GO MOBILE version!
ديسمبر220199:54:23 مـربيع آخر41441
خلاصة الرأي في تاريخ الخلافة
خلاصة الرأي في تاريخ الخلافة
ديسمبر220199:54:23 مـربيع آخر41441
منذ: 8 شهور, 5 أيام, 20 ساعات, 29 دقائق, 23 ثانية

وآخر ما خلُصتُ إليه في أمر الحضارة والخلافة -عن قراءة شمولية لا تمحيصية- أنْ ليس للإسلام فيه شأن -لا سنعة ولا منعة- وإنما هو من تاريخ العرب: حكامهم ملوكٌ خلفاءُ لعرقِهم لا دينِهم، وفتوحاتهم إنما هي توسعية استعمارية، ليست دينية، بل سياسية— وإن كانت أفادت الإسلامَ باشتداد شوكته وانتصاب عوده فإنما ذلك لكونهم ينتمون إليه وينتسب إليهم، كما ألصق انهزام العرب اليوم بالإسلام الخنوع والهوان؛ فكل حاكم يقهر قوما أو يفتح أرضا يشيع فيها دينه وعرفه وقانونه، كما طبع الفرنسيون سياستهم في مصر أثناء حملتهم عليها، وثقافتهم في المغرب العربي إبان احتلاله.

وها هم أولاءِ الروم؛ في بادئ الأمر اضطهدوا المسيحيين من الأقباط فحاصَروهم وأرسلوا عليهم السباع وصلبوهم على البوابات، فبعدما اعتنق المسيحيةَ قيصرُهم جعلوا يبشرون بها ويَفرضونها على أممهم ومن يأتمر بهم؛ وإخناتون إذ أخذ ينادي بالتوحيد الجديد دينا رسميا في كافة أرجاء البلاد، وأصدر مرسومه بإغلاق معابد آمون وتجريم عبادة الآلهة وتقديس الكهنة... وهكذا سطوة الأقوىٰ على الضعيف، وتبعيةُ القوميةِ الواهيةِ المهيمنةَ.

ولقد تعلمت أن أقرأ التاريخ بحياد وموضوعية؛ فصانعُهُ هالكٌ، وكاتبُهُ المنتصرُ، وناشرُهُ مُرتضيه— وكذلك لا تخلو التاريخَ الذاتيةُ ولا يعافُه الرأي في الصياغةِ والحميَّة: أو كنت تقرأُ لمستشرقٍ كِتابيٍّ أدان الحروبَ الصليبيةَ؟ أم أشاد بالانتصارات الأيوبية؟ كلا، البتة— أما القارئ فلهُ أن يحايد ويجانب؛ فلما أن كان الحياد واجبا عند النقل والشهادة شقَّ على النفس، ولما كان مباحا عند المعاينة والقراءة عافته النفسُ، وإني والله لأجد حنقًا وتستثار حفيظتي كما المستعِر من الجمار الحامية أن يُنسبَ ذاك التأريخُ إلى الدين، وتأخذني الغيرة، ولا أجد إلا إثلاجا لصدري -من باب الحمية الذاتية- واعتزازا أن يُطالَعَ بصفةٍ حضارية، حداثية، قومية، عرقية تبعث على الزهو والافتخار.

إنما صفة حضارات الجزيرة بعد الإسلام على شاكلتين؛ فالأموية جاهلية ثانية تلت الجاهلية الأولى، إذ لم يولوا اهتمامهم فيما يبدو للعلم العلماني ولا التدوين، فتبعوا سنة الأولين في التأريخ الشفاهي دون كتابة –ويُتَكَهَّنُ أن آخر من دون من العربِ كانت ثمود البائدة حتى بني العباس– واكترثوا أكثر ما اهتموا بالفتوح والسياسة.

والفتوح التي أقصدُ توسعاتٌ عسكرية غرضها هيمنةٌ استعمارية وبسط نفوذ ملكية شأنها في ذلك شأن كولونيالية القرن التاسع عشر التي ابتدعتها بريطانيا العظمى والإمبراطورية النابليونية في فرنسا، والإمبريالية لاحقًا التي اتسعت مفهومًا لتشمل إلى جانب الهيمنة العسكرية الاستعمار الثقافي والاقتصادي والاجتماعي (أي القومي)، وهو ما صبت إليه جل غزوات الخلفاء في كل أوان: الغرض التوسعي السياسي قبل أي شيء وعوائده المادية، ثم يأتي تباعا له نشر الإسلام والثقافة كطَبيعة حتمية لهيمنة المنتصر، ونتاجٍ لا محتد منه لمعركة رابحة، بدون أو بنية مسبقة.

ولقد كتبت يوما في دفتر مذكراتي أقول:

«… حزنت فلم أجد كالعادة من مؤنسٍ إلا قلمي فأخبِّرهُ أمري، ولا صدرا واعيا إلا دفتري أنثر فيه فيسع همي، كم هم قلة الصِحاب! بل عدم!

وأنَّها من مرارٌ كنَّ قلائلَ تتعصى عليَّ فيهنَّ الكلمات وتهجرني القوافي فلا أستطيع وقت نكد أو مكابدة أن أنظم بيتا، أو بعض بيت؛ أُفرِّغ فيه همي، وأشكو به وإليه حالي التي يُرْثى لها؛ ولذلك حبذت أن أكتب نثرا وهم يقولون أني في النثر أجود من الشعر وأَغَدَقُ كَلِمي فيه د، لا سيما أن شعري ليس فيه من أوزان الأبحر المعروفة عند العَروضيين، ولست أجيدها، كما أنني مِكثارٌ لا أحب أن يستوقفني حد ولا يعوِّقني وزن.

الخطب جلل، والمسألة عضال:
لقد كرهت الدنيا من كثرة ما أحببتها —فكأن حبي لها كتَيْمِك -وأنت ولهان- بفتاة غراء حسناء هيفاء لست تعرف لها إلا صورة، وليست تجمع بينكما طريقٌ، كل ما بينكما الأماني، وكل الذي تعرفه خيال— فبت أسأم طولها، كأني أراني مخلدا لا أموت؛ فاستبعد النهاية، أو كأني أراها تدوم لا تنفك قائمة؛ حتى استبطأ الحِساب.

لقد أخذوا من الدنيا ما تمنى ويتمنى كل أحد جاء يوما إليها، أو وردها، أو عليها، ثم استفحلوا يستعبدون الخلق، واستولوا على الأراضي فملكوها وملَّكوها باسم القوة والسلطان.

أنقم فيما أنقم على المجتمعات ككل وفكرتها التحضُّرية، كما تناولها العقد الاجتماعي لروسو، وأرفض كل ما هو غير بدائية الحياة المجتمعية، التي تكفل الحرية لكل أحد دون تمييز، ودون تمليك ولا استعباد، ودون تسلط ولا تسليط؛ فبأي حق يستولي القوي على الأراضي بمن عليها فيستحل دماءهم ويحتكر حياتهم ويستعمل طاقاتهم في السُخرة والاسترقاق؟ ولكنْ أمرُ الله كان مفعولا.

إن الإنسان حر الأصل -كما آدم- مالكٌ للأرض بلا حدود -كما أسلف جون لوك- ثم عاد لا يخلق حرا بعد آدم، فلقد تراه يولد مملوكا دائما لآبائه، وانتماءاتهم، ومجتمعهم، ومعتقدهم، فهذه جبرية الخلق، وحتمية الوجود، أما اختياراته.. فإنها لا تصحح، ولا تزيد، ولا تنقص، لأنه مُذُ بدايته كان عبدا، وكذلك يبقى.

لكن الطريف في الأمر أن ترى عبدا يصير ذا ملك، أو يتخذ عبدا؛ فيملكه من جملة ما يملكه، وإن كان الإسلام حرم الرق، وأعتق الجواري، ووضع قانونا صارما لدرء الاستغلال الجنسي للسيدِ إماءه أو عبيده بالنكاح على الشريعة أو الإنكاح دون مسافحة أو بغاء— إلا أنه على الرغم من ذلك كله نقر بأن خلافة الإسلام ماتت بموت عليٍّ أو بموتِ معاويةَ، فأين الإسلام بعدئذ؟ وكلٌ أصبح يتصارع على ولاية الدنيا وينسى أمر الآخرة، يتهافتون على المناصب والكراسي، ويتناسَون ما أُوكل إلى من يعتليها من مصلحةِ وشأنِ العباد والبلاد، لا يسعون إلا إلى المصالح الأُحادية، ويرتؤون فُضلاها الشهواتِ والنشواتِ، والمتاعَ الذي لا يؤتى إلا في محرم ولا، يُتوَرَّع عن إتيانه أبدا.

فلا أجدنك يا عبدَ الله بعد اليوم تذكر أحدهم بعد عليٍّ ناعتا إياه خليفة ولا أميرا للمؤمنين، ومن إذًا من ملوكهم وأمرائهم لم يعهد المُدام والقِيان؟ حتى أنهم سنوا تجارة الرقيق التي كان الإسلام قد حرمها، وأعادوا التفريق من جديد بين الأمَة التي تتخذ للخدمة، والجارية التي تستحل للمسافحة بينما هم في سمرات ليلهم، ولقد بلغ بهم الأمر أن …»

أُضيفت في: 2 ديسمبر (كانون الأول) 2019 الموافق 4 ربيع آخر 1441
منذ: 8 شهور, 5 أيام, 20 ساعات, 29 دقائق, 23 ثانية
0

التعليقات

151042
أراء وكتاب
ومضى قطار العمر .ومضى قطار العمر .ا.د/إبراهيم محمد مرجونة2020-08-05 21:12:58
سلم لي علي الديمقراطية خليها مصلحجيةسلم لي علي الديمقراطية خليها مصلحجية حماد حلمي مسلم2020-08-04 18:24:07
بعد الصدوربعد الصدورعباس طمبل عبدالله الملك2020-08-04 16:11:55
إنتخابات جديدة وتحديات قديمةإنتخابات جديدة وتحديات قديمةثامر الحجامي2020-08-01 14:18:01
زمن الخندقةزمن الخندقةعبد الرازق أحمد الشاعر2020-07-29 00:35:20
التعددية الزوجيةالتعددية الزوجيةالدكتوره ريهام عاطف2020-07-28 03:28:05
"عقولنا.. وحروبنا النفسية !!!""عقولنا.. وحروبنا النفسية !!!"الدكتور ميثاق بيات الضيفي2020-07-23 16:59:12
الغذاء وحموضة الدم الخطرةالغذاء وحموضة الدم الخطرةد مازن سلمان حمود2020-07-23 00:40:37
أقلام وإبداعات
ميرزا ... نصوص فكريةميرزا ... نصوص فكريةايفان علي عثمان 2020-08-06 20:28:43
إلى حبيبتي...إلى حبيبتي...الدكتوره ريهام عاطف2020-08-05 01:06:14
لبنان والانفجارلبنان والانفجاركرم الشبطي2020-08-04 18:44:02
والشاعر بالشاعر...يذكر؟والشاعر بالشاعر...يذكر؟إبراهيم يوسف2020-08-03 21:29:08
في ظاهرة الشيخ عبدالله رشديفي ظاهرة الشيخ عبدالله رشديسامح عسكر2020-07-31 00:19:17
عيدنا أضحىعيدنا أضحىشفيق السعيد2020-07-29 07:31:28
كي لا تظلم أناكي لا تظلم أناكرم الشبطي2020-07-27 18:33:59
القائد الضرورة .. وحتمية وجود الصورة !القائد الضرورة .. وحتمية وجود الصورة !الحسين عبدالرازق2020-07-27 16:34:38
تغريد الطبيعةتغريد الطبيعةإيناس ثابت2020-07-26 18:05:22
" لية لأ " دراما ناضجة" لية لأ " دراما ناضجةهالة أبو السعود 2020-07-26 17:45:57
أقصانا بات في مرحلة الخطرأقصانا بات في مرحلة الخطرد. وسيم وني2020-07-23 15:08:41
مساحة حرة
حق المرأة في الانتخاب .حق المرأة في الانتخاب .مروة مصطفي حسونة2020-08-06 10:33:47
المنيا على صفيح ساخنالمنيا على صفيح ساخناحمد عز العرب2020-08-03 17:32:04
رأيتها بعد عامرأيتها بعد عامكرم الشبطي2020-08-02 17:09:15
صدر حديثاصدر حديثاسهيل عيساوي 2020-08-01 11:27:21
المعلم المصري وواقعه المؤلمالمعلم المصري وواقعه المؤلممروة مصطفي حسونة2020-08-01 09:42:32
التكافل الاجتماعى جوهر الاسلامالتكافل الاجتماعى جوهر الاسلامجمال المتولى جمعة 2020-07-29 17:02:22
عيون حبيبتيعيون حبيبتيكرم الشبطي2020-07-25 18:31:26
مارلين يونس صوت ساحر و أصيل في زمننا البارد ...مارلين يونس صوت ساحر و أصيل في زمننا البارد ...نهلة حامد ـ القاهرة 2020-07-25 13:46:59
النساء اكثر قوة من جائحة كوروناالنساء اكثر قوة من جائحة كوروناهاجرمحمدموسى2020-07-24 21:05:57
html slider by WOWSlider.com v8.0
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر