GO MOBILE version!
ديسمبر220199:54:23 مـربيع آخر41441
خلاصة الرأي في تاريخ الخلافة
خلاصة الرأي في تاريخ الخلافة
ديسمبر220199:54:23 مـربيع آخر41441
منذ: 1 شهر, 23 أيام, 42 دقائق, 24 ثانية

وآخر ما خلُصتُ إليه في أمر الحضارة والخلافة -عن قراءة شمولية لا تمحيصية- أنْ ليس للإسلام فيه شأن -لا سنعة ولا منعة- وإنما هو من تاريخ العرب: حكامهم ملوكٌ خلفاءُ لعرقِهم لا دينِهم، وفتوحاتهم إنما هي توسعية استعمارية، ليست دينية، بل سياسية— وإن كانت أفادت الإسلامَ باشتداد شوكته وانتصاب عوده فإنما ذلك لكونهم ينتمون إليه وينتسب إليهم، كما ألصق انهزام العرب اليوم بالإسلام الخنوع والهوان؛ فكل حاكم يقهر قوما أو يفتح أرضا يشيع فيها دينه وعرفه وقانونه، كما طبع الفرنسيون سياستهم في مصر أثناء حملتهم عليها، وثقافتهم في المغرب العربي إبان احتلاله.

وها هم أولاءِ الروم؛ في بادئ الأمر اضطهدوا المسيحيين من الأقباط فحاصَروهم وأرسلوا عليهم السباع وصلبوهم على البوابات، فبعدما اعتنق المسيحيةَ قيصرُهم جعلوا يبشرون بها ويَفرضونها على أممهم ومن يأتمر بهم؛ وإخناتون إذ أخذ ينادي بالتوحيد الجديد دينا رسميا في كافة أرجاء البلاد، وأصدر مرسومه بإغلاق معابد آمون وتجريم عبادة الآلهة وتقديس الكهنة... وهكذا سطوة الأقوىٰ على الضعيف، وتبعيةُ القوميةِ الواهيةِ المهيمنةَ.

ولقد تعلمت أن أقرأ التاريخ بحياد وموضوعية؛ فصانعُهُ هالكٌ، وكاتبُهُ المنتصرُ، وناشرُهُ مُرتضيه— وكذلك لا تخلو التاريخَ الذاتيةُ ولا يعافُه الرأي في الصياغةِ والحميَّة: أو كنت تقرأُ لمستشرقٍ كِتابيٍّ أدان الحروبَ الصليبيةَ؟ أم أشاد بالانتصارات الأيوبية؟ كلا، البتة— أما القارئ فلهُ أن يحايد ويجانب؛ فلما أن كان الحياد واجبا عند النقل والشهادة شقَّ على النفس، ولما كان مباحا عند المعاينة والقراءة عافته النفسُ، وإني والله لأجد حنقًا وتستثار حفيظتي كما المستعِر من الجمار الحامية أن يُنسبَ ذاك التأريخُ إلى الدين، وتأخذني الغيرة، ولا أجد إلا إثلاجا لصدري -من باب الحمية الذاتية- واعتزازا أن يُطالَعَ بصفةٍ حضارية، حداثية، قومية، عرقية تبعث على الزهو والافتخار.

إنما صفة حضارات الجزيرة بعد الإسلام على شاكلتين؛ فالأموية جاهلية ثانية تلت الجاهلية الأولى، إذ لم يولوا اهتمامهم فيما يبدو للعلم العلماني ولا التدوين، فتبعوا سنة الأولين في التأريخ الشفاهي دون كتابة –ويُتَكَهَّنُ أن آخر من دون من العربِ كانت ثمود البائدة حتى بني العباس– واكترثوا أكثر ما اهتموا بالفتوح والسياسة.

والفتوح التي أقصدُ توسعاتٌ عسكرية غرضها هيمنةٌ استعمارية وبسط نفوذ ملكية شأنها في ذلك شأن كولونيالية القرن التاسع عشر التي ابتدعتها بريطانيا العظمى والإمبراطورية النابليونية في فرنسا، والإمبريالية لاحقًا التي اتسعت مفهومًا لتشمل إلى جانب الهيمنة العسكرية الاستعمار الثقافي والاقتصادي والاجتماعي (أي القومي)، وهو ما صبت إليه جل غزوات الخلفاء في كل أوان: الغرض التوسعي السياسي قبل أي شيء وعوائده المادية، ثم يأتي تباعا له نشر الإسلام والثقافة كطَبيعة حتمية لهيمنة المنتصر، ونتاجٍ لا محتد منه لمعركة رابحة، بدون أو بنية مسبقة.

ولقد كتبت يوما في دفتر مذكراتي أقول:

«… حزنت فلم أجد كالعادة من مؤنسٍ إلا قلمي فأخبِّرهُ أمري، ولا صدرا واعيا إلا دفتري أنثر فيه فيسع همي، كم هم قلة الصِحاب! بل عدم!

وأنَّها من مرارٌ كنَّ قلائلَ تتعصى عليَّ فيهنَّ الكلمات وتهجرني القوافي فلا أستطيع وقت نكد أو مكابدة أن أنظم بيتا، أو بعض بيت؛ أُفرِّغ فيه همي، وأشكو به وإليه حالي التي يُرْثى لها؛ ولذلك حبذت أن أكتب نثرا وهم يقولون أني في النثر أجود من الشعر وأَغَدَقُ كَلِمي فيه د، لا سيما أن شعري ليس فيه من أوزان الأبحر المعروفة عند العَروضيين، ولست أجيدها، كما أنني مِكثارٌ لا أحب أن يستوقفني حد ولا يعوِّقني وزن.

الخطب جلل، والمسألة عضال:
لقد كرهت الدنيا من كثرة ما أحببتها —فكأن حبي لها كتَيْمِك -وأنت ولهان- بفتاة غراء حسناء هيفاء لست تعرف لها إلا صورة، وليست تجمع بينكما طريقٌ، كل ما بينكما الأماني، وكل الذي تعرفه خيال— فبت أسأم طولها، كأني أراني مخلدا لا أموت؛ فاستبعد النهاية، أو كأني أراها تدوم لا تنفك قائمة؛ حتى استبطأ الحِساب.

لقد أخذوا من الدنيا ما تمنى ويتمنى كل أحد جاء يوما إليها، أو وردها، أو عليها، ثم استفحلوا يستعبدون الخلق، واستولوا على الأراضي فملكوها وملَّكوها باسم القوة والسلطان.

أنقم فيما أنقم على المجتمعات ككل وفكرتها التحضُّرية، كما تناولها العقد الاجتماعي لروسو، وأرفض كل ما هو غير بدائية الحياة المجتمعية، التي تكفل الحرية لكل أحد دون تمييز، ودون تمليك ولا استعباد، ودون تسلط ولا تسليط؛ فبأي حق يستولي القوي على الأراضي بمن عليها فيستحل دماءهم ويحتكر حياتهم ويستعمل طاقاتهم في السُخرة والاسترقاق؟ ولكنْ أمرُ الله كان مفعولا.

إن الإنسان حر الأصل -كما آدم- مالكٌ للأرض بلا حدود -كما أسلف جون لوك- ثم عاد لا يخلق حرا بعد آدم، فلقد تراه يولد مملوكا دائما لآبائه، وانتماءاتهم، ومجتمعهم، ومعتقدهم، فهذه جبرية الخلق، وحتمية الوجود، أما اختياراته.. فإنها لا تصحح، ولا تزيد، ولا تنقص، لأنه مُذُ بدايته كان عبدا، وكذلك يبقى.

لكن الطريف في الأمر أن ترى عبدا يصير ذا ملك، أو يتخذ عبدا؛ فيملكه من جملة ما يملكه، وإن كان الإسلام حرم الرق، وأعتق الجواري، ووضع قانونا صارما لدرء الاستغلال الجنسي للسيدِ إماءه أو عبيده بالنكاح على الشريعة أو الإنكاح دون مسافحة أو بغاء— إلا أنه على الرغم من ذلك كله نقر بأن خلافة الإسلام ماتت بموت عليٍّ أو بموتِ معاويةَ، فأين الإسلام بعدئذ؟ وكلٌ أصبح يتصارع على ولاية الدنيا وينسى أمر الآخرة، يتهافتون على المناصب والكراسي، ويتناسَون ما أُوكل إلى من يعتليها من مصلحةِ وشأنِ العباد والبلاد، لا يسعون إلا إلى المصالح الأُحادية، ويرتؤون فُضلاها الشهواتِ والنشواتِ، والمتاعَ الذي لا يؤتى إلا في محرم ولا، يُتوَرَّع عن إتيانه أبدا.

فلا أجدنك يا عبدَ الله بعد اليوم تذكر أحدهم بعد عليٍّ ناعتا إياه خليفة ولا أميرا للمؤمنين، ومن إذًا من ملوكهم وأمرائهم لم يعهد المُدام والقِيان؟ حتى أنهم سنوا تجارة الرقيق التي كان الإسلام قد حرمها، وأعادوا التفريق من جديد بين الأمَة التي تتخذ للخدمة، والجارية التي تستحل للمسافحة بينما هم في سمرات ليلهم، ولقد بلغ بهم الأمر أن …»

أُضيفت في: 2 ديسمبر (كانون الأول) 2019 الموافق 4 ربيع آخر 1441
منذ: 1 شهر, 23 أيام, 42 دقائق, 24 ثانية
0

التعليقات

151042
أراء وكتاب
إبداعات
الكائن والممكن والمستحيلالكائن والممكن والمستحيلطيرا الحنفي2020-01-21 02:01:06
لا تصدقيهملا تصدقيهمأحمد يسري عبد الرسول2020-01-20 10:14:07
ألوان الشتاءألوان الشتاءمروة عبيد2020-01-19 19:39:57
ليلةٌ باردةليلةٌ باردةمروة عبيد2020-01-12 12:20:45
في رثاء محمد شحرورفي رثاء محمد شحروربنعيسى احسينات - المغرب2020-01-12 11:13:09
دعونيدعونيكرم الشبطي2020-01-10 18:46:36
أنهكني إدراكي ..أنهكني إدراكي ..نورا محمد 2020-01-10 17:04:42
الْعِيسَوِيَّةْالْعِيسَوِيَّةْ محسن عبد المعطي محمد عبد ربه 2020-01-10 13:08:36
كارلوس غصن وخرائط جغرافيا النفوذكارلوس غصن وخرائط جغرافيا النفوذطيرا الحنفي2020-01-08 22:21:50
فلسفة الموت حياةفلسفة الموت حياةكرم الشبطي2020-01-08 18:58:02
المنطقة ملتهبةالمنطقة ملتهبةكرم الشبطي2020-01-07 21:07:59
مساحة حرة
html slider by WOWSlider.com v8.0
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر