبتي...الدكتوره ريهام عاطف2020-08-05 01:06:14
لبنان والانفجارلبنان والانفجاركرم الشبطي2020-08-04 18:44:02
والشاعر بالشاعر...يذكر؟والشاعر بالشاعر...يذكر؟إبراهيم يوسف2020-08-03 21:29:08
في ظاهرة الشيخ عبدالله رشديفي ظاهرة الشيخ عبدالله رشديسامح عسكر2020-07-31 00:19:17
عيدنا أضحىعيدنا أضحىشفيق السعيد2020-07-29 07:31:28
كي لا تظلم أناكي لا تظلم أناكرم الشبطي2020-07-27 18:33:59
القائد الضرورة .. وحتمية وجود الصورة !القائد الضرورة .. وحتمية وجود الصورة !الحسين عبدالرازق2020-07-27 16:34:38
تغريد الطبيعةتغريد الطبيعةإيناس ثابت2020-07-26 18:05:22
" لية لأ " دراما ناضجة" لية لأ " دراما ناضجةهالة أبو السعود 2020-07-26 17:45:57
أقصانا بات في مرحلة الخطرأقصانا بات في مرحلة الخطرد. وسيم وني2020-07-23 15:08:41
مساحة حرة
حق المرأة في الانتخاب .حق المرأة في الانتخاب .مروة مصطفي حسونة2020-08-06 10:33:47
المنيا على صفيح ساخنالمنيا على صفيح ساخناحمد عز العرب2020-08-03 17:32:04
رأيتها بعد عامرأيتها بعد عامكرم الشبطي2020-08-02 17:09:15
صدر حديثاصدر حديثاسهيل عيساوي 2020-08-01 11:27:21
المعلم المصري وواقعه المؤلمالمعلم المصري وواقعه المؤلممروة مصطفي حسونة2020-08-01 09:42:32
التكافل الاجتماعى جوهر الاسلامالتكافل الاجتماعى جوهر الاسلامجمال المتولى جمعة 2020-07-29 17:02:22
عيون حبيبتيعيون حبيبتيكرم الشبطي2020-07-25 18:31:26
مارلين يونس صوت ساحر و أصيل في زمننا البارد ...مارلين يونس صوت ساحر و أصيل في زمننا البارد ...نهلة حامد ـ القاهرة 2020-07-25 13:46:59
النساء اكثر قوة من جائحة كوروناالنساء اكثر قوة من جائحة كوروناهاجرمحمدموسى2020-07-24 21:05:57
html slider by WOWSlider.com v8.0
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر